قصة حب فاشلة

هناك في مدينة الدار البيضاء، وتحديدا في أحد فنادقها تعرفت امرأة على شاب، وهناك انطلقت علاقتهما، لقد كانت صداقة مفعمة بالإعجاب في البداية، وهو الأمر الذي عجّل بتغيير مسار هذه الصداقة، وهكذا تورطا في الحب دون أن يدركا كيف حدث ذلك، كانت الفتاة مقتنعة بصعوبة طبعها، وهذا الطبع لطالما يقف عائقا أمام ما تطمح إليه في الحب، لم يكن الشاب يدرك طبيعة انجذابه إلى تلك الفتاة المسكينة، لقد عانت المسكينة من ويلات الحياة، ففي اللحظة التي كانت تختبر فيها زواجا فاشلا، أخدت منها الحياة أمها بكل قسوة، وهنا اختبرت معنى الألم، لم تكن قادرة على استوعاب مجريات حكايتها البريئة، تضاعف ألمها فجأة، فألم فقدان الأم، وتلاشي زواج فاشل، جعلا هذه المرأة محبطة. كانت تحتاج إلى قوة تعيدها إلى صوابها في اللحظة التي بدأ العالم يتبخر أمام عينيها، وتحملت ما يجري رغما عنها. كل تلك المواساة والمساندة والدعم الذي تتلقاه من أقرب الناس إليها، لم يكن ليشفي ألمها، لأنه كان أعمق من أن يُنسى بسهولة، لقد احتاجت إلى الكثير من الوقت لتعيد ترميم حكايتها.

 

بعد أن مات جزء من حياتها، وهو الجزء الذي يظل تأثيره واضحا على مجريات حياتها، بعد ذلك، قررت أن تواصل المسير، لم يكن يشغل بالها سوى أن تعيش بهدوء، أو أن تموت بهدوء. بعد تجربة الضياع تلك، تعرفت على شاب، علمها بكل خبث أن جميع الرجال متشابهون في المغرب، لم تكن تؤمن بأن هناك استثناء، كانت تحتاج إلى تجربة لتتأكد من ذلك، لقد علمها ذلك الشاب أن الرجل المغربي لا يرى في المرأة غير الجسد، ولطالما كانت المرأة في المجتمع المغربي تعيش في الهامش، ولم ترقى في نظر هذا المجتمع لتكون إنسانا، نعم هي في الحقيقة إنسان، لكن هذا المجتمع علمها العكس، فباتت حبيسة نظرة تعود إلى العصور الوسطى، وبات هذا المجتمع مريض بالعقلية الذكورية التي تبرر كل شيء لصالح الرجل. المرأة عموما لا تستمتع بإنسانيتها وبحريتها وكرامتها، وتتضاعف المسألة عندما تفشل هذه المرأة في تجربة الزواج، لتصير مطلقة، وأن تكون كذلك أسوأ من أن تتحمل مرارة العيش مع زوج لا يرى في المرأة غير الجسد. تصير المطلّقة في نظر المجتمع الذكوري متاحة لمن وجد إليها سبيلا، لكنها وحدها من تملك حقيقتها، حقيقة أنها إنسانة لديها كرامتها، لكن من يصدق هذا الكلام، الكل يفكر انطلاقا مما تحدده شهوته، وهو نفس ما حدث لصديقتنا رفقة الشخص الذي اعتقدت أنه سيعيد إليها جزء مما ضاع من حياتها، والمؤسف أنه سيعمق من جراحها، وسيدفعها لاستئناف حكايتها مع الألم، لقد تعقدت حكايتها فباتت نظرتها إلى الرجال أسوأ مما هم عليه.

 

نتوقع جميع الاحتمالات في الحب، لأننا لا ندري على اليقين كيف سنقود تجربة الحب إلى النجاح، نعيش تجربة الحب على أمل أنها ستنجح، ولا نتوقع منها عكس ذلك، لكن ما إن نصطدم بالواقع حتى نعيد ترتيب توقعاتنا

كانت تجد صعوبة بالغة في الوثوق بالرجال، بعد تجربة الزواج الفاشلة، وبعد العلاقة التي علمتها أن الرجال في المجتمع الذكوري لا يرون في المرأة غير الجسد فقط، وبصفتها مطلقة، فقد كانت تأخذ الحذر كثيرا، ومن خلال تجربتها تأكدت أن الرجال يعتقدون أن المطلقة متاحة أكثر من الأخريات، لكنها كانت أقوى من أن تتعرض للإغواء، فشلت في علاقتها العابرة مع الشخص الذي اعتقدت أنه سينسيها مرارة ما مر عليها، وهو الذي عمّق من ألمها، فقررت أن تصوم عن المشاعر، وأن تغلق قلبها، لأنها بدأت تتيقن من أن هذا المجتمع ملئ بأولئك الذين لا يُقدّرون قيمة المشاعر الإنسانية، كانت لديها من الأسباب ما يكفي لتفكر على هذا النحو، لكن لم تكن تدري أن الحب الصادق عندما يأتي يكون أقوى من أن نعيد مراجعة أوراقنا والاستشارة مع عقولنا، لقد وقعت في غرام ذلك الشاب الذي التقته في الفندق ذات مساء، وبعد أن قررت أن تكتفي بصداقته، كان الحب ينشأ بينهما سرا، وهي لا تدري أن ما ينتظرها مع هذا الشاب كان أعقد من صداقتها به.

 

انطلقت صداقتهما بشكل غريب، لقد احترم الشاب موقفها واختيارها، كما احترمت خصوصياته، لكن ما يشدهما إلى بعضهما البعض كان أقوى من الصداقة، ولهذا تغيرت الأمور بسرعة، فتورطا في حب معقد يصعب فهم مضامينه، لقد كان طبعها صعبا على التحمل، هذه النقطة تجمعهما، لقد حذرته من صعوبة شخصيتها، لكنه لم يبالي بتحذيرها، فما يشغل باله مرتبط بما يشعر به وهو برفقة إنسانة تحتاج إلى ترميم أعطاب ذاكرتها، وأحزان قلبها، ولهذا السبب أحبته بعمق، وبنفس العمق تشعر أنه يحبها، لكن ما لا يعجبها فيه هو أنه كان يحبها بطريقته، طريقة متدبدبة بين الاهتمام والاهمال وبين القرب والابتعاد، لم يكن يدري كيف يخلق سعادة أبدية بقلبها، لقد أحبها بشكل سيء، ولطالما اعترف لها بأنه سيء في الحب، لقد تحملت حبه الخاص، كما تحملت ظروفه، وشخصيته المختلفة، لكن بقدر ما كانت تتحمله، بقدر ما كانت تتراجع في صمت، لأن حمل هذا الحب كان أقوى من أن تسايره، وهي التي تحتاج إلى من يعيد ترميم ضياعها الأكبر، كان يتفهم هذا الضياع، لكنه لم يجد الطريقة المناسبة لكي يدفعها لاعتناق سعادة تنسيها مرارة ذكرياتها.

 

نتوقع جميع الاحتمالات في الحب، لأننا لا ندري على اليقين كيف سنقود تجربة الحب إلى النجاح، نعيش تجربة الحب على أمل أنها ستنجح، ولا نتوقع منها عكس ذلك، لكن ما إن نصطدم بالواقع حتى نعيد ترتيب توقعاتنا، لأن تجربة الحب لا تنسجم مع الواقع إلا في حالات نادرة، يأخذنا الحب إلى مثالياته البعيدة، وننسى أن الحياة تجبرنا على أن نكون واقعيين، هكذا كانت تدور نقاشاتهما، فهو يذكرها دوما بواقعيته، بينما المسكينة كانت تحلم بحب أكبر من هذا الذي تورطت فيه، ولا تجد إلى الخروج منه فكاكا، كانت تتمنى لو تنجب منه ولدا يكون ثمرة حب يستعصي على النجاح، وكانت تتمنى لو تعرفت عليه قبل تجربة زواجها الفاشل، لقد كانت تحلم بواقع أكبر من الواقع، وكانت تدرك بيقين طبيعة ظروف حبيبها، والذي يحاول جاهدا أن يشعرها بوجوده، وأن يعطيها من الاهتمام ما يستطيع، وأن يسعفها بما يمكن أن ينعش قلبها، لكن كل ذلك بقدر ما كان ينمي حبا جميلا، كان يشعرها بأن ما تتلقاه من مشاعر قليل في حقها.

 

ظلت علاقتهما تتأرجح بين القوة تارة، والملل تارة أخرى، والبرود تارة، والغياب تارة، وبعد كل ذلك يستأنف الحب طريقه في قلبيهما، وبعد كل خصام يتأكدان مما يجمعهما، فبقيا بذلك مقاومين من أجل البقاء، من أجل استكمال تجربة حب مليئة بالتساؤلات، لقد كان الحاضر كل ما يشغل باله، لم يكن يعير للمستقبل أدنى اهتمام، يريد أن يعيش الحاضر بكل تفاصيله، ويترك المستقبل يُبنى على لحظات الحاضر، بينما هي كان المستقبل هو هوسها، كانت تنظر إلى المستقبل من خلاله، وكانت تُمني النفس أن يكون هو مستقبلها، وكانت تتفهم قلة اكتراثه بموضوع الزواج، رغم أنها كانت تحلم بزواجهما، هكذا ظلت تجربتهما مليئة بالإشكالات، وفي نفس الوقت كانت تجربة مغعمة بالحب، لأن الحب الذي يجمعهما كان على ما يبدو صادقا وقويا، لكن ذلك لم يكن يكفي لإنجاح هذه العلاقة.

 

هناك على الشاطئ احتفلا برأس السنة على نغمات الحب، وهناك أخبرت البحر بما يسكنها من حب، واستمتعا بوقتهما كثيرا، ونسيا أن العالم قد يعكر صفو مزاجهما، ونسيا أنفسهما إلى حلول المساء، وبقدر ما كانا يمضيان لحظات ممتعة، كانا يتناقشان حول مستقبلهما المليء بالغموض، مستقبل مجهول لم يدركا بطريقة صحيحة كيف يخططان له بواقعية، وبعد كل نقاش يتفقان أن ما يجمعهما أقوى من أن ينتهي بسهولة، ما يجمعهما أقوى من الاختلافات التي تميزهما، وما يميزهما هو أن شخصيتهما تستعصي على التحمل، طباعهما حادة، وبسبب كبريائهما كادت علاقتهما تتلاشى إلى الضياع، وبعد كل خروج من أزمة الحب، يعيدان صياغة انتصار جديد، يقوي ما يجمعهما، وفي نفس الوقت يهدم جزء من كيانهما، لقد تورطا في حب معقد يتطلب أكثر مما يفعلانه من أجله، وبسبب شخصياتهما الصعبة، كانت النهاية تتأجل إلى موعد لاحق.

 

لم تستمر النهاية الأولى كثيرا قبل أن يعودا إلى ما يجمعهما بعد غياب غير مبرر، يدركان بوضوح أن ما يفعلانه لا يليق بحبهما، إنهما يدمرانه بأيديهما، ويتفقان على تمزيق عقد حب بدأت نهايته تلوح في الأفق، كل تجربة حب لابد وأن تحمل بين طياتها غموض حول مستقبلها، الحب وحده لا يكفي لنصل إلى المستقبل، الحب يتطلب أن نؤمن به بكل اقتناع لكي نتحمل كل إخفاقاتنا، وأن ننجح في الحب فذلك يستلزم أن نتنازل عما كبريائنا معا، وأن نجتمع أكثر على ذلك الشعور الذي نؤمن به، لقد ظل كل واحد منهما ينتظر من الآخر أن يبادر لإعادة ترميم الضياع والغياب، وهو الأمر الذي يؤكد ويُعجل بنهاية حب كان من الأفضل لو ظل في إطار الصداقة، لكن الحب هو من يختارنا وليس نحن من نختاره، لقد اختارهما الحب، لكنهما لم يدركا كيف ينجحان في هذه التجربة، وفي النهاية قررا وضع حد لبرود عاطفي تسلل إليهما في لحظة غياب، فاتفقا أن يكتفيا بصداقة زائفة، لكنها لن تكون كذلك ما دامت ذكرياتهما الغرامية تدب في ذاكراتيهما، وهي ذكريات تستعصي على النسيان في ظل صداقة لن تستمر كثيرا، ويدركان بوضوح طبيعة الغمار الذي سيسلكانه، كما يدركان أن الحب لا يزال في قلوبهما رغم فراق مفتعل بسبب الغياب والبرود، هكذا تظل علاقتهما كما كانت مفعمة بالغموض.



حول هذه القصة

شريعة القبائل لا ترحم، فهي تدين أبنائها باختيار الزوجات من الأباعد دون الأقربين، زواج قائم على علاقة الدم ووشائج النسب، امتداد لنسل، لا المودة والألفة تعنيهم، فالحب رذيلة!

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة