التحالف وتقويض الشرعية في اليمن

blogs اليمن

لم تصل السلطة الشرعية في اليمن الى هذه المرحلة من الضعف بشكل مفاجئ، بل مرت بمراحل ومنعطفات عدة ساهم كل منها بنسبة معينة في ذلك. كما أنها لم تكن سرية أو عصية على الفهم بل واضحة لأقصى الغايات. ولم تكن أيضاً حتمية أو مستحيل تجنبها ولكن التبريرات التي جرى التسويق لها خلال هذه المراحل وسياسة الغموض المقصود التي انتهجها الجميع في التعاطي معها جعلها تبدو القدر الحتمي.

  

والنتيجة كما نرى، سلطة ضعيفة لم تعد تحظى بالثقة الداخلية ولا بالاحترام الخارجي. مفككة لا يستطيع مسؤولوها الاتفاق على موقف واحد، فترى بعض المحسوبين عليها يتخذ مواقف علنية تتعارض مع إرادة رمزية هذه السلطة وهو رئيس الجمهورية. فقد أفرزت الاحداث الأخيرة وما قبلها ما يمكن توصيفه بالمحاصصة في السلطة الشرعية لكن ليس المحاصصة الحزبية داخل الخارطة السياسة في اليمن بل المحاصصة بين الدول الإقليمية، فنجد مسؤولين مقربين من الإمارات وآخرين محسوبين على السعودية وغيرهم ليس لديهم مشاكل مع قطر. لا أدل على ذلك من تباين مواقف المسؤولين من القصف الإماراتي لوحدات من الجيش في عدن وأبين مؤخراً.

  

فقد ظهر البيان الحكومي الذي يطالب رئيس الجمهورية بإنهاء دور الإمارات في التحالف خالياً من اسم رئيس الحكومة وعدد من الوزراء، ما يعني رفضهم له، وهو ما يجعله يبدو وكأنه تعبير عن إرادة من وافق من الوزراء لا عن إرادة الحكومة اليمنية وأصبح بإمكان الإمارات المحاججة بذلك وأظنها فعلت. كما أن غياب مواقف مجلس النواب وأعضاءه -وهو المعبر المفترض عن إرادة الناس- ومواقف العديد من السفراء أيضاً تزيد الأمر سوءاً وتضع العديد من علامات الاستفهام على تمثيلهم للسلطة الشرعية ووحدتها.

 

كل ذلك يفضح السلطة ويجعلها مفككة وغير قادرة على إقناع العالم بأحقيتها بتمثل اليمنيين والتعبير عن إرادتهم. لذلك نجد انعدام المواقف الدولية التي تدين قصف الإمارات لوحدات من الجيش رغم فداحة الكارثة. لكن ما الذي جعل السلطة الشرعية تصل الى هذا المستوى المتهالك؟. ما هي المراحل والأحداث التي أدت بها الى فقدان سيطرتها وقوتها داخل اليمن وفقدانها الاحترام والتأييد الدوليين؟. بالإمكان إجمالها كالتالي:

   

   

أولاً: البقاء في المنفى لهذه السنوات الطويلة

مهما كانت الظروف لا يمكن تبرير بقاء السلطة السياسية في الرياض لما يقارب الخمس سنوات. ففي ظل الدعاوى التي روج لها بعد بدء تدخل التحالف بشهرين أنه تم تحرير 85 بالمئة من الأراضي من تحت قبضة الحوثيين كان ينبغي أن تؤسس السلطة الشرعية لوجود دائم في العاصمة المؤقتة عدن أو أي من المحافظات المحررة الأخرى أو حتى الجزر كجزيرة سقطرة.

    

لكن ما حصل هو بقائها في الاغتراب في الرياض والاكتفاء ببعض الزيارات الشكلية. لقد نتج عن تلك الغربة شيئان: الأول الإحساس بعدم جدية الشرعية في استعادة الدولة والاكتفاء بحياة الرفاهية الموفرة لها في الرياض. حتى أصبحت تُعير من قبل الأعداء "الحوثيين" والحلفاء المفترضين "الإماراتيين" بكونها حكومة فنادق والثاني تفكك السلطة الشرعية وعدم القدرة على التواصل بين أعضائها، وعدم ممارسة المؤسسات لدورها. لقد ولد ذلك فجوة كبيرة بينها وبين الشارع اليمني فانخفض منسوب الأمل وانهارت المعنويات وتلاشت أحلام عودة الدولة والجمهورية.

   

ثانياً: تعطيل المؤسسات الإرادية وإيقاف الدورة المالية للدولة

تمثل الدورة المالية بشقيها الإيرادات والمصروفات عنصر مهم لبقاء الدولة وديمومتها، فهي تخضع المواطن للدولة وتجعله يعتمد عليها في نفس الوقت، كما أنها آلية من آليات الدولة في تنفيذ سياستها ومواجهة الأزمات. فبرغم تواجد معظم المؤسسات الإرادية خارج مناطق سيطرة الحوثيين وخضوعها نظرياً لسلطة الحكومة الشرعية إلا أنه جرى تعطيلها بشكل متعمد من قبل التحالف وسكوت مشكوك فيه من قبل الشرعية. الحقيقة أن التحالف تجاوز مسألة التعطيل المتعمد للمؤسسات الإرادية ووصل الى حد منع الاموال المطبوعة في روسيا من الوصول عدن ل١٣ مرة وهذا دليل على أن إضعاف السلطة الشرعية وعدم تمكينها من الاستقلال المالي هدف متعمد ومخطط له مسبقاً. لقد أدى ذلك الى عدم قدرة الدولة على ممارسة مهامها المفترضة في الداخل بالتالي انهيار ثقة الناس بها.

 

وفي الخارج رهن قرارها ومصيرها بيد دول التحالف التي بالتوازي مع إيقاف المؤسسات الإرادية قامت بتمويل الاحتياجات الحكومية في البداية ثم ظهرت الإملاءات والشروط لحد الضغط لإقالة رئيس الوزراء بن دغر وتعيين آخر مرضي عنه من قبلها وكذلك إخراج الكثير من الشخصيات الوطنية وإقالة العديد من المسؤولين الحكوميين.

 

ثالثاً: تشكيل مليشيا الاحزمة الأمنية والنخب المحافظاتية خارج أجهزة الدولة

لا يخفى على أي مراقب أن تشكيل مثل هذه الاجهزة والمليشيات تهديد صريح لوجود الدولة، بالذات أذا تم تزويدها بأسلحة تفوق ما لدى الدولة. ومع ذلك فقد أنشأت الإمارات على مرأى ومسمع من السلطة الشرعية والحكومة السعودية على السواء المليشيات المعادية للدولة في كل المحافظات الجنوبية بمسميات عدة، ودعمت مليشيات أبي العباس الخارجة عن القانون في تعز وانشأت كتائب طارق التي لا تعترف بالشرعية في الساحل الغربي. وغضت الحكومة الشرعية الطرف عن ذلك رغم التحذيرات الكثيرة، ورغم أنه تظهر سوء النوايا، ورغم المعرفة التامة أنه ليس في بالها ولا من أهدافها مواجهة الحوثيين، وأنها لن تواجه إلا الدولة نفسها. فلو كانت النوايا صادقة لتم تقوية أجهزة الدولة نفسها بدلاً من إنشاء هذه الأجهزة المنفصلة عن الدولة والمرتبطة فقط بالإمارات مالياً وإدارياً وولاء.

     undefined

    

رابعاً: وأخيراً الصمت الطويل في كل الأحداث مهما كانت مهمة ومفصلية

فضل المسؤولون في أوقات كثيرة وأحداث مفصلية دس رؤوسهم في التراب والتزام صمت القبور. في الوقت الذي كان الناس يتمنون أن يظهر فيه أحد المسؤولين لتوضيح الحقائق ومخاطبة الناس. لقد وصل الحال باليمنيين الى أنهم لم يعودوا يتمنون إلا أن يسمعوا كلمة ولو حتى مسجلة من فخامة الرئيس بحسب أحد الكتاب.

 

قد نحاول إيجاد المبررات والأعذار للسلطة الشرعية على النقاط السابقة بحكم الظروف التي مرت بها لكن مسألة الحديث وتبيين الذي يجري وتفسيره للناس لا يمكن إيجاد أي أعذار. وهو ما يجعل أصابع الاتهام تتجه الى الشرعية بأنها دمرت نفسها بنفسها أو ساهمت في ذلك عن قصد أو دون قصد.

 

ولكن وإنصافاً للسلطة الشرعية، علينا الاعتراف أن ذلك كله تم بجهد مخطط له من قبل التحالف، وفي كل لحظة بدت جدية الشرعية في معالجة أياً من المسارات السابقة نجد أن التحالف كان لها بالمرصاد وبكل قوة. ولنذكر مثلاً أن بقاء الحكومة والرئيس في المنفى ليس نابعاً من رغبة ذاتية بل من أمر واقع نتيجة لفشل محاولات الرئيس العودة الى عدن، حيث تصدت القوى الإماراتية لذلك بشكل صريح ومنعت طائرته من الهبوط في عدن. كما أنه في المحاولة الانقلابية الأولى على الشرعية من قبل المجلس الانتقالي في يناير 2018، تدخلت القوات الإماراتية بشكل فاضح لقصف ألوية الحماية الرئاسية، كما تدخلت في الانقلاب الثاني مؤخراً.

    

كان ينبغي على السلطة الشرعية عدم قبول تمرير ذلك ولو كلفها الاستغناء عن التحالف نفسه، خاصة أن النوايا بدت واضحة بما فيه الكفاية منذ الاشهر الاولى للحرب. لأنه في كل الاحوال ما كانت لتستطيع العودة الى صنعاء وفق تسلسل الأحداث وفي ظل تلك النوايا لكن على الأقل كان سيتم المحافظة على البلد موحداً مع تجنب الدمار الذي لحق باليمن والمعاناة التي عاشها اليمنيون.

  

فهذه الإحداث ليست لحظية أو طارئة بل نمت وتطورت خلال فترة أربع سنوات. فهل كان بالإمكان تلافيها أو منع حدوثها، أعتقد جازماً أن الإجابة نعم. ولكن ما هو السيناريو الأسوأ الذي جعل السلطة الشرعية تقبل بما جرى لتتجنبه؟ هذا ما لا نعرفه، فلدى قيادة الدولة من المعطيات ما ليس متوفر لدينا، ولكن ما أدعيه أنه لو كنت في موضع صنع القرار لما سمحت بتمرير ذلك ولو كان الثمن الذهاب الى طهران.