أيها اللاجئون.. نحن مجرد فئران مطابخ!

عام 2007، أنتجت شركة بيكسار الأمريكية فيلماً بعنوان (Ratatouille) أو (خلطبيطة بالصلصة) وهو فيلم يروي حياة الفأر الطباخ، القصة بدأت من قرية تحكمها عجوز، وتعيش فيها عشيرة كبيرة من عشائر الفئران، تمثل العشيرة طبقة الشعب المسحوقة في مكان ما من مجاهيل العالم الثالث، وتمثل العجوز الديكتاتور والطاغية الذي يعيش في الرخاء والدعة، وفي نفس مملكته تقيم العشيرة التي تأكل من فُتات مطبخه، وتخشى أن تظهر على وجه الأرض خوفاً منه.

 

في عشيرة الفئران هذه فأر موهوب، متميز عن باقي أقرانه بمواهب عديدة، منها معرفة اللغة الفرنسية، كما أنه يتقن القراءة بشكل جيد، ولديه حاسة تذوق وشم نادرة، وهو ابن زعيم عشيرة الفئران، في يوم ما، ومن خلال خطأ قام به الفأر الطبّاخ أثناء التعدّي السري على حرمة الزعيم والدخول إلى مطبخه، يتصدى الزعيم بوحشية كبيرة للفئران، ويُخرج سلاحه، ويُدمر المملكة فوق رأسه ورأس جميع الفئران من الطبقة المسحوقة.

   

اللافت للنظر أن العجوز في هذا الفيلم تستخدم ضد الفئران السلاح الناري، وأنها أطلقت النار على كل شيء، مما جعل منزلنا أو مملكتها تتهدم تماماً، يحاول الفئران الهروب عبر البحر، يلاحقهم الزعيم أو الطاغية أو العجوز، ومن الغريب أيضاً أن العجوز يستخدم بالأخير السلاح الكيماوي في حربها ضد عشيرة الفئران (حيث نراها ترتدي القناع الواقي وهي تلاحقهم به بالسلاح المختلف عن السلاح الناري التقليدي).

 

يهرب الفئران عبر البحر، ويتعرضون للأهوال والمتاعب التي تصادف كلّ المهاجرين غير الشرعيين عبر البحار، ويسقط البطل "الفأر ريمي" من مركبه في البحر، ويفترق عن أهله كما يفترق كلّ المهاجرون الغير شرعيون عن بعضهم، يصل "الفأر ريمي" إلى الطرف الآخر من البحر بعد أن فقد كل أسرته ونجا من موت محقَّق، فيفاجأ أنه في باريس.

   

  

تبدأ معاملة السكان في باريس تظهر لنا بشكلها العنصري بالتعامل مع هذا اللاجئ، لاسيما أنهم ينظرون له على أنه مجرد (فأر..!)، يصل إلى مطعم فاخر وراقي من أشهر مطاعم باريس، وهو مطعم الذي يديره الطباخ الذي كان هذا الفأر يتابع (سراً) برامجه على التلفاز في بيت الزعيم، ويقرأ كتبه على اعتباره يقرأ ويكتب، ويحب الطبخ، ولديه حاسة تذوق نادرة، دخل الفأر المطعم وتجوّل به لأوّل مرّة في حياته، وقد أبهره المطعم الفاره الفاخر بعد أن كان يراه فقط في التلفاز، لاسيما أنه أصلاً ينحدر من بيئة مسحوقة، وقد أتى من العالم الثالث، فظهر هذا في الحوار حين قال: مطبخ محترفين، وأنا أراه بعيوني؟؟!!

 

يعمل في المطبخ مجموعة من العمال من مختلفي الجنسيات (إفريقي، وآسيوي، وصيني، وهندي …) إضافة لعامل قمامة فرنسي، وككل المجتمعات الغربية، يشكل هؤلاء العمال مجتمع المهاجرين الذين أصبحوا جزءاً من الحياة هناك، بعضهم كان نصاباً، وأحدهم كان في صفوف الثورة ويبدو أنهم خسروا ثورتهم كما جاء في الفيلم، والآخرون كذلك كل واحد منهم ينحدر من عالم مختلف، اجتمعوا في هذا المطعم بباريس.

 

فجأة في المطبخ يكتشف العمال وجود مهاجر غير شرعي جديد (وهو الفأر) فتتم ملاحقته لطرده، خوفاً من ملاحقة المفتش القانوني الذي يلاحق المهاجرين الغير شرعيين، وقد تم التعبير عنه في الفيلم بأنه "مفتش الصحة" يمسك الزبال الفرنسي بالفأر، فيُشفق عليه، وبدلاً من أن يقتله، يُسكنه في منزله، ارتبط الزبال بعلاقة صداقة مع اللاجئ الغير شرعي، لاسيما أن اللاجئ يتقن مهارة الطبخ باحتراف، والزبال الفرنسي لا يملك أية موهبة، فاستعان به على إثبات وجوده في المطعم، وليثبت للجميع أنه يستطيع أن يطبخ.

 

كان الجميع يظنون أن الفرنسي هو الذي يطبخ، ولكن سراً كان اللاجئ هو الذي يطبخ، أي كان الفأر هو الذي يطبخ، كان الفرنسي في البداية متواضعاً، ينسب المهارة للاجئ، ولكن حينما بدأت الشهرة، بدأ ينسب الموهبة لنفسه، وأعلن أنه كان موهوباً منذ طفولته لأنه ابن (غير شرعي) لصاحب المطعم القديم، لاسيما أن أحدا لا يعرف الحقيقة، واللاجئ يطبخ سراً، ولا يستطيع أصلاً أن يفصح عن وجوده بسبب العنصرية التي تلاحقه، وبسبب مفتش الشرطة الذي يلاحقه أيضاً، يستطيع الفأر بعد فترة اللقاء بأهله ويكتشف مكانهم، ولكن يرفض البقاء معهم في عشوائيات اللاجئين التي يقيمون فيها منغلقين على أنفسهم، ويرجع للمطعم

 

تتطور الأحداث، ويتم بعد فترة اكتشاف أنّ الطباخ الحقيقي هو اللاجئ الغير شرعي، وأن الفرنسي لا يتقن من الموهبة شيء، وهو فقط كان يخفي اللاجئ سراً، وهو الذي يقوم بالطبخ بالطريقة التي أبهرت الجميع، ويترك جميع العاملين في المطعم عملهم رفضاً لوجود هذا اللاجئ في المطعم (وهم في الأصل لاجئون سابقون)، بعد وصول المفتش الحكومي، ورؤيته للطباخ الحقيقي، يتم إغلاق المطعم نهائياً. تذيع شهرة اللاجئ الطباخ من جديد، ويصبح اللاجئ الغير الشرعي -فأر المطبخ- هو الشيف الرئيسي في المطعم، بعد أن أصبح مقبولاً في المجتمع.

  

منذ عام 2007 أنتجوا هذا الفيلم الذي يحكي قصتنا اليوم، بحذافيرها، فهل هو السياق الطبيعي لدورة حياة اللاجئ الغير شرعي، بدءاً من بلده التي يعيش فيها مسحوقاً، محكوماً من ديكتاتور عجوز، ليتجاوز الموت عبر البحار وصولاً إلى أوروبا، ويُلاحق، ويعاني العنصرية، حتى يصبح بعد ذلك جزءاً من المجتمع؟؟ أم هو تنبوء بالمستقبل، الذي يبدو أن صناع السينما يعرفون كيف يقرأوه بشكل جيد ..؟ هل يمكننا أن نحكي -عبر السينما- حكايتنا، بشكل ممتع مشوّق بهذا القدر العالي من الرمزية ..؟ أم أنه حتى السينما الوسيلة الحضارية، تقولها بالفم الممتلئ: أيها اللاجئون، أنتم مجرد فئران مطابخ…؟!



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة