محمد علي الجديد وفن صناعة التغيير

كنت قد تطرقت بالتقديم للحالة التغييرية المتأزمة التي تعيشها مصر منذ أكثر من ثمانية سنوات والتي دخلت حالة من التجمد التغييري Change Stagnation نجح النظام الحاكم في صناعته بحرفية إستخبارتية متناهية مستعينا في ذلك بضعف القدرات المحترفة لصناعة التغيير وإدارته على جانب المعارضة المصرية وكذلك بحلفائه على الصعيد الإقليمي والدولي يتقدمهم إسرائيل وروسيا.

  

فمع كم الإحباط الذي اجتاح أجنحة المعارضة وذيولها وفي خضم سيطرة أصحاب نظرية ليس في الإمكان أحسن مما كان، وآليات المط والتمطيط والقص والتلزيق التي جعلت من رسالة المعارضة كلمات بلا هدف وعمل بلا أمل، يظهر محمد على الجديد، لكي ينبت الأمل وتزدهر الكلمات ويتلقى النظام ضربات بعد ضربات لا يسعنا معها إلا أن نقف بالتحليل والتوصيف لكي نتفهم الظاهرة ونحاول ألا تمر كغيرها مجرد حالة عابرة.

 

وهنا يجب أن نذكركم بأن الحالة المصرية هي حالة تغييرية بحتة بين نظام انقلابي يقاوم التغيير ويوظف كل آلات الدولة لذلك وبين معارضة غير مؤهلة تحاول التغيير بدون خطة ولا رؤية، ولذا فإن هذا النظام الاستخباراتي الخبير تمكن من تجميد الحالة التغييرية والسيطرة عليها تماما، وعليه فإن السبيل لغد أفضل يكمن في فهم تلك الحالة التغييرية والتعامل معها بصورة محترفة ترقي لمستوي فكر النظام وأدواته وعليه فقد اختار القلم والقلام أن يركز الكلمات في جمل قصيرة وعبارات.

 

إن القدرة على صناعة تغيير محوري بدأ من تلك الموجة التي صنعها محمد على تتطلب خطوات هامة وتخطيط متقدم يقوم على عدة محاور نضع رؤوس أقلامها أمامكم ونفندها في المتبقي من هذه السلسلة:

١ صناعة حالة من الاضطرارية الملحة

٢ صناعة الصورة الكبيرة للتغيير

٣ توظيف نسبة تواصل للحالة تتعدي eighty percentage

٤ إخراج كوادر جديدة بروح مختلفة وحديث جديد

٥ انتهاج منهج الشفافية المتكامل

٦ توظيف العامل البشري في التواصل

٧ العناية بالرسالة الدولية للحالة

    

  

ولأن الحديد لا يفله إلا الحديد فسوف نبحر في هذا المقال إلى أعماق تلك الحالة التغييرية الهامة مستعرضين بالوصف والتفصيل كيف يمكن تحويل تلك الموجة التغييرية التي صنعها محمد على الجديد إلى تغيير حقيقي وفاعل بتوظيف محاور التغيير المذكورة آنفا، لكي نصنع فصلا جديدا من تاريخ الحرية في مصر، تلك الحرية التي غابت عن بلاد النيلين منذ فجر تاريخها وبات البؤس والقهر والفقر معالم حياة أهلها.

 

المحور التغييري الأول: صناعة حالة من الإضطرارية الملحة: Maintaining a Sense of Urgency

الهدف: الإصرار على بقاء الموجة التغييرية Change Wave التي صنعها محمد على بحالتها وقوتها وزيادة ارتفاعها وتأثيرها لكي تتحول إلى طوفان تسونامي يعد العدة لاقتلاع النظام الانقلابية الحاكم من جذوره في التوقيت المناسب وفي ظل خلق المناخ والظروف المساعدة، الآليات والاستراتيجيات: بادئ ذي بدء يجب أن نعلم ونتعلم أن تلك الآليات تمثل الخطوط العريضة للاستراتيجية المطلوبة لصناعة حالة الاضطرارية الملحة – Maintaining a Sense of Urgency

 

ولكن التفاصيل والميكانيكيات Tactics and Tools لا يمكن مناقشتها على صفحات المقالات أو تحت نظر كل العوينات، ولكن كقاعدة عامة وهامة فإن صناعة الحالة الاضطرارية الملحة والتحرك قرب الهدف يتطلب الالتزام الكامل بآليات ومفاهيم واستراتيجيات تتضمن الآتي:

 

أولا: تجاهل أي نوع من الأحداث أو المعطيات قد تشوش Distraction على ارتفاع الموجة أو تأثيرها، كفيديوهات وائل غنيم وغيره، ويجب التعامل مع مثل هذه الظواهر كالتعامل مع نشرة الأخبار على التلفزيون المصري تستمع إليها فتضحك أو تحزن ولكن لا تعيرها أي اهتمام ولا تتذكرها بعد أن تنام.

 

ثانيا: الامتناع الكامل والفوري عن أي تشكيك أو تخوين في الموجة أو مسبباتها أو الدوافع إليها حتى ولو بغرض التحليل، فإن الحروب لا تربح في ظل الرؤي المتباينة والأفكار المختلفة ولكن يتعرف الجميع على الهدف ويعملوا من أجله كتفا بكتف.

 

ثالثا: الامتناع الكامل والفوري عن مناقشة الماضي والحاضر، واستدعاء أخطائنا وأخطاؤكم وتقديم كشوف الحسابات وطلب المراجعات والتعلب فات فات، والكل بات فتات، فقد ثبت بلا شك أن آفة المعارضة المصرية تتركز في عدم القدرة على تقديم عمل جماعي ناجح ومن كان لديه نجاح أو فشل ورأي أو فتوي فميدان الحرب ليست المكان والتشكيك في وقت المواجهة يضعف الصف ويقوي الأعداء، أضف إلى ذلك الامتناع الكامل والفوري عن مناقشة مشاكل المجموعات والجماعات وعن التعرض بالتحليل والنقد والتفصيل لحقبة حكم الدكتور مرسي رحمه الله، فصناعة التغيير تتطلب التركيز المستمر والدائم على صناعة المناخ اللازم لحدوث التغيير الآني والمستقبلي.

   

  

رابعا: التركيز بصورة محترفة على جمع وتأصيل كل المعلومات والمستندات التي تخدم الموجة وإرتفاعها ومعالجة العوار المصاحب للسرد الفطري الذي يستخدمه ويتميز به محمد على الفنان ورجل الأعمال، وذلك بتشكيل مجموعات تعمل على صناعة ملفات تدعم الموجة التغيرية وتوثق المعلومات التي يطرحها محمد على ومحاولة إضافة أفراد جدد الموجة ولو بصورة سرية، بمعني أن يكون الموجة مركزا لجمع معلومات عن الفساد في مصر لكي يتم استلامها وتنقيتها وتوظيفها لخدمة الحالة التغيرية وبصورة آمنة ومحترفة.

 

خامسا: تحديد أهداف الموجة التغيرية وتوابعها سواء كانوا أفرادا أو مؤسسات حتى يتم تركيز المعلومات المتداولة ضد هؤلاء الأفراد والمؤسسات بصورة محترفة ومستمرة وبنفس مستوي التأثير.

 

سادسا: تحديد قدر معين ومعلوم لمدي استخدام آليات السخرية المصاحبة الموجة بحيث لا تسيطر تلك الآليات على المسرح وتبقي كعامل مساعد يخدم الموجة ولكن لا يخرجها أبدا عن هدفها الجاد والرئيسي كما حدث مع لقب بلحة وغيره.

 

سابعا: التخلص من الطائرات على أرض المطار قبل الطيران، بمعني تشكيل مجموعات تعمل على تحييد اللجان الإلكترونية للنظام والقضاء على أي محاولة استخباراتية بهدف القضاء على الموجة ويتم ذلك بتطبيق فكرة العمل الاستباقي Proactive بحيث يتم التركيز على ضرب مصداقية جميع الجهات التي قد تقوم بذلك وخاصة أن جميعها تفتقد أي مصداقية وتعيش في بحور من الفساد.

 

ثامنا: الطرح الدولي المحترف للموجة التغيرية والمعلومات والمستندات المتعلقة بها، فلا يمكن ترك الأمور للظروف كما حدث مع التايمز فتخرج المقالات الهامة غير كاملة المحتوي، ولكن يجب إعداد مسودات محترفة عن تطور الموجة وتأثيرها في الشارع المصري بلغات متعددة وتداولها على وسائل التواصل الاجتماعي وكذلك إرسالها للجهات الإعلامية الدولية والمؤسسات الدولية المختصة.

 

تاسعا: توظيف الأذرع الإعلامية Media Operation Center للمعارضة توظيف محترفا بحيث يتم إنشاء غرفة عمليات مشتركة مختصة بتلك الحالة التغيرية الجديدة لمحمد علي، بحيث نتجنب التكرار الذي يؤدي للانهيار وإلى تخفيف التأثير المعنوي للتغيير، كما تختص الغرفة بوضع الخطط الإعلامية المحترفة والتي تركز على تحييد أذرع النظام الإعلامية فيما يختص بالحالة التغيرية الآنية وصناعة موجات متتابعة من التأثير التغييري مع التركيز على أحمد موسي، عمرو أديب ومصطفي بكري.

 

عاشرا: فهم القوي المؤثرة على التغيير Change Forces والتعامل معها بحرفية، فإذا كان التغيير في مصر لن يصنعه إلا شعب مصر، فإن مخاطبة الجيش أو من تبقي من شرفاء الجيش في القيادات وإرسال الرسائل الواضحة والمؤثرة لعامة الجنود والرتب هو أمر هام وضروري، فالجيش المصري هو من أهم قوي صناعة التغير في مصر المستقبل إذا كنا نهدف لتجنب حالة كارثية للتغيير.

 

وهنا وقبل أن نذهب وننتهي، يجب علينا أن نعي ونعلم بأن صناعة حالة الاضطرارية الملحة للتغيير هو من أهم عوامل صناعة التغيير وإدارته، فهي تمهد الأرض لعمل تلك القوي التغيرية التسونامية آليا، والتي ما انفكت تبدل المنظومات وتصنع الحكومات ولا يمكن السيطرة عليها إذا ما انطلقت بأي منظومات، والهدف المرحلي هو توجيه قوي التغيير Change Direction في اتجاه صناعة الثورة من جديد وفي اتجاه عودة مصر لأهلها وشعبها، وللحديث بقية لنختبر ونتعرف على محاور التغيير وقواه الباقية في الحالة المصرية الآنية مع حلقة جديدة من هذه السلسلة.



حول هذه القصة

تأتي تلك المبادرة في ضوء استمرار حبس الآلاف من الشباب ممن يخضعوا لمحاكمات وصفتها جهات حقوقية محلية ودولية بالجائرة، وغياب أي بوادر للاستعداد للتفاوض سواء من السلطة أو قيادات الجماعة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة