بَلِ الإنسَانُ عَلى نَفسهِ بَصِيرَةٌ

blogs تأمل

موازين فقه النّفس مقاديرها، ووحدكَ تعلم ميزان نفسكَ وتعرف بها مقاديرها وتدرك حجمها "بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ"، فلا يضرّك حينها قادحٌ ولا ينفعك مادحٌ، فإذا فقهتها ألجمتها فألزمتها الأدب، فلا أنتَ تُغالي حين التّعالي ولا أنتَ تسرفُ حين السقوط وتسعى لتبتغي بينهما سبيلاً. ولن ينفعك لفقه ميزان نفسك كتُبًا قرأتها أو أحاديث ونصُوص سمعتها ممّا رُوِيَ من مواقف وقصَصٍ فيها حثٌّ وترغيب على ما يُزكِّي النفس، وأخرى فيها تنفيرٌ وترهيب ممّا يُوردها مواردَ ومزالق لا تُحمَد حتّى تخبَرَ بنفسك وتُجرّب، حتّى تُبصر بقلبك قبل عينيْك، فتعي وتتعلّم، فتكفّ نفسك عمّا يؤذيها وتُقبل بها على ما ينفعها ويبلّغها مقامات أهل الآخرة قبل مقامات أهل الدنيا.

 

فمهما نصحوك واستنصحوا لك لن تنتفع ما لم يكُن معك ميزانٌ أو إن أنكرتَ حاجتك إليه أصلاً، ولربّما تأخذك العزّة بالإثم فتغترّ وتستكبر وتتجبّر، فتكون كالذين قال فيهم الله سبحانه وتعالى: "مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ… صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ". كمنْ غُلّف قلبه عن إبصار الحقّ أو كالمخمور الذي لا يعي شيئًا ممّا يدور حوله، فإمّا أن يشفق الله عليه فيهديه سبيل الرّشاد بكلمة عابرةٍ تقعُ على سمعه فتزلزل كيانه أو بموقفٍ، بآيةٍ أو وقفةٍ حازمة مع النّفس، أو بصدمة تكون كاللطمة على الوجه أو كالهزّة العنيفة لكتفِ الغفلة، أو أن يحَمَلَ المرؤ منّا قلبه فينتَبذَ بِهِ ركنًا قَصِيًّا… أو يُحرَم من هذا المنّ العظيم فيُحشر يوم القيامة كما كان في دنياه "أعمى".

 

ليس العبد منّا بمعزلٍ أو بمأمنٍ من الزّلل، لكن يتفاوت في ذلك النّاس فيما بينهم، فمنّا الموغل ومنّا صاحب الفلتات النادرة، ولو أنّ المرء اعتصم بالله واستمسك بحبله المتين حقّ التمسّك لعصَمه الضلالة وكفاه أذيّة النّاس من أجل متعة لحظية زائفةٍ زائلة

ومن النّاس من إنْ صَغُر شأنهُ في عين نفسه عظَّمها بدناءة فعله، ويختلفُ الفعلُ باختلاف التوجّه؛ كلٌّ وسبيلهُ، كلٌّ والفئاتُ التي يعيش بينها، كلٌّ وأهدافه وما يبرعُ فيه ويبدع أو ما تستهويه نفسه… فلو أخذتُ على سبيل المثال "منصّات التواصل الاجتماعي" فإنّك لتعجبُ لأمر بعض الشباب والفتيات منهم، ولربّما سأخصُّ بقولي هنا تلك الفئات التي تدّعي التزمّت؛ التي يغريك حرفها وبلاغة لغتها ويشدّك وقار شخصها فيكون منها التودّد حتّى تقع في شركها!

 

ويكأنّ الدنيا قد خَلت لديهم من معناها الحقيقي، من هدفٍ نبيلٍ يسعى المرؤ إليه وأحلامٍ شغوفةٍ إليها قلبه يهفو ويأمل، أو من مشاغل ومشاكل ترهق كاهل العباد وتلهيهم حتى يصبح التلاعب بقلوب الناس وحصد أكثر عددٍ من الضحايا أكبر همّهم وأعظم إنجازاتهم؟! هي فئات من الفتيان كما الفتيات صار شغلهم الشاغل تعليق القلوب بهم بما أتاهم الله من جميل حرفٍ أو سعةِ علمٍ أو أناقة لغةٍ أو حتّى من حُسنِ شكلٍ أو صوتٍ… اتخذوا ما آتاهم الله من فضلٍ وسيلة لا غاية، فما إن يبلغ الواحد منهم هدفه فيصبح قلب ضحيّته بين كفَّيْه يقلّبه كيفما يشاء حتى ينسحب بأرخص الأعذار ويشقّ طريقه لأخرى، فأُخرى… وهكذا.

 

الحقيقة أنّ القصص التي كانت تصلني في هذا الشأن وأخرى عايشتها صادمةٌ، تصدر من الفتيان كما الفتيات على حدٍّ سواء ممّن لا نظنُّ بهم إلاّ خيرًا، ولربّما نسبة الفئة الأولى أكبر من الأخرى. حين أُحاول –عبثًا-تصوير المشهد ووضع الأمور في نصابها الصّحيح، يُخيّلُ إليّ وكأنّ الواحد منهم يضع قائمة على مكتبه بأسماء ضحاياه كقائمة إنجازات عظيمة سيحفلُ بإنهائها، كلما فرَغ من فريسة كافأ نفسه وطرب قلبه وعظُم وحشُ الأنا بداخله، يولعُه الأذى؛ يتفنّن ويتقن دوره، يستعلي ويستكبر، ويتنقّل من فريسة إلى أخرى، فلا يجد من يردعه، يظنُّ نفسه منجزًا لكنّه بالكاد يستر عجزه ونقصًا في النفس يعتريه، وهي الخسّة والدناءة ما تجعل المرء يُقبل على هكذا فعلٍ شنيعٍ، وهو الفراغ  ما يجرّهم لهكذا سلوك سفيه، فيكون القرف من النفس حينها أوجبُ لا الاعتداد.

 

وليست الضحيّة (شابًّا كان أو فتاةً) هنا بمعذورة ولا ببعيدة عن اللوم والعتاب، بل يقع عليها من الذنب ما يقع عليه، كلاهما تغشّاه العمى؛ فهي مذنبة إذ استعذبت عيش الدّور فسمحت بوقوعه بل وواصلت فيه راضخة، وإذ تتلذذ بذكر أوجاعها وتضحياتها من بعد -التي تراها هي تضحيات في حين لم تكن إلاّ تنازلات مقيتة وخنوع-. وأسوأ عيشٍ هو العيش بمنطق الضحيّة والمظلوميّة. وإنّه لمرض في القلب وهوسٌ مقيت.

 

وأذكر في هذا الباب نصًّا بليغًا للأستاذة عابدة أحمد كدور قالت فيه: "منشورات المرء ليست مرآةً تامَّةً له، والمحسِن للُّغة كتابةً أو تصويبًا أو إبداعًا ليس بالضَّرورة محسِنًا للخلق بما يستوجبُ حقوقَهم عليه. والمنشغل بمتابعة كلِّ ذي ضجَّةٍ سيضيّع نفسَه في الفناءِ بغير بناء. وشهرة العوالم الإلكترونيَّة لا تزن مثقالَ ذرَّةٍ في الموازين الربَّانيَّة، إن كان خلف ذلك كلّه قلبٌ ظلَم وحكم بغير عدلٍ فما اتَّقى ولا وقى غيرَه أوجاعه. وإنِّي من غير منبر، وإن كاد يُسمَع نصحي لخطبت بإيقاف هذا الوهمِ الذي يصطنعه المتابعون لأحدِهم، فيضعونه في مقاماتٍ أكبر منه، ويزجّونه في مسائل لا يستطيع الفرارَ منها إلَّا بأحزمة الكذب والجهل والتصنُّع والتنطُّع، ولأيقظتُ وعي النَّاس تجاه الرِّيبة الدَّائمة من الدُّعاة الشَّباب الذين يعلو في حساباتهم صوت النِّساء على الرِّجال، أو الدُّعاة البنات اللَّواتي يعلو في حساباتهنَّ صوت الرِّجال على النِّساء، هذا ما يستدعي القلق وإعادة ضبط الموازين وفق ما يقتضيه شرعُ الله في الواقع أو في المواقع.

فليس كلُّ داعٍ زوجٌ صالح، ولا كلُّ من كبَّر يُصلَّى وراءه، ولا كلُّ من اجتمع حوله بعض خلقِ الله صار قدوةً تُحتذى، ومنهجًا يُحيي الله به الأمم، الكلُّ شريفٌ حتَّى تحضرَ الرَّاقصة. النَّوائب كاشفات؛ سلوا الله ألا يريَكم سَوءة العبادِ بعد الانغرار بجماليَّاتهم، وتقبَّلوا وجع الحقائق عن نعيمِ التدليس والخِداع". وهذا الحديث يقع على الذّكر كما يقعُ الأنثى لا يُستثنى منه أحدٌ. وما هو سوى نتاجُ هوى النّفس يقودها إلى الغفلة فالإعراض؛ غفلةُ القلب فإعراضه عن الحقّ مهما بدا واضحًا كالشّمس في يوم القيظ. وتحريفٌ للكَلِم عن مواضعه؛ فيسمّي الباطل حقًّا والمنكر معروفًا… ثمّ الإنكار والإصرار، فالاستكبار.

 

وليس العبد منّا بمعزلٍ أو بمأمنٍ من الزّلل، لكن يتفاوت في ذلك النّاس فيما بينهم، فمنّا الموغل ومنّا صاحب الفلتات النادرة، ولو أنّ المرء اعتصم بالله واستمسك بحبله المتين حقّ التمسّك لعصَمه الضلالة وكفاه أذيّة النّاس من أجل متعة لحظية زائفةٍ زائلة، ولألزمهُ مكارم الأخلاق والزّهد فيما يشغل القلب من علائق الدنيا، فيتجاوز بذلك ظواهر الأعمال ويحرص على جوهرها. لكن "لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ"، فالاستماع سبيلُ الإيمان إلى القلب؛ فإن صدق العبد السّبيل رشَد وكان هواه تبعاً لمراد الله؛ لا تهمّه نظرة النّاس له ولا هو يحرص على قولهم فيه. لكنّه ليس بالضرورة شرطًا للاتّباع، فللآية تتمّة: "وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ". لذا حقّ قول الله فيهم: "وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ"!

 

ولمّا كان فهمُ الحقيقة والقدرة على التمييز ليس بالأمر الهيّن؛ فمعايشة الناس برهان مطابقة القول للفعل، لذا كان صرف السّمع والبصر، وكذا القلب والروح عن "مغارات" العالم الافتراضي أسلمَ وأبرأَ، فلا يغرنّك جمالُ حرفٍ أو سحر بيانٍ أو حتّى بذاخة علمٍ ورجاحة عقلٍ فلو وُضعت في ميزان أخلاق صاحبها لاختلّ ولخلد عمله إلى الأرض "وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا". وكما قال ابن قيم الجوزية: "من أراد الظهور فهو عبد الظهور، ومن أراد الخفاء فهو عبد الخفاء، ولكن كُن عبد الله، إن شاء أظهره وإن شاء أخفاه". فكُن عبد الله وكُنْ شهيدًا على نفسك، على بصيرة؛ لا أنت تعبث بقلوب النّاس تبتغي لهوًا عارضًا ولا هم يقفون لك يوم القيامة كالخصيم ليقتصّوا حقوقهم، تُدرك حقيقة نفسك فلا يرفعك إلى سماء الغرور مدحٌ ولا يخلدك إلى الأرض الوضاعة قدحٌ.