تفويض العسكر.. حين تتملص الشعوب من مسؤولياتها

"إن أي تلاعب بالناس حتى ولو كان في مصلحتهم هو أمر لا إنساني، أن تفكر بالنيابة عنهم وأن تحررهم من مسؤولياتهم والتزاماتهم هو أيضا لا إنساني". علي عزت بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب.

تستمر الأوضاع الاجتماعية والسياسية في التأزم ويتعاظم الاحتقان حتى يصل إلى نقطة اللاعودة مطلقا شرارة الانتفاضة الشعبية مطيحة بالنظام القائم الذي استنفد كل محاولات شراء السِّلم الاجتماعي، ثم ما يلبث الوضع حتى يتصدر العسكر الواجهة آخذين بزمام الأمور. مشهد واحد لكنه يتكرر باختلاف في المكان والزمان أو أحدهما، ومن أمثلته ما عرف بمظاهرات 30 يونيو في مصر والتي خرجت مطالبة بانتخابات مبكرة وانتهت بتربع وزير الدفاع على كرسي الرئاسة. ثم احتجاجات السودان 2018-2019 المدفوعة بتردي الأوضاع المعيشية وضعف القدرة الشرائية والتي آلت بالوضع إلى اقتسام السلطة بين المعارضة ومجلس عسكري. وأخيرا حراك 22 فبراير الجزائري المنطلق من رفض ترشح الرئيس لعهدة جديدة والواصل بالبلاد إلى فراغ سياسي ملأه تصدر قائد أركان الجيش المشهد بخطاباته المتكررة.

ما يفسر النجاح النسبي للتجربة التونسية مقارنة بالنماذج السابقة في القدرة على تنصيب سلطة منتخبة تتمتع بالشرعية الكافية وتخضع للرقابة الشعبية هو غياب الدور الحاسم للجيش

تشابهت النماذج الثلاثة ففضلا عن الدور البارز للجيش فيها تميزت الاحتجاجات بسلميتها خلافا لأخرى انزلقت إلى مستنقع العنف المغذي للتجاذبات الإقليمية والدولية والمتغذي عليها، لكن اختلفت في بعض تفاصيلها ففي المثال المصري ارتدى المشير البدلة المدنية مترشحا للرئاسة، وفي المثال السوداني تم شرعنة دور الجيش بعد الاتفاق مع قوى المعارضة، فيما عمدت قيادة الجيش في الجزائر إلى استخدام لفظ "مرافقة" الإرادة الشعبية تفاديا لتهمة التدخل في السياسة. لا غرابة في سعي العسكريين إلى تولي زمام الأمور سواءً كانوا راغبين في السلطة واغرائاتها أو محاولين احتواء الفوضى وفرض النظام، ولا غرابة أيضا في تسخير منابر إعلامية من أجل الترويج لأجنداتهم، ومن الطبيعي كذلك أن تعمد أطراف أجنبية همها حفظ مصالحها إلى دعم جناح عسكري.

لكن الغريب هو ارتفاع أصوات شعبية أو حتى نخب سياسية محملة العكسر مهمة سياسة المجتمع في حقبة ما بعد الحداثة. فيوضع الجيش في مواقف عجيبة كتوليه رسم تفاصيل خطط الإقتصاد والتنمية أو "مرافقة" جهاز العدالة، فيستأنس القانون بحماية الدبابة عوض الاستناد إلى العقد الاجتماعي! وتختصر دولة المؤسسات في مؤسسة واحدة وربما تختزل الأخيرة في الزعيم المخَلِّص، في ما يبدو محاولة لمقاومة سير عجلة التاريخ أو عكس اتجاهها مما قد يعبر عن اختلال في تصور مفهوم الدولة الحديثة أو قد يعكس مكنونات نفسية جمعية غير سليمة. فلماذا تفوض شريحة هامة من الشعب الجيش؟ ولماذا ترضى أن تكون معول هدم نظام فاسد، ثم ترفض أن تكون معول بناء نظام جديد؟

إن التفويض يعني الإعفاء من الرقابة ولعل الأخيرة أثقل مسؤولية على كاهل الشعوب وممثليهم تجاه السلطة، حيث تتخلص القاعدة الشعبية من هذا العبء بإلقائه مباشرة إلى رأس قوي دون السعي المجهد إلى هيكلة وتنظيم وسط الهرم وهو ما يعكس النفسية الانهزامية والشعور بالقصور من أجل الانخراط في السياسة. ومن دوافع تفويض الجيش العجز عن التوافق وانتهاج الحوار والعمل المشترك حيث يُحمَّل طرف مركزي واحد -بل قد يكون شخصا واحد- اتخاذ القرار لتفادي أي خلاف إيديولوجي أو استراتيجي ممكن، وفي تشخيص هذه العلة يقول المفكر مالك بن نبي منتقدا: "… فالخلاص لا يتم بتجمع أناس على مبدأ يدافعون عنه، ويتفانون فيه، ويتقنون فن التعاون بل بالرجل الذي يجمعهم ويوحدهم، وقد يطول انتظارهم وهم يمنون أنفسهم بالأماني، وهكذا نسمع الخطباء لا يفتأون يذكرون (أين صلاح الدين) أو (قم يا صلاح الدين)…

ومن أسباب تبني المركزية متمثلة في سلطة الجيش ارتباط المجد الضائع في المخيلة الشعبية بالماضي وتبني أساليبه غير الفعالة في الحاضر، ومعاداة الأدوات والآليات العصرية في الحكم رغم تجاربها الناجحة هو الخشية من الذوبان في مبادئ الآخر -العصري-. في الأخير، لعل ما يفسر النجاح النسبي للتجربة التونسية مقارنة بالنماذج السابقة في القدرة على تنصيب سلطة منتخبة تتمتع بالشرعية الكافية وتخضع للرقابة الشعبية هو غياب الدور الحاسم للجيش، مما أجبر التونسيين على الاجتهاد في تحمل وزر العمل السياسي كاملا.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة