لماذا فشل المشروع السعودي؟

الضربة التي وجهت لمعملي تكرير النفط التابعين لشركة أرامكو السعودية بمنطقة بقيق وتسببت بتوقف ضخ كمية من إمدادات الخام تقدر بنحو 5 ملايين و700 ألف برميل يوميا، أي ما يعادل قرابة 6 بالمائة من إمدادات الخام العالمية، وهو ما دفع أسعار النفط إلى القفز بشكل غير مسبوق خلال السنوات الماضية، والتي حرصت الولايات المتحدة الأمريكية على الإبقاء عليه خلال تلك السنوات عند متوسطات مقبولة لديها، للاستفادة من تلك الأسعار لصالح وارداتها، إذ تستورد الولايات المتحدة من السعودية ما يقارب الــ 600  ألف برميل يوميا، وكانت السعودية قد تعهدت للولايات المتحدة الأمريكية بتغطية إنتاج إيران من النفط بعد فرض أمريكا عقوبات اقتصادية عليها تحرمها من تصدير إنتاجها البالغ على اقل تقدير 2.7 مليون برميل يوميا.

   

الضربة التي وجهت إلى البنية التحتية لصناعة النفط في السعودية ضربت كل مخططات السعودية وأمريكا، وعلى الرغم من أن المقال ليس اقتصاديا ولن يتطرق بالمزيد من التحليل في أثر الضربة على سوق النفط ومن تضرر ومن ربح منها إلا أن الخلاصة في هذا الشأن أن السعودية خسرت بشكل كبير والخسارة هنا ليست على المستوى الاقتصادي كما ذكرنا وإنما على المستوى السياسي والعسكري بعدم قدرتها على الدفاع عن منشأتها النفطية، عصب اقتصادها الريعي، وعلى المستوى السياسي بعدم وجود رؤية للقيادة لوقف هذه الضربات، كما انه عكس حقيقة عدم وجود حليف حقيقي يحميها بعد تكرر هذه الضربات خلال الأسابيع القليلة الماضية على مستويات متفاوتة وكأنها رسائل لما هو أكبر، وقد كان.

   

المشروع السعودي عمل لمصلحة الغير، المستفيدين من طمع الأفراد القابعين على كرسي العرش في تلك البلاد الغنية، فقدموا خيرات بلادهم ودماء بني جلدتهم قربانا لتلك القوى

ولن نقف كثيرا عند حادثة بقيق، فما هي إلا واحدة من نتائج فشل الإدارة السعودية، إلا أنها ليست أول النتائج ولن تكون آخرها، طالما بقيت الإدارة السعودية على نفس السياسة التي انتهجتها منذ نشأة الدولة السعودية الثالثة على يد المؤسس الملك عبد العزيز آل سعود، الذي فضل الانفصال عن الخلافة العثمانية بعلاقات ربطته بالإنجليز في حينها ثم الأمريكيين في مرحلة لاحقة، وكان اللقاء بين الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت والملك عبد العزيز بن سعود بداية إرساء قواعد الدور الذي ستلعبه السعودية والتي ارتضاها الأمريكيون وحرصوا على متابعة تنفيذها، فكانت سنة لقاء الرؤساء الأمريكيين للسعودية أو استدعاء ملكهم للبيت الأبيض أحد مهام الرئيس الأمريكي لمتابعة أداء المهام من قبل الملك.

  

لقد لعبت المملكة السعودية دورا مهما في إطفاء الحرائق الشعبية تجاه الاحتلال العسكري والفكري والاقتصادي الغربي بشكل عام والأمريكي بشكل خاص والأمثلة في ذلك تكثر، وقد اتخذت من مكانتها الدينية كراعية لمقدسات المسلمين ستارا للعب هذا الدور بجدارة على المستوى الشعبي من خلال دعاتها أو بشراء منابر الدعاة في الدول المؤثرة كمصر، وعلى المستوى العسكري بإخماد أي حراك سني أو قومي كقوات فجر في لبنان، والنضال العسكري في عراق ما بعد الاحتلال، كما كان المال السياسي حاضرا في الكثير من الحوادث الكبيرة في الوطن العربي بشراء السياسيين، حتى وصل الأمر لشراء رؤساء الدول كما اعترف عمر البشير في السودان وما اتهم به مبارك في مصر، وضيعت الأدلة، ومخابراتيا في الجزائر إبان العشرية السوداء، وحديثا وبعد ثورات الربيع العربي في كل بلد شهد ثورة شهد يدا سعودية تعبث من أجل إخمادها بالمال والمكائد والدعاة الموالين لقمع الشعوب وإفشال سعيهم من أجل الحرية.

   

لقد استطاعت إيران خلال السنوات العشرين الأخيرة إنضاج مشروعها بصناعة أذرعها وتدريبهم وتسليحهم وركزت في ذلك على النقاط الاستراتيجية الخادمة للمشروع والمؤثرة في قرار مواجهتها وقت تحين المواجهة، عرفت إيران ماذا تريد وكيف تصل إليه وعرفت كذلك أدوات الوصول إليه، وكانت سفاراتها وقنصلياتها خلايا نحل لا تهدأ ليل نهار لإنجاز المشروع، واستفادت من مشروعها شعبيا من خلال دعاة المذهب واستطاعت أن تجني ثمار جهدها رجالا وأموالا، حتى أصبحت تجمع بدلا من ان تنفق، ففتحت خزائن العراق واليمن وسيطرت بشكل أو بأخر على اقتصاد لبنان، لتؤكد في السنوات الخمس الأخيرة أن مشروعها حقق نجاحات تغري بالسعي لتحقيق المزيد، فلقد عملت إيران لنفسها مستفيدة من طمع الغير وأخطاء الآخرين.

  

المشروع السعودي عمل لمصلحة الغير، المستفيدين من طمع الأفراد القابعين على كرسي العرش في تلك البلاد الغنية، فقدموا خيرات بلادهم ودماء بني جلدتهم قربانا لتلك القوى، من أجل متاع فان ومصلحة آنية تزول بزوال الشخص، وتكرر الأمر من وارثي العرش واحدا تلو الآخر، فلم يسع أحدهم لمشروع سني جامع يحمي عرشهم ويقف أمام عدوهم، بل على العكس حاربوا الشعوب ووقفوا أمام إرادتهم ورغباتهم في التحرر والانعتاق واعتاقهم من نير الإمبريالية الغربية، وهو ما يفسر فشل المشروع السعودي أينما حل، وانفضاض الشركاء عند أول منعطف ليترك منفذي المشروع وحيدين تحت ضربات الأعداء والحلفاء المفترضين. 



حول هذه القصة

لا ينكر المراقب وجود مشروع إيراني، ورغبة توسعية لدى طهران محفوفة بأطماعها في المنطقة، لكن لا يمكن أن يكون ما تنتهجه المملكة العربية السعودية مقاربة صحيحة في مواجهة هذا المشروع.

أزمة السعودية أنها لن تقبل أن تكون لليمن جمهورية حديثة تبنى على أساس المواطنة وسيادة القانون، ويتم تتداول السلطة فيها بالطرق السلمية، وهي يتوارث فيها العائلة حكم تلك المملكة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة