رواية السراب.. تقويم مشهد أخطأته عبقرية نجيب محفوظ

لقد عتبت العتب كله على نجيب محفوظ في روايته "السراب"، بينما كامل رؤبة لاظ، بطل الرواية يتحسس خطوات زوجه الأستاذة، لعله يقف عليها في وضع تلبس، بعدما أكلته الوساوس ونخرت قلبه. تعرفون القصة صحيح؟ لكن تحسبا لأن يكون بيننا من لم يطلع على الرواية بعد، سأحاول تلخيص المشهد لتتضح الرؤية، ولكن فلتطمئنوا، لن أحرق أحداث الرواية، أي أنها ستظل حبلى بروعتها الأدبية، حتى وإن لخصنا مشهدنا موضوع الحديث.

بدون مقدمات يرجع كامل رؤبة لاظ لغرفة النوم في منزلهما الكبير، لم تشعر الزوجة بدخوله، وظلت على حالها تقرأ في ورقة، كانت الورقة خطابا، لكن ولما أحست بثقل نظرات زوجها، التفتت، فصدمت به وهو يحدق النظر إليها، وبارتباك مزقت الخطاب مزقا صغيرة ورمتها من النافذة لتهب بها الرياح، صُعق كامل لهذا التصرف، وبعد شجار محموم، أخبرته أنها تلقت الخطاب في المدرسة، وأنه كان يضم كلاما تافها من مجهول يعترف لها بإعجابه، وأنها لما أشفقت من أن زوجها لن يصدقها، لم تتمالك نفسها فمزقت الخطاب وكان ما كان. لكن كاملا لم يقتنع بهذا التبرير، الحقيقة أن ارتياحا ما ألم بنفسه ساعة كانت تخبره، وأحس أن عبئا ثقيلا يزاح عن صدره، لكن ولما انصرف إلى وظيفته بالوزارة، انثالت على نفسه الوساوس، فأرهقته من أمره عسرا، فشعر بنفسه وكأنه يتآكل من الداخل، وليخطو خطوة عملية.

كل هذه العلامات النصية يتركها دوستويفسكي مهملة، دون أن يعرج إلى ذكرها، كان حسبه أن يعرض لنا الحالات المختلفة لشخصيته، ثم يترك لنا العنان التام لنأخذ انطباعنا عنها، فنكتشف أنها شخصية تعاني حالات غريبة من التناقض

سارع فطلب إجازة من العمل بحجة المرض بسرية تامة، فكان كل يوم يتهيأ وكأنه يغادر إلى الوزارة، لكنه ما يفتأ يعود أدراجه، متتبعا خطوات زوجه من لحظة مغادرتها البيت حتى وصولها المدرسة، وبين ولوجها المدرسة وخروجها يمتد زمان لم يكن يدري أن يمضيه، لكن وحتى لا تفوته حركة من حركات زوجه، اهتدى للجلوس في مقهى غير بعيد من باب المدرسة، بحيث يتمكن من رؤية الشارع ورصيف المدرسة رؤية واضحة، كان موضع جلوسه بباب المقهى، فإذا شعر أن زوجته ساعة خروجها قد تنظر جهة المقهى، تراجع مسافة دافعا الكرسي إلى الوراء داخل المقهى، فإذا هو لا يرى. يا إلهي! لمَ كل هذه التفاصيل؟ كان في وسعي القول: كان يجلس قرب المدرسة بمقهى شعبي بحيث يمكنه أن يرى الفضاء الذي تشغله زوجته دون أن يثير أي شكوك، كان حسبي هذا القول ثم أمضي، ولكنها بلية الاستطراد، قبحها الله من عادة.

ما علينا، أثناء جلوسه في المقهى، كانت تطالعه فتاة سمينة دميمة الخلقة من شرفة منزل تقابل المقهى. استهجن أول الأمر وقاحتها وجرأتها المستفزة، لكن وبفعل توالي النظرات في الأيام الأولى، اعتاد عليها حتى وقع في حبها! حسنا ليس حبا، وإنما الأمر أشبه بذنب من الذنوب نقترفه ليس لأننا نحبه، بل لأنه نزوة عابرة وكفى. بعد هذا التفصيل الذي شوه على الأغلب هذا المقطع من رواية "السراب"، أظنني نجحت في تقريب الصورة لمن لم يطلع بعدُ على الرواية.

ففي نظري أن الذائقة الروائية لنجيب محفوظ قد أخطأته في هذا المشهد، إذ كان عليه حتى يجعل لروايته طابعا خرافيَ الجمال، أن يتوقف عند هذه الفكرة ولا يزيد عليها تفصيلا، لاسيما وأن بطل الرواية قد زاوله الشك، وأدرك أنه كام متهورا وعجولا، فلام نفسه أنها سمحت لكل تلك الشكوك والأوهام أن تدفع به لتعقب آثار زوجته. ثم بعد هذا التأديب البسيط، غرق هو في شهواته مع المرأة البدينة المتصابية، غير أن نجيب محفوظ للأسف لم يتوقف عند هذا الحد، فلم يشأ أن يترك ثغرة في المشهد دون أن يملأه بالحروف، وكأنه إزاء قارئ كسول، لا يمد يده لتناول الفكرة، بل ينتظر من الكاتب أن يحشوها في ذهنه، لا أخفيكم أني شعرت بالإهانة عندما قرر نجيب محفوظ أن كامل رؤبة لاظ، "وهو يسعى لكشف خيانة زوجته، وقع هو في الخيانة"، هذه النتيجة التي قد تبدو بسيطة، ولا حرج على الكاتب إن هو ذكرها، جعلتني أشعر بالألم، فالكاتب هنا سلبني بوصفي قارئا حقي في التأويل والوصول إلى المعنى، صادر حقي في الاستنتاج، وكأنى آلة تقرأ، لا ترجو شيئا سوى أن يُحشى ذهنها بالخلاصات والنتائج والتأويلات، أحسست إحساسا حارقا بأنه لم يحترمني، لم يحترم رغبتي في مشاركته إبداعه وفي تثمين فكرته.

وإني أقرأ هذه الحادثة، كنت أتصور المشهد غاية في الوضوح، غاية في الجمال، يالها من فكرة استنتجها، لم يأت المؤلف على ذكرها، كان ذلك عن قصد منه، تاركا الأمر لي لأفعل، وقريب من نهاية الفصل، بحثت عن قلم رصاص لأدون الفكرة بالذات كهامش على النص، فإذا بي أصدم بها مرقونة بقلم نجيب نفسه! يا لها من صدمة! في تلك اللحظة شعرت بالحقد، واعتراني غضب غريب، في الواقع حقدت على نجيب محفوظ، وودت لو أني أصرخ في وجهه، أو على الأقل أن أطلب منه راجيا أن يقوم بحذفها من الطبعة الثانية.

مثل هذا الأشياء لا يمكن أن نلاحظها على كتاب آخرين، كـ"فيودور دستويفسكي"، فهو مثلا في روايته "الإخوة كارامازوف"، يعرض لنا شخصية غريبة غرابة عجيبة، تلك هي شخصية ديمتري فيدورفيتش، أو ميتيا أو ميتكا كما يحب أن ينعته الكاتب في مقامات مختلفة، فالبرغم من أن هذه الشخصية تتهم بارتكاب جريمة شنعاء، تتمثل في قتله والده، لِمَا سبق ذلك من تهديدات منه ووعيد، وما تصوره الرواية من شر تتسم به شخصية هذه الشخصية، إلا أنها وعلى العكس من ذلك، تبدو من زاوية أخرى شخصية مهذبة جدا، رقيقة العواطف، مرهفة الإحساس، مليئة بالعطف والحنان. يظهر ذلك جليا في كثير من الحوارات وعديد من المشاهد الإنسانية، فنجده يعتذر لفيينا تلك الخادمة التي روعها بصراخه عندما كان يسألها عن المكان الذي هربت إليه جروشنكا حبيبته، فيسألها السماح والغفران.

وها هو في ذلك المنزل الذي سافر إليه ليعرض على صاحبه صفقة، ولما فشلت خطته، وقبل أن ينصرف حزينا منهوك القوى، كان يبحث عن الخادم الذي وعده في أول الليل أنه سيمكنه من ثمن الشمعة التي ستذوب بينما ينتظر الشخص الذي سيعرض عليه الصفقة، ولما بحث ولم يجده، سحب من جيبه ثمن الشمعة وبعض البقشيش مكافأة له ووضعهما في الغرفة ثم غادر لا يعلم في أي طريق سيأخذ لما كان يعتريه من هيجان نفسي. يظهر ذلك جليا أيضا وهو في خضم العربدة وفي فورة نشاطه وإصدار الأوامر للخدم كي يضعوا كل شيء في مكانه، ففي هذه الفورة الحماسية، يأمر للحوذي الذي جلبه في عربته من المدينة إلى الفندق الذي سيحتفلون به، يأمر له ببعض الشمبانيا، قائلا، "إنه أساء له قبل قليل"، ويكرر هذا الطلب أكثر من مرة. يفعل ذلك كنوع من الاعتذار والتحبب للحوذي.

كل هذه العلامات النصية يتركها دوستويفسكي مهملة، دون أن يعرج إلى ذكرها، كان حسبه أن يعرض لنا الحالات المختلفة لشخصيته، ثم يترك لنا العنان التام لنأخذ انطباعنا عنها، فنكتشف أنها شخصية تعاني حالات غريبة من التناقض، ففي المساء الذي اتُّهِمَ فيه بأنه ارتكب جريمة القتل في حق أبيه، دك رأس جريجوري خادم أبيه بمدق الهون، فسالت دماؤه، وأغمي عليه، في هذه اللحظة وهو يريد الفرار بأقصى سرعة، حاول إنقاذ الخادم بشيء، لكنه لم يدر ماذا يفعل، كان عاجزا عن إيجاد حيلة، ففر تاركا إياه يغرق في دمائه وهو لا يشك في أنه قد فارق الحياة، وفي نفس الوقت من ذلك اليوم ليلا يقيم حفلة كرنفالية يعاقر فيها الخمر ويعربد في خلالها العربدة كلها، دون أن يحس بوخز الضمير، أو بالأحرى، أنبه ضميره، لكن هذا التأنيب لم يكن من القوة بحيث يحُول بينه وبين السكر واللعب والقصف وممارسة المرح.

فلو أن دوستويفسكي تعرض لذكر هذا الذي استنتجته من قراءتي للرواية، لكنت استشعرت خيبة مضاعفة، وعتبي عليه لن يكون أقل عنفا من عتبي على نجيب محفوظ، لكني على يقين تام من أن دوستويفسكي لم يكن ليفعلها، ولم يكن ليحرم القارئ من حقه في ملء فراغات النص التي هي من اختصاصاته أثناء قراءة الأعمال الإبداعية، فهو على جانب عظيم العبقرية لن تترك له المجال لتفويت هذا الأمر، لذا فإن حبي لهذا الرجل قد ارتقى إلى مرتبة عظيمة، أحبه كما أحب الجاحظ وكيليطو وميلان كونديرا؛ لأنك معهم وبصحبتهم تدرك أن للجمال معنى خاصا، وأن الحياة حقا تستحق أن تعاش.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة