إيران المحظوظة بخصومها

لو حظي المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي بمصباح علاء الدين، لما كان سيطلب منه أكثر من الحفاظ على نعمة الخصوم الحاليين. مقدمة ليست كوميدية كما قد يفهم من سياقها، لكن هوس المملكة العربية السعودية وخصومها بانتهاج سياسة اللامنطق في مواجهة إيران تجعل المراقب يشعر بالحيرة في محاولته فهم وتفكيك مقاربة تلك الدول الخليجية وسلوكها وخياراتها السياسية، فذلك السلوك اللامعقول للرياض وحلفائها، هو ذاته كلمة السر في نجاح المشروع الإيراني في المنطقة، كما أنه المصدر الحقيقي لـ "تصدير الثورة" وليس آية الله خامنئي وحرسه الثوري ومعمميه.

 

 فجردة حساب سريعة لسياسيات الدول التي تقول أنها تتصدى "للمشروع الإيراني" تكشف عكس ذلك، إذ وفي ظل تلبس الرياض وأخواتها بشيطان الكره للثورات العربية، عبدت تلك العواصم الطريق لانقلاب الحوثيين "المحسوبين على إيران" في صنعاء، وسهلت مهمتهم في السيطرة عليها، كما خذلت ذات الدول التي تقول أنها تحارب طهران الثورة السورية ووسمت ثوارها بالإرهاب، وحاصرت معتدليها، ما سهل من مهمة نظام بشار الأسد "الحليف لإيران" في الاجهاز على الثورة، لتنتقل ذات الدول لاحقا لسياسة هدم المعبد على رؤوس الجميع انتقاما من شخص بشار ونظامه، وانتقاما في ذات الوقت من الثورة السورية وفكرة الانتفاض بحد ذاتها.

 

مواجهة إيران تكون بالعودة للبوصلة العربية، وأن تتوجه أنظارنا نحو بعضنا البعض، والكف عن استجداء ترمب، والاستثمار الخاطئ فيه،

أما في مصر فقد سارع ذات الحلف لدعم الانقلاب العسكري قبل ٦ سنوات، لتنتهي مصر الكبيرة بلدا ضعيفا، خارج معادلة الفعل العربي، وبالمحصلة وبعيدة عن قدرتها على الفعل من عدمه، فإن نظام السيسي ذاته الذي دعمته تلك الدول واستثمرت فيه، لم يرد لها الجميل، فلم يقاتل معها في اليمن، ولم يحمي حدودها في الجنوب، كما أنه يحتفظ بعلاقات دافئة مع طهران.

 

ما جرى في عدن على سبيل المثال هو تكرار لذات الأخطاء، فعقب ٤ سنوات من "عاصفة الحزم"، تنقلب الرياض وحلفائها على الشرعية اليمنية التي قالت إنها تدخلت في اليمن لاستعادتها، وفيما تقصف أبو ظبي قوات الرئيس هادي، تكتفي الرياض بدور المتفرج، وفي المحصلة فإن أي نتيجة تنتهي لها الأوضاع في عدن فإن الرابح الوحيد منها ستكون طهران أحكمت قبضتها على صنعاء، وتتفرج الآن دون أن تتدخل على اقتتال الحلفاء في عدن، إلى أن ينهكوا جميعا من العراك لتأتي فقط لاستلام عدن على ذات طبق الذهب الذي تسلمت به قبل ٤ سنوات صنعاء.

 

لا ينكر المراقب وجود مشروع إيراني، ورغبة توسعية لدى طهران محفوفة بأطماعها في المنطقة، لكن لا يمكن أن يكون ما تنتهجه المملكة العربية السعودية مقاربة صحيحة في مواجهة هذا المشروع، إذ أن مواجهة السياسات الإيرانية تتطلب وحدة عربية وإرادة سياسية متناغمة لا تتوفر حاليا في دول الخليج في ظل الأزمة التي تعصف بمكوناته، كما لا يمكن أن نواجه نحن العرب إيران ودولنا الكبرى ممزقة بعضها مشتعل بحروب داخلية، وبعضها الآخر تحول لمعتقلات كبيرة تمارس ضد أبنائها أبشع أنواع انتهاكات الحقوق ومصادرة الحريات، كما لا يمكن أن نواجه إيران بموجة الأسرلة والتصهين التي كشفت عن أسوء ما في بعض أبناء جلدتنا.

 

مواجهة إيران تكون بالعودة للبوصلة العربية، وأن تتوجه أنظارنا نحو بعضنا البعض، والكف عن استجداء ترمب، والاستثمار الخاطئ فيه، تكون كذلك بالعودة أو بالأحرى التوبة عن المتصهين والتطبيع مع المحتل الإسرائيلي والولوج نحو مصالحة عربية عربية رسمية وشعبية، رسمية بحوار عربي بين العواصم المتقاتلة تجسر الطريق نحو مصالحة شعبية، وإعادة بناء منظومة الأمن العربي على قاعدة أننا نحن من نسكن هذه المنطقة من العالم، وعلى عاتقنا فقط تقع مسؤولية حمايتها، والحفاظ على مصالحنا فيها، وقبل ذلك وبعده العيش المشترك فيها، والتعايش في سياق مواطنة محترمة.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة