قراءة تجديدية في مصطلح "المدنية" (الدولة والزواج أنموذجا)

blogs مجتمع

لعله المصطلح الأكثر تداولا بعد الثورات والتغييرات السياسية، والأوسع انتشارا وشغبا في الوقت ذاته بين المفكرين والأحزاب خاصة الإسلامية منها، فبين من يجعله الحل الأمثل والأوحد لمشكلات المجتمعات المنحطة والتي تقبع تحت نير الظلم والاستبداد، وبين من يعتبره كفرا صراحا والهلاك المحتم في الدنيا والآخرة على اعتبار أنه يخالف أساسيات الإسلام وبديهياته. لسنا هنا في معرض الوساطة بين الرأيين لنخلص الى رأي توفيقي ثالث، بل نحن هنا أمام مشكلة متجذرة في تفكيرنا الجماعي عموما والسياسي منه على وجه الخصوص، وذلك بالرغم ضحالة التفكير السياسي في مجتمعاتنا الحالية أو الموغلة في عمق التاريخ.

لا خلاف بين الجميع أن مصطلحي "المدني" و"المدنية" المقصود بهما نقيض الديني والدينية، وهذا التوافق يوفر علينا كثيرا من الجهد والوقت، للدخول فمباشرة في عمق الأزمة الفكرية هذه، والتي تعبر عن المأزق الذي يعيشه العقل الإسلامي، وإحدى تجليات هذا المأزق البحث عن كيونونته المستقلة من خلال ابتعاده وانفصاله عن كل الأفكار الأخرى ولو كانت متفقة تماما مع تعاليم الإسلام. لو تعمقنا قليلا في المعضلة هذه التي تجاوزت بأشواط مسألة الاختلاف في الرأي، إلى مسألة رفض قبول كل طرف للآخر لاعتبارات عقدية وتاريخية، لو تعمقنا لوجدنا هذه المعضلة ليست نتاج فهم مصطلح المدنية بذاته، فهو كما أسلفنا متفق عليه كمصطلح سياسي يعني نقيض الدينية، بل هو ناتج عن عدم فهم المصطلح الذي اعتمد عليه في تعريف المدنية كمصطلح سياسي، عنينا مصطلح "الدينية".

الدولة وبغض النظر عن أي تعريف لها، إذا ما أضيفت للمدنية تعني أنها الدولة التي لا شأن لرجال الدين بها، ولا يملكون صلاحية تقرير أي شيء فيها، ولا يملكون صلاحية إضفاء الشرعية على هذا الحاكم أو ذاك، أو على هذا القانون أو ذاك

ولأن الاهتمام كان بارزا على مصطلح المدنية فعني به كمصطلح ظهر على مسرح الحياة السياسية الأوروبية وابتعد الجميع عن مقاربته بمعناه اللغوي، فكأن هذا الاهتمام غطى على تناول المصطلح النقيض لمصطلح المدني أو المدنية كمصطلح سياسي كذلك، وتمت مقاربته بمعناه اللغوي، والذي يعني كل ما يعتبر ديني أو يمت بصلة إلى الدين، وهذا لعمري غلط فاحش يدل على سطحية في التعاطي مع القضايا الفكرية السياسية، ويؤكد عدم حيادية في مقاربة هذا الموضوع، وكأن الموقف من القضية محسوم ونحتاج إلى إثبات هذا الموقف من خلال الاستدلال بالمعنى اللغوي لمصطلح الدينية، وإلا لمَ يرفضون بحث مصطلح المدني أو المدنية من خلال المعنى اللغوي ويصرون على المعنى الاصطلاحي له، في حين تناولوا المصطلح المناقض له بسطحية حتى لغوية ولا مبالاة تاريخية، ولماذا لم يخرجوا مصطلحي المدني أو المدنية من سياقهما الفكري والسياسي والتاريخي، ولم يكلفوا أنفسهم عناء العودة إلى سياق مصطلح الديني أو الدينية لفهم المعنى الحقيقي المقصود منه وليعطى الراي الأسلم والأصوب.

فعندما نقول أن الأبيض هو نقيض الأسود فهذا كلام صحيح، ولكن عندما نفهم معنى الأسود فهما خاطئا سيكون الموقف من الأبيض خاطئا أيضا، لأن تعريفه وتبيان حقيقته بنيت على أساس ما يناقضه، وعليه مثلا لو اعتبرنا أن الأسود يعني الصلابة فسيكون معنى الأبيض الليونة وسيرفض أصحاب النفوس العالية والتي تتطلع إلى العلياء أن يرضوا به، وهذا ما حصل بالنسبة لمصطلح المدني والمدنية. فمصطلح الديني والدينية لا يعني الدين ذاته أو ما يمت بصلة إليه، إذ ليس هذا واقعه وسياقه التاريخي، بل يعني باختصار وبساطة سلطة رجال الدين وليس الدين ذاته، وهذا ما يفهم من السياق التاريخي للمصطلح حيث كان سائدا في أوروبا، فقد أعطيت للكنيسة صلاحيات واسعة في تسيير شؤون الناس والمجتمع ليست موجودة أصلا في الدين المسيحي، فكل القضايا السياسية والاقتصادية غير موجودة في الديانة المسيحية، ومع ذلك كان للكنيسة دور بارز فيهما بل كانت الكنيسة تحكم السيطرة على مفاصل حياة المجتمع السياسية والاقتصادية، ومن هنا كان تنصيب الامبراطور يحتاج مباركة من البابا، وكان يكفي أن يصدر البابا حرما كنسيا عنه ليعتبر وجوده في السلطة غير شرعي، كما فرض الضرائب يفعلها الامبراطور بما أعطي من صلاحيات منحتها إياه مباركة البابا، وهذا تجسيد لما كان يعرف حينها بالحق الإلهي، والذي يطبقه على الأرض ممثل الله الذي هو البابا.

ولو تعمقنا في هذا السياق التاريخي لوجدنا أن المعنى الحقيقي هو سلطة رجال الدين واعتبارها مصدر الشرعية لأي عمل، سواء كانت هناك أحكام موجودة في الدين المسيحي ترعى هذا الامر كالزواج، إذ الزواج بحاجة إلى رجل دين يباركه وينظمه عندهم ليصبح زواجا شرعيا، ويعتبر عندهم أحد الأسرار السبعة، أو غير موجودة البتة كمسالة تعيين الحاكم.. ومن هنا يتبين أن المعنى الحقيقي والدقيق لمصطلح ديني أو دينية هو إعطاء رجال الدين بما يمثلون من فكرة تمثيل الإله على الأرض، إعطاؤهم صلاحية جعل هذا الأمر أو ذاك شرعي، أي أن موقف رجل الدين وتدخله يعد أبرز مقومات شرعية العمل. وبهذا المعنى لا يوجد شيء ديني في الإسلام، إذ لا يوجد في الإسلام أي تصرف أو عمل لا تكتمل شرعيته بوجود رجل دين، حتى أن مفهوم رجل الدين ليس واردا في الدين الإسلامي أصلا، إذ ليس المقصود برجل الدين العالم بشؤون هذا الدين، بل المقصود ما منحته بعض الديانات لرجال الدين من صلاحيات واسعة في تقرير أسس الدين وأحكامه، وليس كما الحال في الإسلام إذ دور العالم هو فهم الدين وليس إقرار عقائده وأحكامه. وبالتالي نعم إن المدنية هي نقيض الدينية ولكن بهذا المعنى، وبهذا المعنى فمصطلح المدني والمدنية لا يخالفان بمضمونهما العام الاسلام.

فالدولة وبغض النظر عن أي تعريف لها، إذا ما أضيفت للمدنية تعني أنها الدولة التي لا شأن لرجال الدين بها، ولا يملكون صلاحية تقرير أي شيء فيها، ولا يملكون صلاحية إضفاء الشرعية على هذا الحاكم أو ذاك، أو على هذا القانون أو ذاك القرار، وهذا المعنى للدولة المدنية لا يكون مخالفا للإسلام، بل هي ما عين ما طلبه الإسلام وأقره، صحيح أن الإسلام طلب تطبيق الأحكام الشرعية المتعلقة بالحكم والسلطة وغيرها، إلا أنه لم يخرج عن الطبيعة البشرية بجعل هذا الأمر يتحقق من خلال اقتناع الناس وتبنيهم لهذا المشروع أو هذه الأفكار، فالبحث هنا ليس بطبيعة القوانين أهي مصدرها الدين أم لا، بل بمن يجعل هذه الأحكام قوانين يجب تطبيقها.

كذلك الزواج في الإسلام ليس دينيا بهذا المعنى، إذ ليس من شروط عقد النكاح وجود رجل دين أو حتى عالم، كما كل الأحكام الإسلامية الأخرى ليست دينية، فحتى العبادات في الأسلام ليست دينية بهذا المعنى، فنحن نستطيع أن نطبق كل الأحكام وننفذها حتى لو لم يكن هناك رجل دين أو حتى عالم، فيمكن أن تقام صلاة الجماعة وأن يؤم الناس أي مسلم في الجامع، والناس تحج بيت الله بدون أن يكون أي دور في صحة الحج لرجل دين أو غيره. إن مصطلح المدنية أشبه بالوعاء الذي يملكه الناس وليس الكنيسة أو الاكليروس أو العسكر أو …، ويحق للناس أن يضعوا فيه ما يرونه يحقق مصالحهم، سواء كان من إبداعاتهم الإنسانية أو من الدين وأحكامه، فهذا أمر يعد حقا للناس وهم من يقررون.