سيّدي المعلم.. لهذا أصبحتُ أُشبهك!

سيّدي المعلّم.. قليلةٌ هي المرّات التي شعرتُ فيها برجفة في أصابعي عند الكتابة، وأقلّ منها المرّات التي وقف فيها فكري وبياني حائرًا أمام هيبة من أكتب عنه، وما زلتُ أذكر أوّل مرّة وضعت فيها كلمة "معلم" في عنوان بأعلى ورقة دفتري المدرسي، حيث كان لديّ الكثير لأقوله له لو تحدثتُ إليه وجهُا لوجه، وكانت كلماتي لتكون أخف وطأة على شفاهي منها على أطراف بَناني، نعم.. فجأة وبدون مقدّمات جفّ حبرُ قلمي، وانقطع عن لساني تيار الكلمات الواصل من مخيلتي التي تختزن الكثير من المواقف الجميلة عن تلك الكلمة، فشعرتُ ببعض الخجلِ حينها، وأدركتُ أنني أمام ذلك النوع من الكلمات التي تختزن في عقلك الكثير من المفردات والمواقف حولها، لكنك حين تشرع في تعريفها للآخرين تجد أنّ أسلم وأسهل طريقة لذلك هي ذكرها وحدها، بلا مقدّماتٍ أو إضافات، كذلكم هي كلمة "المعلم".

عذرا معلمي.. واسمح لي بإلحاق ضميري بذيل اسمك، وما كان ينبغي لي ذلك إلا من باب إضافة المملوك لمالكه؛ فقد ملكتَ عليَّ مشاعري، وملَّكتني إرثكَ حيًّا. عذرًا إليك وأنا أراك تعاتبُ زمنًا أزرى بمكانتك مستقويًا عليكَ بالمالِ والمناصبِ وقد رفعتْ أصحابها فوق ما يستحقّون، وكأنّي بكَ تخاطب ذا الزّمان قائلًا: لا مالهُم، كلّا، ولا تلكَ المناصبُ تنفعُ فمكانتي بالعلمِ يا زمنَ العجائبِ أرفعُ وما من عجبٍ -معلّمي- في ما نراهُ؛ في عصر أفرغت فيه المناهجُ من قيمها، والمدارسُ من قدسيّتها، والرّسالةُ من مبادئها، حتى غدت منارات العلمِ معتمة بعد ضياء، وخاوية بعد امتلاء.

العذرَ والعفوَ منكَ يا سيّدي أرجو إن قصّرتْ حروفي عن بلوغ قمّة في البيان كم سعيتَ لتصحبني إليها، أو اعترى كلماتي ما يعتري بعضَ البُنيانِ من عيوبٍ كم اجتهدتَ في تنبيهي عليها

أكتبُ إليك معلّمي، وما زالت تلك الرّجفة التي حدّثتك عنها لم تفارق يدي، لا من قلةِ مفرداتٍ، أو نضوبِ أفكارٍ؛ فالخطبُ هذه المرّة أعظم، والمناسبة هذه المرّة أكثر عاطفيّة، وزمامُ الكلمات لم يعد بيد ذلك اللّب الساكن في تجويف الرأس، فقد غيّر ذلك التيّار اللغويّ المعهود مجراه بلا سلطة منّي- لينهل من القلب، ويا لعذب المنهل والمورد، وعفويّة الكلماتِ خارجةً بغير موعد، تستجلبها صورٌ نراها هنا، وأخبارٌ نسمعها هناك، عن أقوامٍ لم يقيموا للمعلّم حرمةً ولم يحفظوا له ذمّة، وآخرين ذيّلوه الرّكب واستعلى جهّالهم القِمّة.. ويحهم، ما علموا أنّ المجتمع الذي يُهانُ فيه المعلّم وتُنتقصُ كرامته، عبارةٌ عن ورقةِ خريفٍ تدوسها أقدام الأمم على رصيف الحضارة.

سيّدي المعلّم، وحقٌّ على جميعنا أن يخاطبك بهذه الصّفة، أراهم يُكثرون اليوم ذكر صراخكَ عليهم في غرفة الصّفّ، أو عقابك لهم بالعصا على راحة الكفّ، وما منّا أحدٌ إلا ومرّ بتلك المواقف، لكنّهم -يا سيّدي- يُنكرونَ وأذكرُ أنّ صُراخك ما كان إلا كالرّعد الذي تُحدثهُ الغيماتُ لنستمتع بصوت زخّاتِ علمكَ تنصبُّ في قلوبنا قبل آذاننا، وأنت تُتبعها بابتسامتكَ التي تُشبه قوسَ المطرِ وقد ارتسمَ على سماء مُحيّاك. كما يُنكرونَ وأذكرُ تلكَ النَّظرات المُشفقةَ التي كنتُ ألمحُها من تحتِ عدساتِ نظّارتكَ الأسمكِ من تلكَ العصا الليّنة، وكأنّي بها تُخاطب يدكَ: خفّفي وطأتكِ على يدي صغيري، وتُخاطبُ قلبي: ارفق بنفسكَ وأدِّ واجبَكَ، ولا تخالف تعليماتِ الانضباط، ولا ولا ولا… كثيرة هي الأفعال التي كنّا نستحقُّ العقابَ عليها، مستغلين ومتعجّبينَ في ذات الوقتِ من صبرِكَ علينا؛ فكنتَ تحلم تسعًا، وتعفو تسعًا، وتتجاهلُ تسعًا، وتتوعّد تسعًا، وتُعاقبُ مرّة! ولا أخالكَ -معلمي- ستسألني عن دلالة التّسع في حديثي هذا، فأنتَ أمهرُ من تلفّظ بذلك الرّقم بلهجةٍ كُنّا نُدرك ما معنى أن يأتي الرّقم التالي فيها وأحدنا ما زال يتكلّم!

أبي، وأخي، وصديقي… ولستُ أبالغُ حين أخاطبكَ يا معلّمي بهذه الصّفاتِ، فقد كنتَ كلّ أولئك في إنسانٍ واحدٍ، وهم ما زالوا ينكرونَ وأذكرُ حينَ كنتَ تسألنا عمّا نريدُ أن نكونَ حينَ نكبُر، وحينَ كنتَ تعطينا من جيبِكَ إن ضيّعنا مصروفنا أو نسيناه مصحوبًا بعبارتكَ اللطيفة "خذ أنا مثل والدك"… ويا لتلكَ الأيام التي دارت وجعلتني أرى تلميذك الطّبيبَ يطالبُكَ بثمن كشفيّته، وكم كشفتَ عنهُ كُربة استضعافه من بعض الطلاب وأخذهم شطيرته بالقوّة، وأرى تلميذك مفتول العضلاتِ الذي كنتَ تضعهُ على رأس الطابورِ الصّباحيّ، وتُعلّمه كيفَ يُحيّي العلمَ باحترامٍ، أراه يرفعُ عصاهُ بوجهكَ بحجّة الحفاظ على أمنِ الوطنِ! يا ترى هل الوطنُ الذي يتحدّثُ عنهُ قادته الذين أعطوه الأوامر هو ذاته الذي كُنّا نعيشهُ، وكنتَ أنتَ عنوانه، وكانَ أكثرُ المواطنينَ إطراءً لقائدهِ يصفهُ بأنّه "المُعلّمُ الأوّل"، أم بُدّلتِ الأوطانُ؟

نعم، كُنّا ولا زلنا إذا أردنا السّخاء في مديح أحدهم بدأنا خطابنا له بكلمة: علّمتَنا، أو إحدى أخواتها، وما زلنا إذا رأينا إنسانً مبدعًا في صنعته ننعتهُ بقولنا: معلّم. فبئسًا وتعسًا لنا إن ضيّقنا عليك معيشتك وألجأناك يومًا للشّارع، أو أهملنا مكانتكَ وصيّرناكَ من متبوعٍ لتابع. والعذرَ والعفوَ منكَ يا سيّدي أرجو إن قصّرتْ حروفي عن بلوغ قمّة في البيان كم سعيتَ لتصحبني إليها، أو اعترى كلماتي ما يعتري بعضَ البُنيانِ من عيوبٍ كم اجتهدتَ في تنبيهي عليها، ولعلّني أصارحكَ بحقيقةٍ قد تسعدكَ، في أيّ الدّارينِ كنتَ: فهي لك سعادةٌ حيًّا، ورحماتٌ تُتلى على روحك من شفاهِ القارئينَ إن كنتَ من ساكني اللحود… نعم وبكلّ فخر… كما أخبرتُك حين سألتنا ذاتَ مرّة عمَا سنكون… أصبحتُ معلمًا.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة