هوليوود وعرب وود.. بين واقع نعيشه وخيال نشاهده

هجوم فضائي على كوكب الأرض، كوارث طبيعية تقضي على الحياة البشرية، قوة مهووسة بالسيطرة تود إبادة الجنس البشري وإدارة العالم.. مصاصي دماء ومتحولون.. كل ذلك وأكثر تحمينا منه حامية حمى البشرية التي تختار أن تحمل روحها على كفها دوما لإنقاذ العالم هي الوحيدة والفريدة التي تملك كل القدرات لتفعل ذلك وتُحمِل العالم كل يوم دين جديد لحمايته وانقاذه؛ فانتصب علمها مرفرفا بشموخ وعزة رغم أنف المعتدي؛ إنها أم الدنيا بحق إنها أمريكا..

 

هكذا هي أمريكا في هوليود تقاوم وتضرب باليمين وتضحي وتحمي باليسار.. يتعلم الأميركيون لغة أهل الفضاء، يتفاوضون معهم ويقبلون مساعدتهم تارة كما في فيلم (Arrivals)، ويحاربونهم بسلاحهم تارة أخرى لإنقاذ كوكب الأرض وإحباط مكيدتهم في السيطرة عليها كما في فيلم (Independence day). يحطون على كوكب غني بالمواد الخام الثمينة مدججين بجيش عتيد حاملين العِلم والعلماء والسلاح الطيبون منهم يدعون لتبادل ثقافي فضائي أمريكي دبلوماسي، لكن هناك أشرار يسعون للانقضاض على ثروات ذلك الكوكب لتعزيز قواهم أكثر وأكثر كما في (Avatar) ولكن هيهات أيها الحفنة من الأمريكيون الأشرار سينتصر الطيبون وسيرتفع اسم أميركا الطيبة فوق كوكب بندورا.

 

لا يمكن إنكار أن صناعة هوليود هي صناعة فاخرة ومتقنة جدا.. ممتعة للمشاهدين فعلا حيث لا يمكنك منع نفسك من متابعتها والانبهار بكم التفاصيل والشخصيات حتى أنك كلما شاهدت الفيلم مرات يمكنك اكتشاف تفاصيل جديدة في كل مرة

تحدث طفرة في التغيرات المناخية غير مسبوقة حدثت من آلاف السنين ولكنها تتكرر كما في (The Day after tomorrow) أيضا وحدهم العلماء الأمريكيون هم من سينقذ العالم من تلك المحنة المناخية. إنها أميركا التي تحل كل المشاكل مهما كانت غريبة وفريدة ومن الصعوبة بمكان أن يستطيع أحد غيرها أن يساعد البشرية على البقاء.. كأن الواقع ليس جليا يخالف أفلام الخيال الأمريكي الهوليودية.. ففي كل مصيبة تحدث في العالم تجد أمريكا أنفها مدسوسا؛ حروب ومجاعات.. ديون وإفلاس.. انقلابات واستعمار علني وفي الخفاء.. الأكثر على الإطلاق مساهمة في تغير المناخ والتلوث البيئي وما انسحاب الرئيس الأمريكي ترامب من قمة المناخ الأخيرة إلا خير دليل!

 

بالطبع ليست قواعدها في كل بلد وصواريخها الموجهة وجنودها المدربين وأقمارها الصناعية مُسخرة من أجل خدمة البشرية والحفاظ على الجنس البشري من الانقراض! كما أن إعلامها وتوسعها الثقافي وهيمنتها على الاقتصاد وتدخلها في قوانين البلاد وشئون العباد ليس بهدف العمل الجماعي وإدارة المشكلات الإنسانية! ليس الرئيس الأميركي مضطهدا ومطلوبا دوما من قبل الإرهابيين كما في (Olympus and London has fallen) لأنه ببساطة يساهم في صنعهم.. وليس الموظف الأمريكي ملاحقا ومهددا بالقتل هو وأسرته كونه أمريكي كما في (No escape) لأنه محمي من نظامه وحكومته بشكل يستعصي على أحد إهدار دمه.

 

لا يوجد فيروس خطير منتشر يقضي على سلاسة بني الإنس ويحولهم لوحوش يأكلون بعضهم بعضا كما في (Im legend) لأن الفقر والجوع والحروب والصراعات الأهلية كفيلة لتفعل ذلك! حيث يوجد في هوليود توثيق للفساد في أميركا داخل الأجهزة الأمريكية نفسها؛ يوجد أيضا بطل عظيم خمن ماذا! بالطبع هو أمريكي أيضا يحاسب الفسدة ويكشف مخططاتهم ويقضي عليهم؛ ضابط مارينز متقاعد كان أو ضابط استخبارات أرادوه أن يتحول لقاتل مأجور ولكنه أبى إلا أن يكون بطل أمريكا للاقتصاص للإنسانية كما في (Red or Shooter) ولكن ليس كما نعرف حقيقة عن عمليات القتل والتصفية للبشر في أفغانستان والعراق وفيتنام وأفريقيا بذريعة الإرهاب وغية التوسع في إمدادات الغاز أو الحصول على البترول.

 

هل يوجد من هو البطل الأمريكي الحقيقي الذي خرج من مأساة واقعية أظهر فيها المروءة بحق الإنسانية ليثأر للإنسان؟ هل كان مثل الجنرال ستانلي ماكريستال المُقال من قبل الرئيس الأمريكي أوباما نفسه ذلك الجنرال الذي كان القائد العام في جيش القوات المسلحة في أفغانستان الذي كان قد صرح مجرد تصريحات ساخرة للصحافة حول السياسات المتبعة في أفغانستان فأزعجت الرئيس الأمريكي فأقاله وأنهى بطولاته عند ذلك الحد معتذرا بإرادته أو مجبرا ومعترفا أن مصلحة أمريكا فوق الجميع.

 

لا يمكن إنكار أن صناعة هوليود هي صناعة فاخرة ومتقنة جدا.. ممتعة للمشاهدين فعلا حيث لا يمكنك منع نفسك من متابعتها والانبهار بكم التفاصيل والشخصيات حتى أنك كلما شاهدت الفيلم مرات يمكنك اكتشاف تفاصيل جديدة في كل مرة؛ قد تمتزج لديك المشاعر وتغوص في عالم من الخيال وتنتابك نشوة ما تظل حتى انتهاء الفيلم.. ولكنك بعدها تضحك بملء فيك وتقول في نفسك God bless America.. آه أميركا آه أم الدنيا ومنقذة البشرية وكل ما هو عكس ذلك!

 

لن تنتابك نفس المشاعر عندما ستشاهد مادة عربية من نفس النوع لأنه لم يعد يوجد على الساحة الفنية ما يمكن اعتباره فنا تشعر معه بذلك الكم من المشاعر. إذ لا عجب أن صناع هوليوود ما زالوا يصورون أهل الشرق على أنهم ركاب الجمال ساكني الخيام البدو الرحل الحفاة مهلهلين الملابس سواء في الإمارات وعمان وقطر والكويت، العراق وسوريا ومصر حتى تركيا كلهم لهم نفس السمت لديهم تقريبا، يصدرون الإرهاب والقتال والتناحر، إنما الانقلابات والاستدانة من البنك الدولي لأفريقيا كما في (The international) والوباء والأمراض أيضا..

 

بإمكانهم مشاهدة بعض أفلامنا العربية حتى يستطيعوا أن يفهموا أننا لم نعد بتلك الرجعية مطلقا! بل أصبحنا فاحشين الثراء نتطاول في بناء ناطحات السحاب والأبراج لدينا من الأسلحة والطائرات ما يكفي لعرض عسكري مهيب يحضره كبار الدولة ليصفقوا. كما لدينا الآلاف من الألعاب النارية والمفرقعات التي نستخدمها في كل رأس سنة ميلادية جديدة للاحتفال. كما أصبح إعلامنا في كامل الأبهة ينافس هوليود ويسوق لها في نفس الوقت بكل خفة وبراعة فيعرض سيناريوهات الأكشن التي تتنوع بين تجار المخدرات والسلاح وتجارة الأعضاء والبلطجة والإدمان من ناحية ويعرض الانفتاح الثقافي ومحاكاة الغرب في أفكاره من ناحية أخرى. تتطور السينما العربية فترفع الحرج عن العلاقات بين الرجال والنساء وتنقل الشباب نقلات نوعية لحياة الترف والرفاهية واللامسؤولية والسكر والعربدة وتحرر المرأة من أعباء الأخلاق والشرف وتحرر الرجل من قيود المروءة والحياء. وتطعن في الدين والعادات والتقاليد والثقافة وتصنع تاريخ جديد يؤرخ لسياسات حماة السلام الفدائيين الذي يبذلون أرواحهم فداء لوطنهم وأرضهم.

 

تحاول السينما العربية أن تذهب بفكر المشاهد إلى ما هو كامل البعد عن الحقيقة أيضا ليست وحدها هوليوود من تفعل ذلك! فيصبح كل ما تراه عيناك مباشرة وتختبره في حياتك موقفا بعد آخر هو الزيف، وما يعرضونه هم هو الحقيقة بكاملها. سواء اخترت أن تشاهد هوليود أو تشاهد عرب وود لا تعطي الموضوع أكبر من حجمه ولا تدع مجال لعينيك أن تنخدع بما لا يقع أمامها مباشرة. فقط انبهر بهدوء فما زال ينتظرك الكثير من الانبهار.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة