انقلابات عسكرية بمصر الفرعونية.. فما أشبه الليلة بالبارحة!

كغيرها من الحضارات القديمة، شهدت مصر الفرعونية، ثورات وانتفاضات، وتعرضت لمؤامرات وانقلابات، ولا يكاد يخلو عصر من عصورها أو أسرة من أسرها؛ إلا ووقع حدث من مثل هذه الأحداث؛ التي ظهرت نتيجة لأسباب متعددة، سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو دينية. وبالرغم من أن نظام الحكم في مصر القديمة كان نظاما مركزي؛ تمثل في الملك الذي كان رمزا تدور حوله كل السلطات، إلا أن ذلك لم يمنع من وجود مؤامرات عديدة حيكت للانقلاب على هؤلاء الحكام.

 

انقلاب قائد الجيش على الملك:

الملك "منتوحتب، نب تاوي رع" (1898 – 1991 ق.م)، أحد ملوك الأسرة الحادية عشر؛ انتقل إليه الحكم مباشرة بعد الملك "منتوحتب، سعنخ كا رع" في رأي معظم الباحثين. والانقلاب على الملك "منتوحتب، نب تاوي رع" يُعتبر من أبرز الانقلابات العسكرية التي حدثت خلال عصور مصر القديمة، فقد قام بالتخطيط لهذا الانقلاب وتحقيقه؛ وزير الملك والمسؤول الأول عن قيادة الجيش في عهده الوزير "امنمحات"، حيث انقلب عليه واغتصب منه العرش، كان الوزير -ذو الأصول النوبية- قد استغل قيادته لجيش مكون من 10 آلاف جندي، وأثناء قيام هذا الجيش بمهمة جلب الأحجار من منطقة "وادي الحمامات"؛ عاد بالجيش وانقلب على الملك واستولى على الحكم، وأسس الأسرة الثانية عشر. في حين يرى بعض الباحثين أن "أمنمحات" كان من أقرباء ملوك الأسرة الحادية عشر أو كان من أصهارها، وأنه لم يعتل العرش اغتصابا من ورثتها وإنما اعتلاه بعد أن رآهم قد عجزوا عن الاحتفاظ به!

 

انقلاب عسكري على القائد المنُقلب!
يعتبر الملك "رمسيس الحادي عشر" (1107-1077 ق.م) آخر ملوك الأسرة العشرين، وقد تولى حكم مصر لمدة 30 عاماً؛ اتسمت الدولة فيها بغياب الأمن وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي

ولكن وبعد أن تولى الوزير "امنمحات الأول" (1991- 1962ق.م) مقاليد الحكم بعد انقلابه العسكري على سلفه "منتوحتب، نب تاوي رع"، وأسس الأسرة الثانية عشر، لم يكتف بأن  استولى على الحكم بالقوة؛ بل أذاع أسطورة تقول إن هناك نبوءة لحكيم قديم بظهور مخلص منتظر للبلاد، وقد صاغ هذه النبوءة رجل الدين؛ الكاهن المرتل "نفر – روهو"، وتقول النبوءة أيضا؛ إنه سيأتي ملك من الجنوب اسمه امين وهو أبن امرأة نوبية الأصل، وسيوحد البلاد وينشر السلام  في الأرضين يعني مصر؛ وأشار المتنبئ بأن العدالة ستعود إلى مكانتها والظلم سينبذ بعيدا، وهكذا ثبّت "أمنمحات الأول" سلطته على عرش مصر من خلال استخدام السلطة العسكرية والسلطة الدينية في آن واحد. وبالرغم من مكوثه على العرش طويلاً؛ إلا أنه فقده بعد أن تم اغتياله في العام الثلاثين من حكمه؛ على يد أحد أقرب المقربين منه.

 

انقلاب عسكري بغطاء ديني!

يعتبر الملك "رمسيس الحادي عشر" (1107-1077 ق.م) آخر ملوك الأسرة العشرين، وقد تولى حكم مصر لمدة 30 عاماً؛ اتسمت الدولة فيها بغياب الأمن وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، حتى أنه وفي منتصف عهده حدثت أزمة داخلية كبرى؛ عندما ازدادت قوة ونفوذ وجرأة كبيرة كهنة آمون الكاهن "أمنحوتب"؛ فارتكب جريمة سياسية عظيمة؛ حيث انتهز فرصة ضعف الملك محاولاً اغتصاب السلطة، ولكن المحاولة فشلت وقام الملك بعزله من منصبه فظل منصب الكاهن الأعظم لآمون بالكرنك خاليا لتسعة أشهر. ثم تولى منصب الكاهن الأعظم لآمون المدعو "حريحور"، رغم أنه لا يملك ما يؤهله لهذه الوظيفة؛ فهو لم يكن منتسبا إلي كهنة آمون؛ بل كان منتسباً إلي الجيش، وبالرغم من ذلك نمى نفوذ "حريحور" بسرعة فائقة، ففي أقل من سنتين بعد ارتقائه وظيفة الكاهن الأكبر لآمون، عينه الملك "رمسيس الحادي عشر" نائبًا عنه في بلاد النوبة، ومن لحظتها بدأ "حريحور" التخطيط للانقلاب على الملك والاستيلاء على السلطة ولكن كان منهجه في الوصول لذلك التأني والهدوء.

ففي البداية قبل عن طيب خاطر تعيين الملك له في وظيفة "القائد الأعلى للوجه القبلي والوجه البحري"، ثم سرعان ما استطاع الوصول لتولي وظيفة وزير الملك؛ مع احتفاظه بوظيفة نائب الملك في النوبة ومنصب قائد الجيش، وبهذا جمع في قبضته الدين والثروة والقوة؛ وكان في هذا ما يكفي لكي يحقق مخططاته في الاستيلاء على الحكم؛ وكان هذا في حوالي العام الثالث والعشرين من حكم الملك، وبالرغم من أننا لا ندرى شيئا -حتى الآن- عن نهاية أو مصير الملك "رمسيس الحادي عشر"، إلا أن "حريحور" استطاع أن يصل إلى السلطة وأن يحكم -وإن كان في مصر العليا فقط-  واختفى بوجوده آخر ملوك الأسرة العشرين. وهكذا يتضح لنا أن التاريخ يعيد نفسه، فما أشبه الليلة بالبارحة!



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة