logo

أقل من مائة يوم.. هل تتجاوز غزة الكارثة؟

في ظل الصراع الساخن في منطقة الشرق الأوسط بين أمريكا وحلفائها من طرف وإيران وحلفائها من طرف آخر، والأحداث الساخنة في اليمن وسوريا ومصر وليبيا والعراق والسودان وغيرها، ضاعت تفاصيل إنسانية هامة في منطقة جغرافية صغيرة طالما كانت تتصدر المشهد الإعلامي والإنساني في ظل استقرار نسبي في محيطها الجغرافي، فما عادت بعض الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة وانقطاع التيار الكهربائي لمعدلات تتجاوز 17 ساعة يومياً وما يخلفها من وفيات له تأثير إعلامي وإنساني في هذا المشهد الواسع الذي ينزف دماً، وما عاد انقطاع نصف أصناف الأدوية في غزة يستقطب التعاطف الإنساني والدولي أمام عشرات أو مئات ممن يسقطون قتلى في نزاعات مجاورة في الشرق الأوسط، فالضمير الإنساني تجاه غزة يموت بشكل تدريجي في الوقت الذي تنضب فيه مقومات الحياة في غزة باستثناء بعض جرعات الإنعاش التي تقدمها بعض المؤسسات المانحة التي بالكاد تحافظ على استمرار نبض الحياة.

  

ولكن استمرار هذا الواقع المأساوي يأتي قبيل أقل من مائة يوم على حلول العام القادم والذي تقدر فيه الأمم المتحدة بأن غزة لن تكون قابلة للحياة بسبب الحصار المستمر على القطاع منذ ثلاثة عشر عاماً والذي أدى إلى تدهور الأوضاع المعيشية والإنسانية للسكان على كافة الصعد والمجالات والتي من أهمها المجال الاقتصادي والصحي والتعليمي والإيواء.

 

لا تزال آلاف الأسر مشردة لم تعد إلى بيوتها بسبب تدميرها من الاحتلال، ولا تزال عشرات آلاف المنازل بين مدمرة ومتضررة لا تحمي ساكنيها من حر الصيف أو برد الشتاء

لقد صنف البنك الدولي قطاع غزة كأسوأ اقتصاد على مستوى العالم خلال العقدين الأخيرين، وهذا بالتأكيد انعكاس للواقع الإنساني الذي تسبب به الحصار والذي جعل من غزة أعلى نسبة بطالة في العالم، وهي طعنة قاتلة لمستقبل وأحلام الشباب في القطاع، كما أن الموظفين الحكوميين لا يتلقون إلا نصف رواتبهم في أحسن الأحوال، وأكثر من ثلثي العاملين في القطاع الخاص لا يتقاضون الحد الأدنى من الرواتب، وهذا أدى إلى اعتماد الغالبية الساحقة من السكان على المساعدات في مشهد مأساوي لتعطيل الإمكانات والقدرات الكامنة لدى الشباب. فالشباب في غزة لا يعاني من نقص التعليم فنسبة الأمية فيه تعتبر الأقل عالمياً، لكنه يعاني من ندرة الفرص بسبب الحصار.

  

والقطاع الصحي ليس أفضل حالاً، فلا زالت نصف أصناف الأدوية مقطوعة في المستشفيات مما يضطر المرضى الذين يعانون الفقر إلى شرائها مما يزيد من تراكب الأزمات لدى هذه الأسر، كما أن الاعتداءات الإسرائيلية على مسيرات العودة خلفت أكثر من اثنين وثلاثين ألفاً من المصابين جزءٌ منهم أصيب بإصابات خطيرة تحتاج إلى وقت طويل من العلاج وجزء آخر أصيب بإعاقات مستديمة مما انعكس سلباً على حياة أسرهم، فإن كان هذا المصاب يُعيل هذه الأسرة أصبحت كل الأسرة بحاجة إلى من يعيلها، وإذا كانت الأسرة فقيرة فكيف لها أن توفر له العلاج، وإذا أصيب الجريح بإعاقة فإنه يحتاج وأهله إلى دعم نفسي وموائمة منزلية لظروف الإعاقة، فهؤلاء الجرحى ليسوا أرقاماً يتم إحصاؤها بل هي مآسي إنسانية لأسر وعائلات مستورة لا تتسع الكلمات للتعبير عنها.

 

ومع بدء العام الدراسي الجديد في قطاع غزة توجه قرابة نصف مليون طالب في القطاع إلى المدارس والجامعات، فطلبة المدارس لم يتمكنوا من توفير الزي المدرسي وحضر معظمهم بحقائبهم المستعملة، باستثناء ما تقدمه بعض الجمعيات من بعض المساعدات، وأما طلبة الجامعات فالغالبية ذهبوا للجامعة لإتمام عمليات التسجيل للفصل الدراسي ولكنهم لم يتمكنوا من الالتحاق بها بسبب عدم قدرتهم على دفع الرسوم باستثناء من حصل منهم على منح جزئية محدودة، وهذا انعكس سلباً على الموظفين أيضاً في القطاع الجامعي فأصبحوا لا يتقاضون سوى نصف رواتبهم، وأثر بشكل كبير على أداء المعلمين والأكاديميين، كما أن أكثر من عشرين ألف خريج من الجامعات لم يتمكنوا من استلام شهاداتهم الأكاديمية بسبب عدم استطاعتهم تسديد رسوم وقروض الجامعة.

 

كل هذه المآسي الإنسانية التي يحياها الإنسان الفلسطيني في قطاع غزة تزداد ضيقاً مع تضاؤل وهشاشة المسكن الذي يسكنه، فلا تزال آلاف الأسر مشردة لم تعد إلى بيوتها بسبب تدميرها من الاحتلال، ولا تزال عشرات آلاف المنازل بين مدمرة ومتضررة لا تحمي ساكنيها من حر الصيف أو برد الشتاء، ولا يزال أكثر من أربعة آلاف منزل في قطاع غزة غير قابل للسكن الآدمي ولا حتى الحيواني في بعض الأحيان، فضيق المأساة يتضاعف مع ضيق وهشاشة المسكن الذي يجعل حالة التنفس لهذه الأسر في أسوء حالاتها، وتتراكم هذه المأساة مع الانقطاع المستمر والطويل للتيار الكهربائي والتلوث شبه الكامل لمياه الشرب والذي يؤدي إلى اضطرار الأسر الفقيرة لشراء المياه النظيفة وشراء الكهرباء من المولدات بتكاليف باهظة أو استخدام الشموع التي قد تحرقهم أو تقضي عليهم خنقاً كما حرقت وخنقت أكثر من ثلاثين طفلاً.

  

وبالرغم من كل هذه المآسي المتعددة والمتراكبة فإن الإنسان الفلسطيني في قطاع غزة هو إنسان يضرب المثل في قدرته على الصمود في أسوء الظروف، وقد أثبت خلال فترة الحصار على قدرته على التأقلم مع هذه الظروف وإبداع الحلول التي تمكنه من المسير قدماً رغم كل التحديات والمعوقات، لكن الاستمرار في التعويل على هذا الإنسان بعد ثلاثة عشر عاماً من الحصار هو أمر خطير بعدما استنزفت موارده ومدخراته وأصبح في وضع مدقع بلا مغيث حقيقي، فما كان في الماضي قد لا نجده في المستقبل إذا استمر إغلاق الأبواب، فحري بأحرار هذا العالم ومؤسساته الدولية ودولنا العربية والإسلامية أن تطبق قرارتها السابقة بإنهاء الحصار فوراً وتستدرك ما يمكن استدراكه قبيل إعلان الكارثة حتى تستمر غزة بنبض الحياة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة