سهيل الحسن.. أسوأ نسخة من رامبو في سوريا

في أوج اشتعال الحرب العالمية الثانية قام هتلر بإعطاء الضوء الأخضر لغزو الاتحاد السوفيتي وإدلال ستالين، صديقه الأسبق اللدود، ووصلت الحشود العسكرية الألمانية الرهيبة إلى ستالين غراد، مفخرة الاتحاد السوفيتي آنداك، وفي طريق الجيش الألماني قصفت الجيوش الروسية بمئات الطائرات الألمانية التي صبت النار فوق رؤوس السوفيات، وعملت الدعاية الألمانية عملها المعتاد في تمجيد الجندي الألماني، وكان الجندي هذه المرة طيارا، نفد مئات الطلعات الناجحة، ولم يهزم في معركة قط، انضم مولدرز إلى سلاح الطيران الألماني في عام 1934 حين كان عمره واحدا وعشرين سنة. في عام 1938، تطوع للخدمة في فيلق كوندور، الذي دعم كتائب الجنرالفرانسيسكو فرانكو في الحرب الأهلية الإسبانية، وأسقط خمسة عشر طائرة.

في الحرب العالمية الثانية، خسر اثنين من طياري جناحه في معركة فرنسا ومعركة بريطانيا، ولكنه أسقط ثلاثة وخمسين طائرة عدو. مع رصيد يصل إلى ثمانية وستين انتصارا، نقل مولدرز ووحدته، الجناح 51 إلى الجبهة الشرقية في يونيو 1941 لافتتاح عملية بارباروسا. بحلول نهاية 22 يونيو 1941، في اليوم الأول من عملية بربروسا أضاف أربعة انتصارات ليرفع رصيده وبعد ذلك بأسبوع تجاوز سجل مانفرد فون ريشتهوفن البارون الأحمر في 1918 بثمانين انتصارا. منع من التحليق ومن المهام القتالية لأسباب دعائية تتعلق أساسا في الحفاظ عليه حيا لكنه لقي مصرعه في حادث طائرة لكنه لم يكن القائد هذه المرة بل كان راكبا، وما إرادة الألمان في الحفاظ عليه حيا إلا من أجل التسويق لصورة الجندي المتفاني والمضحي بنفسه من أجل رفعة وطنه في المحافل الوطنية والصحف المحلية.

النسخة الأسوأ من البطل القومي في كل الحروب وفي كل العصور تقريبا هي صورة سهيل الحسن الملقب بالنمر، الذي تروج له دعاية النظام والوصي الروسي على أساس بث الحماس في الجنود وبث الرعب في الأعداء

في المقابل لم يفوت السوفيت فرصة صناعة بطل ملهم لجيوشهم التي كان الألمان يأسرونها كما ونوعا، فكان الإختيار قد وقع على الجندي فاسيلي زايتسيف، الذي صنع عنه فيلم العدو على الأبواب، الجندي الزئبقي القناص الذي لا يرى منه سوى فوهة بندقيته وهي تحصد رؤوس الألمان، فصارت حكايته الشغل الشاغل للشعب الروسي وجيوشه، وبالتركيز والتهويل الإعلاميين تضخمت أعداد ضحاياه من الجنود الألمان، والقصة أصبحت من مرويات الحرب العالمية الثانية لتكاد أن تزاحم أساطير هرقل، مع ما يروج بعلم الحزب الشيوعي عن قصة حبه الوهمية التي ظهرت في الفيلم، لإعطاء مسحة إنسانية على قصة البطل القومي، وإضافة عدو وهمي نفاه الجندي الحقيقي عندما سئل عن القناض الألماني الذي يظهر في الفيلم وقد أرسل خصيصا لاصطياد فاسيلي بأنه لا يعلم عن الأمر شيئا.

سيصل السؤال بالتأكيد عن أكثر دولة أنتجت أفلاما عن الحروب، مستغلة أفضل آلات الدعاية الحديثة هوليود، فالولايات المتحدة الأمريكية أدلت بدلوها الكبير في الأمر، وأنتجت عشرات الأفلام عن جنودها الخارقين الذين لا يعرفون معنى للهزيمة، حتى يكاد المتفرج يبكي تأثرا بتلك البطولات ولو كان من دولة عدوة، لكن أكثر الأفلام شهرة على الإطلاق للبطل الأمريكي الذي يهزم جيوشا بأكملها هي سلسلة رامبو، الذي ما يزال يحقق شهرة كبيرة في العالم، القصة لكاتب كندي عن شخص حقيقي لكن مع التصرف والحبكة الدرامية واعتراض الممثل سيلفستر ستالون على السيناريو وتعديله له، فقد خرجت سلسلة الأفلام ملهمة للجنود الأمريكان في التضحية من أجل وطنهم، بالرغم من أن الأفلام كانت مواكبة للتوجهات السياسية الأمريكية التي كانت تخوض غمار الحرب الباردة وقت إنتاج الجزئين الأول والثاني، إلا أن حجم الالهام الجماعي والتأثير الوجداني الذي حظيت به السلسلة غطى حتى على الأداء المبتدل حسب رأي النقاد للمثل سيلفستر ستالون، لتخرج في الأخير نسخة أخرى من الفيلم عن رامبو وهو يقاتل داعش، ليدحر التنظيم في عقر داره في الوقت الذي لم تستطع كل جيوش العالم دلك.

هذه هي صناعة البطل القومي بكل مميزاتها وعيوبها، من أجل الإلهام وبث الحماس والأمل، فتختار الجيوش من له بطولات حقيقية فتزيد عليها مواصفات خارقة تارة وإنسانية تارة أخرى، لكن النسخة الأسوأ من البطل القومي في كل الحروب وفي كل العصور تقريبا هي صورة سهيل الحسن الملقب بالنمر، الذي تروج له دعاية النظام والوصي الروسي على أساس بث الحماس في الجنود وبث الرعب في الأعداء، الرجل الذي يتفق كل من لا يفقه لغة العرب على أنه أسوأ شاعر أو كاتب خواطر عربي على الإطلاق، وقد نفكر كيف لرجل مثله أن يرقى إلى رتبة عقيد بدلك التفكير المتشنج جدا، وحتى لو غضضنا الطرف عن مدهبه وأصوله التي طالما كانت مقياس الانتماء للجيش السوري وأساس الحصول على ترقية فلن نجد سببا مقنعا آخر لاختياره مقاتلا شرسا مضحيا في وجه الأعداء، فكل الخطط يضعها الروس، ثم الإيرانيون، وتنفد بأيادي جيش النظام المدعوم بطيران وميليشيات تعبد له الطريق بالمجازر.

الأغرب على الإطلاق أن النمر النكرة أصبح من أصدقاء الروس الأقوى في سوريا، وما تقليده بوسام الشجاعة الروسي إلا دليل على دلك، وهو الجندي السوري الوحيد الذي نال هذا الوسام، وبتوصيات من بوتين شخصيا شكلت قوات النمر التي تتبع غرفة عمليات القوات الروسية، مما جعلها تتقاسم القوة مع قوات الفرقة الرابع التي يقودها ماهر الأسد الموالي لإيران التي لا يريحها التوسع والسيطرة الروسية، فجاءت قوات النمر لتتدعم بأحدث الأسلحة وأكثر القادة تهورا وأكثرهم سفكا للدماء، ما أهله ليكون رامبو الحرب السورية، ومن وراءه الآلة الدعائية الضخمة بجناحيها الروسي والسوري، إد تصفه الصحف الروسية بالقائد الذي لا يعرف طعم الهزيمة، هذا التعاظم المفاجئ والنفخ الحرفي في صورة العقيد بعد إصابته في إحدى المعارك عام 2015، عاد بعد فترة وخداه منتفخان وببنية جسمانية لجندي حقيقي، ولحية مرتبة، وتنشر له مقاطع وهو يقاتل جنودا يفوقونه حجما في حركات تشبه أكشن أفلام الثمانينات الهابطة، ثم يصور عند الاستعداد لأي معركة ما يعني كمنعكس شرطي عند جنود النظام بأن النصر قادم ما دام العقيد النمر هو قائد المعركة، بالطبع سينتصر من يدعمه ثاني أكبر جيش بالعالم.

أثناء زيارة بوتين لقاعدة حميميم الجوية السورية لم يكن في الاجتماع نعه رفقة بشار الأسد غير سهيل الحسن، وتلك اللفتة التي أعقبها تكريمه هي البداية الحقيقية لتسويق رامبو سوريا، النسخة الأسوأ على الإطلاق، فرغم هذا التسويق لم يستطع إخفاء تفاهة الرجل إطلاقا الذي اكتشف أعداء العالم، ويصف الوطن بأنه من يعطيه الماء والغداء والهواء، وما جيشه في الحقيقية إلا قطع مبعثرة خائفة من المتطوعين العلويين المرغمين والخائفين والمغررين بالمال من طائفة تهدد في وجودها من كل الأطراف المتحاربة، لكن الحرب وغمارها تقاد من الروس والإيرانيين والميليشيات الموالية لهما، وما للنمر ناقة ولا جمل إلا التنكيل بالمدنيين العزل وإلقاء البراميل المتفجرة على الأطفال، وما تصويره بالجندي البطل إلا رفع إحراج عن الأسد بأن من يحقق انتصاراته هو اجيوش الدول التي تسبب بقاءه إلى حين.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة