نحن مجتمع لا يستحيي!

يعترف أغلب أفراد المجتمع أننا لا نستحيي، ولعل هذا واقع وحقيقة أقرب إلى ما يكونه هذا المجتمع الذي ننتمي إليه، قد يكون هذا الحكم قاسيا، لكن الملاحظات تؤكد ذلك، نعيش وسط مجتمع يعرف الصواب بيقين، لكنه لا يمارسه، نحمل من دم هذا المجتمع ما يدفعنا لنرفض حقيقتنا، إننا لا نستحيي مما نحن فيه. لا نتدرب على تغيير ما استجمعناه من سلبيات وسط هذا المجتمع، ليس لأن الأمر صعب للغاية، لكننا اعتدنا على ما نحن عليه، ولا ننكر أن التدرب على الصواب قد يقودنا إلى ما نريد أن نكون، وأن نكون مجتمعا يستحيي هو غاية تستعصي على التحقق في ظل هذا الخراب الذي غرقنا فيه. نأمل أن يؤمن مجتمعنا بالإنسان وأن يضعه فوق كل اعتبار، لأن هذا هو أساس التغيير، كما نتمنى أن يعرف مجتمعنا حدوده، وأن لا يتدخل في ما لا يعنيه، وينأى عن السلبيات التي باتت تحدده، لكن ليس كل ما نتمناه ندركه، والرياح تجري بما لا تشتهي السفن غالبا، وهذا هو حال مجتمعنا، فنحن نتمنى الأفضل، لكن سفينة مجتمعنا تسير في الاتجاه الخاطئ.

 

إننا حقا لا نستحيي، ويؤسفنا أن نعترف لأنفسنا بشيء كهذا، وواقعنا يجعلنا هكذا، لأننا وبكل بساطة غارقون في وحل الجهل، ونحن من ترك سفينة الوعي تُفلت منا، هذا لأننا لم نتعلم أن نؤمن بإرادتنا، ولم نحاول أن نتدرب على الخروج من جهلنا، وذلك بسبب اعتيادنا عليه، فبات الوعي يثير فينا الاستغراب، وبقدر ما نستغرب منه، نخاف منه، لأننا نعتقد أننا غير مؤهلين لحمل ثقله، ونحن الذين ألفنا خمول الجهل، ونحن المقهورون بنور المعرفة، ونحن الكسلاء الهاربون من الجد والاجتهاد، ونحن التافهون المكترثون للامعنى، إننا حقا نجهل حدودنا، ونجهل كيف نقود حياتنا بعقولنا، لقد تركنا عقولنا تطبخ منذ أن قررنا أن لا نؤمن بإرادتنا، وبإنسانيتنا وبحريتنا.

 

غلبتنا المظاهر أكثر مما يلزم، فأصبحنا نتحدد من خلال ما نظهر به، رغم أن حقيقتنا في الحقيقة مختلفة تماما، وصار ترتيب الآخرين لنا يساير ما نبدو عليه، وبقدر ما نبدو أفضل، بقدر ما ننال تقديرا مزيفا من الآخرين

في مجتمعنا تظهر الندوب التي تجعل صورته بشعة، فلا نكاد نفتخر ببعض من المزايا، حتى تظهر الصورة الحقيقية فجأة، وهي التي تدفعنا لنندب حظنا وسط هذا الانتماء المريع، الحقيقة أننا أبناء هذا المجتمع أبينا أو كرهنا، لأننا لا نملك خيارات أخرى، هذا المجتمع شوهته الظروف، وعكرت السياسة مزاياه، وجعلته ينتشي بما هو عليه، وهو لا يستحق إلا أن يندم على حاله، ساهمنا جميعا في هذا الوضع، واللوم لنا جميعا، رغم أن حصة الأسد تعود للسياسة، لقد انصهرنا وراء رغبات النظام، فلا نملك السبيل لترميم مخلفات دمار يحدث بهدوء، لقد حدث هذا التخلف الذي نعيش وسطه بهدوء مبالغ فيه، وبقدر ما هو كذلك، بقدر ما نسينا هول الكارثة، لقد تم تدبير الأمر بعقلانية مُحكمة، والآن لا نملك إلا نخجل من وضعنا، رغم أننا لا نستحيي.

 

يتملكنا الخوف وسط مجتمعنا، لكننا لا نستحيي، نخاف أن نملأ أقاويل الناس بما قد لا يعجبنا، وهكذا تنازلنا عن حرياتنا، فاضطرنا مجبرين أن نساير ما يعجب المجتمع، وتنازلنا في المقابل عما يعجبنا. نخاف أن نختلف عن الناس ونستمتع بتميزنا، ونخاف أن نقول الحقيقة فنضطر لممارسة المجاملة، ونخاف من نظرات الناس أكثر مما نخاف على حقيقتنا، ومع الرب أيضا تعلمنا وتربينا على الخوف منه بدل محبته، والفرق شاسع بين أن تحبه وأن تخافه، هذا لأن الخوف صار من طبيعتنا. لم نتربى أن نؤمن بذواتنا بعيدا عن الذوبان وسط القطيع، وبقدر ما كانت عقلية القطيع تحكمنا، بقدر ما افتقدنا ذواتنا، وصرنا نعبد هذا المجتمع، وهو نفسه المجتمع الذي يدربنا على سلبيات لا تليق بنا بصفتنا إنسان، حتى صرنا لا نستحيي.

 

في مجتمعنا نُظهر تعاطفنا نفاقا، فندّعي شفقتنا، واهتمامنا، نمارس محبة زائفة لا تتناسب مع طبيعة الإنسان، اسودت قلوبنا نتيجة امتلائنا بالسلبيات، فلم نعد نتحمل الاخرين، بالكاد ننافقهم ونبتسم في وجوههم بدون استحياء، ثم بعد ذلك نصب جم غضبنا على اللحظة التي جمعتنا بهم، لم نعد قادرين على ممارسة حقيقتنا بكل جرأة، وبات النفاق رفيقا لنا، نظهر عكس ما نبطن، نكذب على ذواتنا، نكذب في مشاعرنا تجاه الاخرين، وبدون استحياء ننافق الآخرين بأننا لا نريد خسارتهم، والحقيقة أنه لم يعد في قلوبنا متسع لهم، وتحَمّل همومهم، لقد أنهكتنا همومنا فباتت هموم الاخرين أبعد من اهتماماتنا، وبات الاخرون في نظرنا عبئا يستعصي على التحمل، لم يَعد في القلب متسع للمزيد منهم، لقد امتلأ بما يكفيه، هكذا أضحى حالنا وسط مجتمعنا، تعلمنا بطريقة غير مباشرة أن نكون أسوأ مما نحن فيه، نعاني أزمة في القيم، وكل ما يبدو لنا ليس سوى وهم لحقيقة بشعة تنخر جسم هذا المجتمع.

 

نحن مجتمع نختفي وراء حقيقة لا تعجبنا، كي نظهر بشكل يروق لنا، لكن هذا الشكل يُظهر مدى النفاق الذي يُعشش فينا، ومدى الخبث الذي يسكننا، لأننا نظهر محبتنا لبعضنا، ونبطن كرهنا لبعضنا البعض، كما نظهر تعاطفنا ومساندتنا، لكن ذلك ليس سوى صورة لحقيقة بشعة نشعر فيها بأن الآخر لا يستحق ما نفعله لأجله، ونشعر فيها بأن هذا الاخر عبء علينا، نُظهر احترامنا لبعضنا، لكننا ما ننفك نشمئز من بعضنا، فلا نبتسم في وجوه بعضنا البعض من أعماقنا، فاسودت قلوبنا من كثرة خبثنا، ندرك جيدا أننا سيئون في دواخلنا، ونعترف أن مجتمعنا مريض بكل السلبيات.

 

غلبتنا المظاهر أكثر مما يلزم، فأصبحنا نتحدد من خلال ما نظهر به، رغم أن حقيقتنا في الحقيقة مختلفة تماما، وصار ترتيب الآخرين لنا يساير ما نبدو عليه، وبقدر ما نبدو أفضل، بقدر ما ننال تقديرا مزيفا من الآخرين، واحتراما يكون هدفه بالأساس السعي لاستكشافنا والتقرب منا قبل النيل منا، وإذا بدونا بصورة سيئة، فإننا نصير عرضة للاحتقار والاستهزاء، ولا نلقى التقدير والاحترام الذي يشعرنا بإنسانيتنا. لقد صارت المظاهر هي المنطلق في هذا المجتمع، وهذا دفعنا لكي نخبئ حقيقتنا بإتقان، وهي الحقيقة التي لا تناسب ما يمكن أن ندفعنا لنكون أفضل، فيكون مصيرنا الانزلاق إلى أسوأ مما نحن فيه.

 

هذا هو حال مجتمعنا، لا نملك حياله إلا الأسى والأسف، وتغيير هذا الأمر بات صعبا للغاية، فنحن المحكومون بوضع مرير يقوي سلبياتنا، ونحن الغارقون في جهل يقوي تخلفنا، وهكذا تخلفنا عن ركب الحضارات والمجتمعات التي ركزت بالأساس على الإنسان، أما نحن فإننا لم ندرك بعد قيمة الإنسان، ولم ندرك بعد السبيل إلى الخروج من وضع لا يليق بالإنسان، هكذا صرنا بعيدين عما نطمح إليه، ولقد ابتعدنا كرها، فلم نعد قادرين على التذكر والتأمل والتفكير والتعقل والتحضر، تخلفنا عن موعد التاريخ، فأصبحنا في هامشه، ونحن المنتشون بانتصارات لم تعد تليق حتى بالتذكر، وبقينا نندب حظنا وننتظر مصيرنا دون أن نفعل ما ينبغي فعله.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة