اعتقالات سبتمبر.. السيسي ورصاصة الإسلامبولي

في بداية شهر سبتمبر الجاري ظهر بدون مقدمات شخص يدعى محمد علي عبدالخالق ليبث غير ملثم الوجه، صوتا وصورة، بملامح هي أقرب إلى الشاب المصري المشاكس ابن الحارة وبالعامية المصرية (الحورتجي) الذي يرتدي قميصًا مفتوحًا كاشفًا للصدر، ممسكًا بسيجار يدخنه وكأنه مصدر إلهامه (ويعمر الجمجمة عشان يطلع الكلام الموزون)، متحدثا بنبرة صوت الفقراء المساكين ساكني العشوائيات حيث يظهر ذلك جليا في نطقه لبعض الحروف ومده الحرف الأخير من الكلمة، هذا من حيث الشكل أما من حيث المضمون فيتحدث محمد عن الظلم الذي وقع عليه وكيف أكل قادة في الجيش أمواله بالباطل ليتطرق بعد ذلك إلى الفساد في الطبقة المسيطرة على الجيش وكيف تدار المنظومة الاقتصادية للجيش بصورة توطن للفساد والإفساد.

 

تتوالى الفيديوهات ويتطرق محمد إلى الكثير من الشخصيات صابًا جل اهتمامه على السيسي وزوجته مبينًا كيف تنفق المليارات على الرغبات الشخصية في بناء القصور والاستراحات وتجديد القديم منها بصورة تنم عن الترف، يدعو محمد إلى ثورة جديدة تطيح بالسيسي والسيسي فقط دونما المساس بأي شخص آخر في النظام، لن أناقش هنا مدى صدق محمد في رسالته وهل هناك أيادٍ تحركه؟ ولماذا السيسي والسيسي فقط؟ وهل للظرف الإقليمي والعالمي دور في تحرك محمد علي (ترامب يعاني ومهدد بالعزل، نتنياهو قد يواجه المحاكمة بتهم فساد، الخليج غارق حتى أذنيه في الصراع مع إيران، السيسي لم يترك له حبيب داخل مصر فآثار يده على قفا الجميع)، ما أود مناقشته في هذا المقال هو الإجابة على هذا السؤال: هل يتم دفع السيسي كي يسير على خطى السادات نحو رصاصة الإسلامبولي؟!

   

  

في الثالث من سبتمبر عام 1981 أصدر السادات أمرًا باعتقال أكثر من ألف وخمسمئة شخصية مصرية شملت كل ألوان الطيف السياسي المصري كانت هذه الخطوة هي القشة التي كسرت ظهر السادات الذي طالما اتصف بالذكاء السياسي والحنكة في التعامل مع المتناقضات، فكانت رصاصة الملازم أول خالد أحمد شوقي الإسلامبولي هي نقطة النهاية، ومن عجائب القدر أن يظهر محمد علي في نفس التوقيت من سبتمبر 2019 ليدفع السيسي إلى اعتقال الجميع بلا أي رؤية أو هدف فقط هاجس الخوف من الإطاحة به وكأن حلمه بأنه سادات مصر القادم يتحقق.

 

السيسي الذي انقلب على أول رئيس مصري منتخب في تاريخ مصر هذا المنقلب يعيش متخوفًا من مثل هذه اللحظة التي يدخل عليه فيها أحد ضباطه ليخبره أنه مجرد من كل صلاحياته ورهن الإقامة الجبرية، هذا الهاجس الذي يلاصقه كما الريمورا أو قملة القرش يجعله يقدم على الخيار الأعنف دائمًا، لا حلول وسط، لا معالجات سياسية، لازال السيسي يعيش أسير لحظة الانقلاب، حتى أنه اعتقل بعض أساتذة العلوم السياسية لمجرد كتابة منشور عبر تطبيق الفيسبوك يحلل الأوضاع ويتوقع السيناريوهات، ويعتقل أساتذة جامعة آخرين لمطالبتهم على استحياء بتحسين الأجور، سبحان الله على خطى السادات شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، وكأن من رسم النهاية للسادات يسعى لنفس النهاية للسيسي، اغتيال ثم انتقال للسلطة داخل بنية النظام دون أي تغيير، قد يكون الاغتيال معنويا عبر وقائع فساد وإهدار مال عام أو اغتيال حقيقي يسمع فيه أزيز الرصاص ويكسو الأحمر القاني جنبات المكان.

  

ولاعتقادي أن اغتيال السادات لم يكن عملا وليد اللحظة مع يقيني أن الإسلامبولي ورفاقه لم يكونوا عملاء لأحد وإنما تحركهم قناعاتهم الشخصية ومن أدار المشهد استخدمهم دون أن يدروا، لهذا الاعتقاد الذي يستقر داخلي أرجو كل إسلامبولي أن تبقى رصاصته داخل خزنة سلاحه ولا تخرج، علينا كمصريين أن نتعلم من التاريخ وألا نكون أحجارًا تقذف بيد الأعداء.

 

الرجل راحل راحل لا محالة، وأيامه في السلطة معدودة، المطلوب منا أن نقرأ الواقع جيدا، ولا ننجر خلف سيناريوهات رُسمت لتخدم مصالح الفسدة، لندع الفسدة يطيحون ببعضهم، دون أن يستخدمونا كشعب لتلميع صورة المنتصر منهم، لن نهتف لأحد ولن نحمل أحدًا على الأكتاف وينبغي أن نتعامل بحذر وحيطة شديدين مع أي قادم، حفظ الله مصر وأهلها من كل سوء وأبرم لها أمر رشد يُعز فيه أهل طاعته.      



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة