هل الاسم هو المسمَّى؟

كنتُ قد قرأت هذا السؤال أول ما قرأته منذ بضعة عشر عاما في كتاب المقصد الأسنى (لأبي حامد الغزالي) لكني لا أظن أنني بدأت أفهم أبعاده -مع اهتمامي به- إلا في أواخر رمضان المنصرم، في وقت تسنى لي فيه شيء من تفكر وافق صفاءً من كدر الفِكر (لم يدم طويلا). ومع أن الإمام قد تناوله في معرض شرحه لأسماء الله الحسنى، قرابة مطلع القرن الثاني عشر الميلادي، إلا أنه كما بيّن سؤالٌ متعلق في أصله باللغويات والإدراك بل وبمعاني الوجود. وإذا كنتَ من الذين يرون أن أسئلة كهذه لا طائل منها -كمن يتعجب من لاعبَي شطرنج في شاطئ يعُج بالمصطافين يحدّقان لساعات في مربع صغير نادرا ما يتغير محتواه- فربما يكون من الأفضل أن تتوقف هنا عن متابعة القراءة..

 

أمَا وأراك لا زلت بصحبتي، فلنقل أولا إن الأسماء التي نتحدث عنها هي أسماء العَلم، كأسماء الناس والبلاد والكواكب. ولنبدأ مع اللغوي والرياضي الألماني فريغه Frege الذي بيّن في عام 1892 أن أسماء العَلم لها مفهوم كما أن لها مدلول. فعلى سبيل المثال نادي مانشستر يونايتد يسمى أيضا بالشياطين الحمر، والاسمان يدلان على نادي كرة القدم الإنكليزي الذي دشن رسميا في مدينة مانشستر في عام 1902، وهو أول نادي يحقق بطولة الدوري الإنكليزي 20 مرة. لكن ما يُفهم من اسم مانشستر يونايتد، والذي يعني اتحاد مانشستر، غير ما يفهم من اسم الشياطين الحمر (والذي قد لا يروق لبعض مشجعي النادي من المتدينين). وهكذا يظهر الفرق بين المدلول reference والمفهوم sense. ونحن إذ نسأل عن الاسم والمسمى ههنا فإننا معنيون في المقام الأول بالمدلول. فسؤال هل الاسم هو المسمى نقصد به: هل مدلول الاسم المباشرُ هو المسمى أم شيء غيره؟

  

تجارب علمية مهمة أشارت مؤخرا إلى أن شيوع أحد المنظورَين في تفكيرنا يعتمد على ثقافة المكان الذي ننشأ فيه أطفالا، إذ لا فرق يُذكر يطرأ بعد سن السابعة إذا ما قارنا أناسا من ثقافتين مختلفتين

هنالك نظريتان معروفتان في دلالة الاسم على مسماه عند اللغويين. الأولى، وتُعرف بنظرية السببية-التاريخية causal-historical view، يدل فيها الاسم على المسمى بحكم ارتباط يعود إلى لحظة اكتساب الاسم، كتدشين النادي رسميا في مدينة مانشستر في عام 1902 باسمه مانشستر يونايتد في مثالنا السابق. والذي يظهر جليا هو أن مدلول الاسم المباشرَ هنا، بحكم حصول التسمية ومن ثم انتشارها إلينا، ما هو إلا المسمى. أما النظرية الأخرى، وتعرف بالوصفية descriptive view، فيدل فيها الاسم على المسمى بواسطة أوصاف محددة يستوفيها المسمى دون غيره، كوصف ”أول نادي يحقق بطولة الدوري الإنكليزي 20 مرة“. والذي يظهر جليا في هذه الحالة هو أن المدلول المباشر للاسم شيء غير المسمى؛ إذ يدل الاسم على المسمى، كما في هذا المثال، بواسطة أوصاف محددة في أذهاننا تنطبق بدورها أفضل ما تنطبق على المسمى.

 

ومن المثير للاهتمام أن تجارب علمية مهمة أشارت مؤخرا إلى أن شيوع أحد المنظورَين في تفكيرنا يعتمد على ثقافة المكان الذي ننشأ فيه أطفالا، إذ لا فرق يُذكر يطرأ بعد سن السابعة إذا ما قارنا أناسا من ثقافتين مختلفتين. وقد أشار البحث الذي نشر في دورية كوغْنِشن Cognition العام الماضي (بعنوان What is in a name?) والذي أجراه فريق من العلماء من جامعة شانغهاي جياو تونغ في الصين وجامعة هارفارد في الولايات المتحدة، إلى أن الصينيين تكثر فيهم النظرة الوصفية مقارنة بالأمريكيين، فيما تكثر النظرة السببية-التاريخية في الأمريكيين مقارنة بالصينيين، لأسباب (يمكنكم الرجوع إليها في البحث) حاول الباحثون تقصيها.

  

وأخال أن الإمام الغزالي ربما كان سيَعجَب من أن سؤال هل الاسم هو المسمى قد تختلف إجابته باختلاف مستعمِل الاسم، وتحديدا باختلاف ثقافة المكان الذي تربى فيه في الصغر.. وإذا عدنا إلى أسماء الله الحسنى لغويا من منظور السببية-التاريخية، فإن كل اسم منها -بحكم نزوله وحيا انتهى إلينا علمه- هو المسمى. أما إذا نظرنا إليها من منظور الوصفية، فإنها تدل على المسمى بواسطة أوصاف محددة في أذهاننا (مثل وصف خالق كل شيء) لا يستوفيها إلا المسمى؛ فكل اسم منها بالتالي غير المسمى.. لكن علينا أن نتذكر أن هذين المنظورين ما هما إلا منظوران إنسانيان يأفل نورهما في نور من {لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}.



حول هذه القصة

يقول محمد المنسي قنديل في كتابه “عظماء في طفولتهم” إن العقاد كان يقسم راتبه من الوظيفة إلى ثلاثة أقسام متساوية أولها للسكن وثانيها للطعام والشراب وثالثا لشراء الكتب.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة