فيلم"seven".. جحيم معاصر على أنقاض "الكوميديا الإلهية"

blogs seven

"تخل عن كل أمل يا من تدخل إلى هنا"

دانتي أليغري، الكوميديا الالهية

 

في عالم ضرير غارق في الجريمة والفساد، يتكئ على عكاز الخطيئة حتى لا يقع، بعد ان جعلته الاعاقة الاخلاقية واهنا غير قادر على الوقوف، يسير بخطى متعثرة لكن ثابتة نحو الهلاك، عالم غارق في العنف وفاقد لكل اخلاقياته الدينية، انتزع كل خصال الايثار واستتر برداء الطمع والجشع وغطس في الماديات، عالم تطبق فيه كل الذنوب التي حرمتها الديانات السماوية وحذرتنا منها الاعمال الادبية الدينية القديمة، أو ما يعرف بالخطايا السبع المميتة والملقبة أيضا بالذنوب الكاردينالية، وهي تسمية لبعض الشرور التي صنفتها المسيحية كي يتفاداها المؤمنون ومن أجل توعية الأتباع بكل ما هو مرفوض وما قد يجعل الإنسان يقع في الخطيئة.

  

كثيرة هي الأعمال التي جسدت الخطايا السبع واقتبست منها أفلاما وروايات، واحد من تلك الاقتباسات هو فيلم seven للمخرج ديفيد فينشر، الذي نجح في تحويل الميثولوجيا المسيحية لواحد من أهم أفلام الإثارة عبر التاريخ، قبل الغوص في الأحداث، يجب أن نتساءل عن أيهما الأكثر رعبا، الواقع أم الخيال؟ أن تشاهد فيلما للرعب الكلاسيكي بأشباح ووحوش تقليدية وبيوت مسكونة أو غزوا فضائيا أم فيلم رعب منبني على واقع مرعب نعيشه في جحيم معاصر.

 

احتمالات تعرضنا للقتل والسرقة والتعذيب من طرف لص في شارع خال ومظلم قد يسلبك معه كل ما تملك أكثر بكثير من احتمال ملاقاتك لعفريت مرعب، إنه رعب واقعي وقاس نعيشه ولا نمتلك ضمانات أو تأمينا مسبقا ضده، فقد كثرت الاعتداءات والاحتيالات فقط لتلبية نزوات الجشع والطمع والشهوة والشراهة لمجرم عادي. سينما الرعب الواقعية، اتجاه سينمائي ظهر في التسعينات، أبرز رواده المخرج ديفيد فينشر، وموضوعاتها لا تدور حول الجرائم التي يرتكبها السفاحون والاشباح، بل تركز على العادين جدا، عن الوحوش التي صنعها المجتمع المعاصر عن مجرمين تولدهم الموسيقى ونشرات الأخبار والأفلام وخطابات السياسيين، عنا نحن.

   

   

الكوميديا الإلهية.. عن واقع تراجيدي

إنفرنو أو الجحيم، الجزء الأول من ملحمة الكوميديا الإلهية للشاعر الايطالي دانتي أليغري، تنقسم الملحمة إلى ثلاثة عوالم: الجحيم والمطهر والفردوس، على العكس من التسمية، إلا أن هذا العمل لا يبدو مضحكا، وسبب تسميته بالكوميديا يرجع لكون القصة تبدأ بشكل سيء وتنتهي نهاية حسنة على عكس قواعد التراجيديا التي تبدأ نهاية حسنة وتنتهي بموت البطل. وبالفعل في كوميديا دانتي تنتهي القصة بوصول دانتي بطل الملحة للفردوس، حيت السلام والنقاء والخير في رحلة قادته بين أهوال الجحيم المظلم والمليء بالعصاة الذين لامغفرة لهم ولا هروب من القعر.

  

تنقسم ملحمة دانتي الشعرية إلى تسع دوائر لجهنم، وقد رسم الفنان الإيطالي ساندرو بوتشيلي لوحة تفصيلية لجحيم دانتي بدوائرها التسع، تنطلق الملحمة مع دانتي الضائع في غابة مظلمة تتم مهاجمته من قبل 3وحوش، لكن الشاعر الروماني فرجيل المبعوث من طرف بياتريس (حبيبة دانتي) ينقذه وتنطلق رحلة الدوائر التسع، على دانتي تسلق الدوائر التسع للوصول للجنة، وفي كل دائرة تزداد العقوبات لتناسب المعاصي، في الدائرة الاولى المنسيون limbo يقيم الوتنيون غير المعمدين والمعاقبين بالخلود بعيدا عن الجنة، وهناك يلتقي دانتي بشخصيات بارزة ماتت قبل ظهور المسيحية كهوميروس وسقراط وأبقراط.

الدائرة الثانية الشهوة lust خصصت للأشخاص الذين غلبتهم شهوتهم ويتم تعذيبهم برياح قوية تمنع عليهم الراحة والسلام وتصيبهم بأرق دائم وهناك يرى دانتي شخصيات بارزة كالملكة كليوباترا وهيلين طروادة وتريستان وغيرهم ممن كانوا زناة، ابتداء من الدائرة الثالثة الشراهة تبدأ دوائر الخطايا السبع وهي بالإضافة للشراهة، الجشع، الكسل، الحسد، الغضب، الهرطقة والعنف. ألهمت الكوميديا الإلهية عددا كبيرا من الأعمال الفنية لشعراء وأدباء وصانعي ألعاب فيديو، بل حتى الدورية الباباوية "الله محبة" لسنة 2006 استمدت إلهامها من البيت الاخير من جزء النعيم.

 

وجد العديد من الأدباء ملحمة دانتي منبعا للإلهام، مثل ميلتون وبالزاك وماركس وإليوت وفورتسر ودان براون وبورخيس، بالإضافة لسيناريست مغمور يعمل لغاية 1995 كبائع اسطوانات في محل بنيويورك، أندرو كيفين وولكر الذي كان يجني قوت يومه من العمل في متجر بسيط، ويمر من حالة اكتئاب واحباط شديد لدرجة قيامه بكتابة نص فيلم قاتم ومظلم حول مطاردة قاتل متسلسل يستخدم الخطابا السبع المحرمة كمصدر إلهام لجرائمه، قام وولكر بإرسال نصه إلى الكاتب دايفيد كوايب الذي أرسله بدوره لوكيل أعمال وجد منتجا يشتريه ويحوله لفيلم، وبعد قراءة النص من طرف كويب اقترح على وولكر أن يلتجأ لمساعدة نفسية محترفة نظرا لمدى رعب السيناريو.

   undefined

   

الفردوس المفقود لدفيد فينشر

قصيدة الفردوس المفقود واحدة من أهم الأعمال الأدبية المستوحاة من الكوميديا الالهية، للكاتب الانجليزي جون ميلتون كتبها في القرن 17، كانت غاية ميلتون أن يرسم صورة شعرية لرحلة الإنسان من الكون إلى الكون عكس دانتي الذي رسم رحلة من الجحيم إلى الجنة. أنتج ميلتون للتعبير عن فكرته سفرا يتوزع على 10 أجزاء كاملة، بين مكر الشياطين وإغواء البشر والرغبة في التحرر، ليتساءل القارئ هل أنا أمام حكاية للشيطان أم حكاية للإنسان؟ بالتأكيد فإن ميلتون والذي لم تظهر ملامح البشر في الثلث الأول من قصيدته واكتفى بألاعيب الشياطين، لم يكن بعيدا عن هدفه وهو أن حكاية الشيطان بالنسبة إليه حكاية الانسان، حكاية الخير والشر والطاعة والعصيان والانتقام من الفساد.

العنف والانتقام من فساد المجتمع، هي الفكرة التي يتبناها ديفيد فينشر في فيلمهseven (1995) والتي تبناها مرة أخرى في فيلمه  fightclub(1999)، مع اختلاف القصتين، إلا أنهما مبنيتان على العنف الناتج عن انعدام القيم واضطراب المجتمع، ضحايا القاتل في فيلم seven هم جميعا مذنبون ومرتكبون للخطايا وهو القاضي والجلاد. يتحدث الفيلم عن المحقق المشرف على التقاعد ويليم سمارست (مورغان فريمان) وعن المحقق الشاب المقبل على الحياة دايفيد ميلز (براد بيت)، حيت نرى التناقض والتنافر بين هذين الشخصيتين، الأول محنك وناضج وهادئ بينما الآخر متسرع وغاضب ومبتدئ.

 

تدور الاحداث في مدينة لا نعرف اسمها ذلك لأن هذه الاحداث وتغول الإنسان يقع في أي مدينة من العالم، يجتمع المحققان لفك خيوط قضية هي الأولى في مسيرة براد بيت بهذه المدينة التي قدم رفقة زوجته لتعويض منصب مورغان فريمان الذي بقي له مجرد أسبوع ويتقاعد. أسبوع فقط لفك الجرائم، وهي نفس المدة التي قضاها دانتي في العالم الآخر في ملحمة الكوميديا الالهية، ومع توالي الأيام ينكشف ترابط الجرائم وبأنها مرتبطة بشخص مهووس بالميثولوجيا.

  

عندما اختير كيفين سبايسي لتأدية دور القاتل، لم يتم الإعلان عن الخبر بل حتى أن الجنريك والفيديو التشويقي لا يحتوي على اسمه وذلك لاخفاء القاتل عن المشاهد وإصابته بالصدمة، بالتأكيد لن نغوص أكثر في احداث الفيلم حتى يتسنى لمن لم يشاهده أن يقوم بذلك، لكن كتلميح بسيط، براد بيت غاضب دائما ومورغان فريمان طامع في أسرة كأسرة براد بيت.. الطمع والغضب. "العالم مكان جيد، ويستحق القتال من أجله.. أنا اتفق مع الجزء الثاني" بهذا الاقتباس من هيمنغواي يغلق كيفين سبايسي الفيلم لينتهي الأمر بواحدة من أعظم وأكثر النهايات السينمائية ألما.