عندما يكون الجهل هو الموت البطيء المحقق

في العلم توجد حياة حقيقة وقد تولد الفرص الجديدة من رحم المعرفة وفي الجهل تكمن مسببات الموت البطيء المحقق، خصوصا فيما يتعلق بالمرض.. اختبرت ذلك بنفسي يوما بعد يوم، وفي كل مرة كان العلم هو فرصتي للنجاة.. حقا إن المعرفة قوة. في يوم ما ذهبت لقياس مستوى السكر في الدم في صيدلية قريبة بعدما شعرت بأعراض غريبة بعض الشيء على طبيعة حياتي اليومية والتي استمرت لمدة أسبوع لماذا قررت الذهاب لقياس السكر تحديدا؟ ذلك لأن جل ما كنت أعرفه عن أعراض ارتفاع السكر في الدم هو الشعور بالعطش المستمر وجفاف الحلق بالإضافة إلى الذهاب المتكرر للحمام خصوصا في الليل.

 

وكانت هذه تماما الأعراض التي شعرت بها؛ ثم قرأت قليلا عن الأمر فوجدت أعراض أخرى ربما كنت أشعر بها وربما قلت لنفسي أنه الإيحاء الذي يصاحب أي واحد منا عند الشعور بشيء غير مألوف له على مستوى الصحة وآداء الجسم، لم أتخيل أبدا أنه سيكون السكري من النوع الأول فقط تصورت أنه شيئا عارضا وسينتهي ولكني أيقنت أنه ليس كذلك بعدما أخبرتني الطبيبة في الصيدلية أنه يجب عليا التوجه حالا للطوارئ في مستشفى قريب لأن السكر مرتفع بنسبة تؤكد أنه ليس عارضا وأنه قد يكون البنكرياس قد أصدر إعلانه الأخير.. مرحبا بالمرض المزمن إذا.. السكري من النوع الأول

 

مرض السكري حسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية
(ارتفع عدد الأشخاص المصابين بالسكري من 108 ملايين شخص في عام 1980 إلى 422 مليون شخص في عام 2014). ارتفع معدل انتشار السكري على الصعيد العالمي لدى البالغين الذين تزيد أعمارهم على 18 سنة من 4.7 بالمائة في عام 1980 إلى 8.5 بالمائة في عام 2014. انتشار السكري ارتفاعاً أسرع في البلدان ذات الدخل المتوسط والمنخفض. "معلومات طبية من مصادر متنوعة".

 

ول درس تعلمته بعد إصابتي بمرض السكري من النوع الأول في سن الثلاثين هو أن تكون دائما متيقظا ومتنبها لإشارات جسدك ولا تتجاهل جرس الإنذار يوما ما.. وإن حدث وفقدت السيطرة لوقت ما كما في بداية أي مرض عليك أن تجاهد حتى تتحرى أسباب الشفاء

بعد الحمد لله والثناء على نعمه والرضا التام لذلك القدر الجميل والإيمان بأنه سبحانه كما خلق الداء فقد خلق الدواء بدأت رحلة البحث والاستكشاف لأفهم ذلك التغير الذي طرأ على حياتي وللأسف وجدت نفسي جاهلة جدا.. جدا فيما يخص جسدي ومحتوياته ووظائفه ربما لأن دراستي كانت في قسم العلوم الأدبية ولكن ليس ذلك مبررا لعدم الاطلاع على العلوم البديهية التي لا تشترط أن ألتحق بالقسم العلمي لمعرفتها والإلمام بها مثلا كأداء ووظائف جسمي الذي هو من أهم ممتلكاتي والذي لا يمكن فهم طبيعة عمله بصورة صحيحة بدون كتالوج.. فكل ما يصيب الجسم من عوارض مرضية يعني ببساطة خلل في معادلة حتمية في منظومة لها نظام حيوي محدد يجب أن يحصل على الاهتمام والرعاية بشكل معين حتى يتم تجنب ذلك الخلل الفيزيائي أو العضوي أو أن الإنسان قد يولد بخلل تكويني ما؛ ربما وراثيا أو طفرة يهبها الله لعبادة لسبب لا يعلمه إلا هو.

 

المهم هنا سواء كنت مريضا أو لديك سجل عائلي ينذر بإصابتك بالأمراض أو أنك قد تمرض بشكل ما؛ فالوعي والوقاية هو أهم شيء أنت بحاجة له في حياتك -عند التحدث عن هذه النقطة- للأسف نحن لا نلتفت لهذا الأمر عندما نكون في كامل صحتنا وعافيتنا ونتخيل أننا نسيطر على كل شيء وأنه مازال الوقت مبكرا لنشغل بالنا بما قد يصيبنا نتيجة إهمالنا وعشوائية حياتنا ولكن مجرد ما يطلق جسدنا جرس الإنذار ويطرأ علينا شيء ما ينتابنا الضعف وقد نفقد السيطرة..

 

أول درس تعلمته بعد إصابتي بمرض السكري من النوع الأول في سن الثلاثين هو أن تكون دائما متيقظا ومتنبها لإشارات جسدك ولا تتجاهل جرس الإنذار يوما ما.. وإن حدث وفقدت السيطرة لوقت ما كما في بداية أي مرض عليك أن تجاهد حتى تتحرى أسباب الشفاء وتستعيد السيطرة مرة أخرى بشكل أو بآخر وأن تحاول أن تحصل على الرعاية الطبية المناسبة لأنك لن تستطيع وحدك فأنت لست طبيب؛ على الأقل في أول سنتين من مرضك بعدها قد تصبح فعلا طبيب نفسك؛ ولكن دون متابعة ومراجعة الطبيب بشكل دوري وعمل الفحوصات والتحاليل الدورية اللازمة صدقني ستفشل في تلك المهمة.. ليس من السهل عليك متابعة ما يحدث في الخلفية بدون عيون داخلية فلا تتوهم أنه بمقدورك وحدك السيطرة على ذلك.. أتفهم جدا بعض من الناس الذين يقولون إنهم يصابون بالمرض حقا عندما يكتشفونه ذلك لأنهم قبل ذلك لم يكونوا يشعرون بأي شيء لولا نتيجة التحاليل أو جرس الإنذار ففي نظرهم من الأفضل تجنب المعرفة.. لا أوافق على ذلك وأقول إن أول خطوة في طريق السيطرة على مرضك والتعايش معه هو تقبله كما هو وتقبل نفسك بما أصبحت عليه.

 

المرض ليس سرا حربيا ولا مدعاة للفخر أو سببا للشعور بالخزي والعار

معرفتك بطبيعة مرضك قد يغير الكثير ويجعلك تنتبه مبكرا، أيضا العائلة أو من يعيش مع المريض عليهم أن يكونوا متنبهين دوما ومستعدين لإجراء إسعافات أولية، لذلك ليس على العائلة أن تشعر بالخزي ولا العار من المرض أو أن تشعر بالفخر بالتعايش معه دون اللجوء للعلاج والاستشفاء قد يتغافل الكثير عن التفكير بهذه الطريقة ويتخيلون أنهم هكذا يحافظون على مشاعر أبنائهم ولا يشغلونهم بتلك الهموم.. إن السعي لإيجاد الدواء هو صورة حقيقية من الرضا والقبول والثقة بأن الله ما خلق داء إلا وأوجد له الدواء وأن الحياة بيدي الله لا يمكنك أن تؤخر أجلك أو تقدمه لذلك من الواجب علينا تحري أسباب الشفاء وتجنب القنوط من رحمة الله. قال تعالى: "وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ" الروم: 36.

 

عش بصحة جيدة، ومت أيضا كذلك

ثير هذه المقولة للممثل الشهير آل باتشينو، اهتمام الكثيرين "إذا تناولت طعام صحي ومارست الرياضة بانتظام وامتنعت عن التدخين سوف تموت وأنت بصحة جيدة". عندما يبدأ الحديث عن الطعام الصحي أو ممارسة حمية غذائية صحية، أو ممارسة الرياضة أو مناقشة بعض العادات الصحية اليومية أجد الكثير من الأصدقاء يرددون تلك المقولة.. حتى يعاني منهم من مشاكل جدية تؤثر بشكل واضح على نمط حياته هو يكتفي أن يعيش كما يريد ففي النهاية المحصلة موت محتم فما الفائدة إذا كان بطريقة صحية، يقولون تلك المقولة وكأنهم يقولون لي لا عليك حتى إذا اهتمت بصحتك وقلقت على نفسك وذهبت للطبيب وامتنعت عن تناول السكر النتيجة في النهاية ستموتين بصحة جيدة هكذا أو هكذا عيشي الحياة ولا تأبهي بما سيحدث.. أجد الكثير من الأقارب والأهل يعانون حقا من أمراض جدية تستعدي تدخلا طبيا دوريا ولكنهم يفضلون الألم والشعور بالتعب على أن يذهبوا للطبيب أو أن يتناولون دوائهم بانتظام أو حتى عمل الفحوصات اللازمة لمتابعة تطور المرض.. 

 

في رأيي الحياة هبة من الله عز وجل سخر فيها للإنسان كل شيء ومطلوب منه أن يحيا صحيحا قويا لذلك من المهم عليك أن تهتم بتناول الطعام الصحي قدر المستطاع وأن تتحرك كفاية وأن تراقب نفسك وتطوراتك الحيوية وأن تحترم آداء ووظائف جسمك من واجب الإنسان أن يحيا بصحة جيده تمكنه من ممارسة حياته بشكل طبيعي والقيام بواجباته الإنسانية تجاه نفسه وتجاه الآخرين.. حتى آخر نفس له في الدنيا فيعيش بصحة جيدة ويموت أيضا كذلك.. نسأل الله الشفاء لنا ولكل أحبابنا وأهلينا وللجميع.. ودمتم بالخير والصحة والسلامة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة