ثروت أباظة الذي قال إن زواج عتريس من فؤادة باطل

blogs ثروة أباظة

الأستاذ ثروت أباظة أديب مترفع وسياسي مندفع، كانت قيمته الأدبية أكبر من قيمته السياسية ومع هذا فإن قيمته السياسية طغت على قيمته الأدبية بالإيجاب والسلب، ومن حُسن حظه أنه تمسّك بمواقفه فأصبح له منهج وسبيل وموقف ولو أنه فعل غير ما فعل لكان من السهل على مخالفيه أن ينقضوا بنيانه السياسي وبنيانه الأدبي معا.

  

وقد عاش الأستاذ ثروت أباظة حياة شهرته الأولى في فترة الرئيس جمال عبد الناصر بعيداً إلى حد كبير عن المجد والتألُق وبعيدا عن المعارضة الحادة أو الظاهرة وهكذا فإنه عاش في سلامة وسلام وراحة ودعة فلم ينله تعذيب ولا تحقير ولا نفي ولا تشريد ولا إهانة ولا فُقدان للحرية، لكنه فيما بعد ذلك وبدءا من ١٩٧٢ أي من الفترة الحرجة في عهد الرئيس السادات اقترب من قلب الأحداث، وأصبح بصورة مستمرة من الفاعلين أو من ذوي القرار، وقد نال أيضا من التكريم ما كان يستحقه، سواء جاءه التكريم مُبكراً أو مُتأخراً، لكن التكريم جاءه ولم يفقده.

    

وإذا كان لا بد من أن تصنف هوى الأستاذ ثروت أباظة فيما بين أهواء الموزاييك السياسي المصري فإنه أشد الناس إعجاباً بالرئيس حسني مبارك قبل غيره من الرؤساء أو الزعماء، وربما يتعجّب القارئ من هذا الحكم لكن هذه هي الحقيقة، والحقيقة هكذا، فهو بحكم ولادته في بيت سكرتير عام حزب الاحرار الدستوريين لم يكن ليُناصر النحاس باشا ولا الوفد ولا أيا من زعماء الأغلبية كائنا من كان، كما أنه أدخل نفسه في خصومة مُبكرة ومُستمرة مع الإخوان بسبب حزنه على اغتيال النقراشي باشا، وحرصه المتكرر على إظهار استنكاره وجزعه لمقتل المستشار الخازندار، وبالطبع فإنه كان ضد الرئيس عبد الناصر وثورة يوليو 1952، بل إنه كان أيضا من أشد معارضي الرئيس السادات حتى تحقق انتصار أكتوبر، فتحول إلى الاعتراف بعظمة السادات في انتصاراته وسلامه وانسانياته لكنه بلغ بالإعجاب السياسي مداه مع الرئيس حسني مبارك، وفي عهده أصبح وكيلاً لمجلس الشورى، واحتفظ بهذا المنصب حتى وفاته، وذلك على الرغم من تفاقم حالته المرضية في سنواته الأخيرة، لكن الرئيس مبارك أبدى حرصه على ألا يفقد الأستاذ ثروت أباظة هذا المنصب أبدا.

  

ليس من شكّ في أن الأستاذ ثروت أباظة بلغ من الفن الروائي منزلة مُتقدّمة، لكن مكانته الاجتماعية لم تجعل هذه المنزلة الروائية تنال ما يناسبها من محلّها "المهني" أو الحرفي

صحيح أن إعجاب الأستاذ ثروت أباظة بالرئيس مبارك بلغ حداً كبيراً، لكنه كان فيما يبدو بوضوح واتصال صادقاً في هذا الإعجاب ومُتسقاً فيه مع مواقفه السابقة واقتناعاته بل عقيدته، ولهذا فقد انتابته نوبة حادة من البكاء الشديد المُتشنّج حين تعرّض الرئيس مبارك للاغتيال في 1995، أما أهم موقف أدبي ذكره ويذكره وسيذكُرُه التاريخ على الدوام للأستاذ ثروت أباظة فهو العبارة الشهيرة التي تُلخّصُ القصة الشهيرة والفيلم الأشهر كما تُلخص أروع نقد لمرحلة الرئيس جمال عبد الناصر، وهي عبارة "زواج عتريس من فؤادة باطل" التي يقوم عليها فيلم "شيء من الخوف"، ومن المدهش أن بعض من ادعوا أنهم نقّبوا في تاريخ الرئيس عبد الناصر الشخصي أذاعوا مؤخراً أن اسمه الأول كان عتريس قبل أن يُعدّل والده الإسم إلى "جمال"، ولا أعرف مدى صواب هذه الرواية، ولا أظن أن الأستاذ ثروت أباظة كان يعرف شيئاً من هذا حين صاغ رائعته التي لا تزال تحظى بقبول فني وأدبي واسعين.

 

وليس من شكّ في أن الأستاذ ثروت أباظة بلغ من الفن الروائي منزلة مُتقدّمة، لكن مكانته الاجتماعية لم تجعل هذه المنزلة الروائية تنال ما يناسبها من محلّها "المهني" أو الحرفي على نحو ما هو الحال مع بعض من يفوقهم الأستاذ ثروت أباظة في قيمته الروائية والقصصية، لكنه مع هذا كان موجودا على الدوام في الصف الأول في تقدير النقاد بمن في ذلك كثير من النقاد المختلفين معه سياسيا وإنسانيا، وإن كان وجود أستاذه نجيب محفوظ وطول حياته واستمرار عطائه قد حجب عنه وعن أنداده كثيرا من الضوء.

 

كان الأستاذ ثروت أباظة أول من حصل على جائزة الدولة التشجيعية في الرواية (1958) عن روايته "هارب من الأمام"، وقد كان هذا اعترافاً مُبكّراً به إذا ما تذكرنا أن الأستاذ نجيب محفوظ كان قد حصل لتوّه على جائزة الدولة (القديمة) في الرواية عام 1957 عن الثلاثية، واشترك معه في نفس السنة الدكتور محمد كامل حسين عن روايته "قرية ظالمة"، وللأستاذ ثروت أباظة عدد كبير من الروايات يجعله من أكثر الروائيين إنتاجاً كما أن له مجموعات قصصية، كما أنه ترجم ثلاث روايات عن الإنجليزية. ومن الأعمال السنيمائية التي أُخذت عن كُتُبه ولقيت رواجاً كبيراً "هارب من الأمام" "شيء من الخوف" "قصر على النيل" و"أحلام الظهيرة" كذلك كتب الأستاذ ثروت أباظة أعمالاً مسرحية منها "الحياة لنا" و"حياة الحياة".

 

كان الأستاذ ثروت أباظة يروى عن نفسه أنه ظلّ بلا عمل منتظم وذلك على الرغم من علاقات والده وأسرته، وربما بسبب هذا، مع أنه تخرّج في كلية الحقوق (1950) وقد تولى في هذه الأثناء أعمالاً موسمية من قبيل إشرافه على مجلة الخفجي: قافلة الزيت، وفي عهد الرئيس أنور السادات اختير الأستاذ ثروت أباظة رئيساً لتحرير مجلة الإذاعة والتلفزيون (1975 ـ 1976) بيد أنه سرعان ما ترك هذا المنصب بسبب مقال سياسي لم يشأ هو ولا أعداؤه تكرار الإشارة إليه، وهو مقال مختلف عن المقال المشهور بقولته عن عبد الناصر: وفي أي شيْ صدق؟ وهكذا انتقل الأستاذ ثروت أباظة للأهرام ليكون في تلك الجريدة مع صديقه الأستاذ يوسف السباعي رئيس مجلس إدارة الأهرام ورئيس تحريرها، وأصبح الأستاذ ثروت أباظة رئيساً للقسم الأدبي في الأهرام وهو المنصب الذي ظلّ مُحتفظاً به حتى أصبح وكيلاً لمجلس الشورى.

  

ظلّ الأستاذ الأستاذ ثروت أباظة سكرتيراً عاماً لاتحاد الكُتّاب في عهد رئاسة توفيق الحكيم ويوسف السباعي فلمّا توفي يوسف السباعي أصبح الأستاذ توفيق الحكيم رئيساً والأستاذ ثروت أباظة سكرتيراً عاماً مُتوليا للسلطة ولما توفي الأستاذ توفيق الحكيم أصبح الأستاذ ثروت أباظة رئيساً للاتحاد لخمس دورات متصلة لكنه وعد بأن يتنازل عن الرئاسة بعد انتخابه للمرة السادسة وهو ما حدث بالفعل في1997، كان الأستاذ ثروت أباظة كثير النقد للشيوعية والماركسيين كما كان دائب النقد للناصريين، وقد حرص على السجال مع كل هؤلاء وبخاصة عندما كانوا يخطئون في والده أو عائلته، وقد وصل به الأمر في إحدى المرات أن رفع قضية على جريدة الأهالي وكسب القضية بعدما تورطت الجريدة في سبّ والده بلا مبرر.

 

الأستاذ ثروت أباظة رغم هجومه المُتكرّر على هيكل لم يشأ أن يُفرد له عملاً فنيا يقتصُّ فيه منه، فقد كان من الذين يرون أنفسهم أكبر من هيكل، ويرون هيكل أصغر من أن يكون موضوعاً لعمل أدبي

كان الأستاذ ثروت أباظة يتمثل في حياته تجربة الوزير ابن عمار الذي وصل بطموحه إلى الوزارة في العهد الأندلسي، لكن طموحه قضى عليه، ولهذا كان الأستاذ ثروت أباظة مُحافظاً على كثير من توجهاته الفكرية، وكان يُجيد التوقف عند حدود الخطوط الحمراء التي فرضتها ثورة 23 يوليو، ومع هذا قفقد ُدر له أن ينال الشرف والمجد بسبب العبارة والتجربة التي أشرنا إليها في قصته "شيء من الخوف".

 

أما في انتاجه الأدبي فقد كانت نظرة الأستاذ ثروت أباظة للحرية مُتلبسة بالمعاني الفلسفية والتربوية لها، ويبدو للقارئ المتابع أنه بحكم نشأته وجد أن عليه أن يناقش الحرية من حيث علاقتها بالأسرة والطبقية، ومدى حرية الأبناء في التمرُّد على الموروث الذي أعطى لهم مكانتهم، كما هو الحال في شخصه وشخصية أنداده من عائلته الصغيرة، وقد أجاد التعبير عن صراع الأجيال في العائلة الواحدة، ووصل في هذا الصراع إلى نقط مُتقدمة يصعُب على غيره أن يصل إليها على النحو الذي قدّمه في قصة "لقاء هناك" على سبيل المثال لكن الأستاذ ثروت أباظة في حقيقة الأمر كان يُحاول الهروب بأفكاره عن الحرية السياسية من المجتمع القاسي الذي شبّ فوجد أن عليه أن يتعامل أو يتعايش معه.

 

وربما نفهم هذا من حقيقة غير مشهورة وهي أن جيل الأستاذ ثروت أباظة ابتعد عن الرواية التي كان مؤهلاً لها بعد الجيل السابق، وإذا كنا نجد نجيب محفوظ (1911) ويوسف جوهر (1912) ومحمد عبد الحليم عبد الله ١٩١٣ وعبد الحميد جودة السحار ١٩١٣ ويوسف السباعي ١٩١٧ فإننا في مواليد السنوات التي شهدت مولد الأستاذ ثروت أباظة (1927) لا نكاد نجد من جيله من ارتبط بالرواية مبكراً مثله وإن كنا نجد التالين له في السن من قبيل بهاء طاهر (1939) قد ارتبطوا بالرواية في سن أكبر من السن التي ارتبط فيها الأستاذ ثروت أباظة بالرواية.

  

من طريف ما يُروى في تاريخ الأستاذ ثروت أباظة السياسي أنه كان (على غير توقع) بمثابة العنصر الفاعل في بيان المثقفين والأدباء ١٩٧٢ الذي كان توفيق الحكيم ونجيب محفوظ أول الموقعين عليه، وهو البيان الذي أثار اهتمام الرئيس السادات وتفاعله، وكان سبباً في فصل الأستاذ ثروت أباظة والموقعين عليه من الاتحاد الاشتراكي العربي ثم عودتهم فيما قبل 1973 بيد أن التاريخ المزور الذي كتبه الأستاذ هيكل كان حريصاً بكلّ ما يُمكنه على أن ينفي وجود الأستاذ ثروت أباظة ودوره المشرف والبارز في هذا العمل المجيد، وهكذا كان الأستاذ هيكل بحقده المعروف يُسقطُ اسم الأستاذ ثروت أباظة كلّما جاءت مناسبة لذكراسمه في الأحداث المرتبطة بقصة هذا البيان، لكن القصة مع هذا لم تستقم للأستاذ هيكل في بعض محطاتها بدون الإشارة إلى اسم الأستاذ ثروت أباظة فبلغ به الحقد مداه إلى أن يقول توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، وثالث! وهكذا.

   

ومع هذا فإن الأستاذ ثروت أباظة رغم هجومه المُتكرّر على هيكل لم يشأ أن يُفرد له عملاً فنيا يقتصُّ فيه منه، فقد كان من الذين يرون أنفسهم أكبر من هيكل، ويرون هيكل أصغر من أن يكون موضوعاً لعمل أدبي أو فني على نحو ما فعل الأستاذان إحسان عبد القدوس وفتحي غانم، أذكر للأستاذ ثروت أباظة أنه بدأ الكتابة في مجلة الثقافة في مرحلة مبكرة من عمره. نشر مذكراته في كتابين "ذكريات لا مُذكرات" و"لمحات من حياتي" ومن الطريف أن الهيئة المصرية العامة للكتاب حين نشرت أعماله الكاملة في 14 مجلّداً فإنها نشرت الأستاذ ثروت أباظة "ذكريات لا مذكرات" مرتين في الجزء السادس والجزء التاسع من هذه الاعمال، وهي مذكرات مسالمة وطريفة كما أنها تنطق بشفافية صاحبها واستبقائه لكثير من عناصر الفطرة السليمة في ذاكرته وذائقته على حدِ سواء.