لا نريد مزيدا منهم..

تبعدنا الحياة مسافات قصيرة إلى الوراء، بعد أن كانت تلك المسافات طويلة بعض الشيء لنستذكر فيها القليل الكثير من هفوات صلبة تجعلنا قد نندم بعض الشيء لمعرفة أشخاص لم يكونوا في ذات المكان الصحيح الذي لطالما توقعنا أن يكونو عكس ذلك، وكما قالها ديستوفسكي، لم يعد العمر يتسع لمزيد من الأشخاص الخطأ، إن بعض تجاربنا التي نجازف بها اليوم، تحكم علينا فعلياً الوقوف عند كل محطة فيها واختراقها بكل قوة وعزم، لاتخاذ قرارات عقليةٍ بعيدة عن العواطف الملبدة، وتطبيقها بكل إصرار وليد، فتلك القرارات تظهر حقيقتنا أكثر بكثير من قدراتنا .

 

مشوار حياتنا طويل، وعرٍ طريقه في أغلب منحنياته، نصادف طيلة عمرنا مختلف الأجناس والألون والأشكال منهم من لم نختر وجودهم في حياتنا، وقسمٌ آخر ترددنا كثيراً لإبقاءهم، أما القسم الأخير كنا على يقين بأن الحياة لن تستقيم بدونهم، وضمن اختياراتنا جميعها، وتجاربنا وهفواتنا وسقوطنا وصعودنا، بدأت الأمور بالاختلاف، وانتقاء الأشخاص أصبح صعباً بعض الشيء لم يكن الأمر سهلاً البتة، وليس اختيارياً بالكامل، فبعض المواقف والسلوكيات الممارسة من قبل بعض الأشخاص تجعلنا مجبرين بعض الشيء، لأخذ قرارات حاسمة اتجاههم، سواء بالقبول للدخول في قوقعة حياتنا أو الرفض القطعي لهم، نقف عاجزين مكبلي الأيدي للدفاع عن كل ما تثبته مواقفهم الحسنة بعد تلك المواقف التي قد أساءت لمبادئنا، فاليوم يجب أن نتقن فن الإنتقاء للأشخاص والعلاقات والأماكن والاهتمامات، لكل شيء، يجب أن نحسن الاختيار لكي نشعر براحة حقيقة غير مزيفة ترضي عواطفنا لا عقولنا، لا تشعرنا باستنزاف أرواحنا وقلوبنا وأجسادنا وحتى أموالنا .

 

قد يكون الأمر صعباً في إصلاحهم، أو ايقافهم عن الانشغال بأمور غيرهم، والوقوف لأنفسهم، والنظر الي عيوبهم، وحتى مزاياهم، هم لم يجعلو وقتا ً حتى لأنفسهم

لا نريدُ مزيداً منهم.. أولئك الذين كانوا عابري سبيل ٍ بأقنعة كاذبة مزيفة، لا نريد ُ القليل منهم حتى، أولئك الذين لم يكونوا كفؤاً للدخول في محيطنا الصغير، لا نريد أولئك الذين حينما أتى علينا الزمان يوماً وأسقطنا، كانو الوحيدون الذين بوسعهم المساعدة، لكن اختيارهم للعجز أمامنا، كان القرار الأوحد لهم، هم أيضاً نفس الأشخاص الذين ضحكو خبثاً وغدراً حينما صعدنا محلقين، لكن عقولنا في ذاك الوقت كانت صاغية جداً لماً يفعلونه خلفنا، لا نريد منهم سوى أن يبقو بعيداً كل البعد عن أجسادنا وأنفاسنا وأعيننا، لا نريدهم على الإطلاق داخل حياتنا، غير مواقف صعبة لا تكاد أن تغيير عن أذهاننا فعلوها بكل أعين تتلذذ لتكسر فرحنا، لم يخلق النسيان عبثاً، فقد خلق بعضه لهؤلاء الأشخاص الذين كادر أن يقفو وقفة المساكين الطاهرة، كيف لتلك الفطرة أن تأتي بكل ما يدور في أذهانهم.

  

قد يكون الأمر صعباً في إصلاحهم، أو ايقافهم عن الانشغال بأمور غيرهم، والوقوف لأنفسهم، والنظر الي عيوبهم، وحتى مزاياهم، هم لم يجعلو وقتا ً حتى لأنفسهم، لم يكرموا ما خلقه الله الأوحد، لم يكرموا بشريتهم التي لطالما كرمت عن أي خلقٍ خلق وسيخلق، لم يكونو سوى أعداداً زائدة لا تسمن ولاً تغني من جوع، أشغلوه تفكيرهم وأنفسهم وكل ما سخر لهم لغيرهم، وقفو بعيداً جداً، كالمناظير المسلطة، والأبواق الفارغة، والألسن المتنمرة، كانوا وجوهاً كارثية، وقلوب حاقدة، كيف لهم بعد كل ذلك وأن يكونوا أشخاص صادقين وحالمين، كيف لأجيالهم وما بعدهم بأن يتفاخرو ويتعلمو من تلك الأجداد، أما أولئك الذين لطالما كانوا كالملائكة الطاهرة، الذين أغنونا عن الحياة بأكملها، لا نريد إلا الكثير الكثير منهم، لا نريدً سوى أن يكونو أمامنا وخلفنا وإلى جانبان، نريدً أن نتفاخر بهم، نريد أن نكون لهم عوناً يوماً كما كانوا لنا، نريد أن نقبلً أيديهم خفية لخوفهم علينا وحبهم لنا، ومساندتهم لنا دون مقابل، فسلام عليكم أينما كُنتُم.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الإرادة الغربية تسعى لإيجاد إسلام تابع لسلطانها، راضخ لأيدولوجياتها، شريك باحتلالها لأرض المسلمين، وتسلطها على رقابهم، ونهبها لثرواتهم. فلذلك تجدهم يسارعون بالتخويف منه ويسعون جاهدين لإفشال كل تجربة تقوم باسمه.

زيارتي لطنجة تحيي بدواخلي طعم الحياة لصداقة تستحق التنويه والفخر وتدفعني أن أرفع قبعة الاحترام لمن يقدرون معنى الصداقة الحقيقة ويعلمون حقيقة معنى أن يكون لديك صديق لا تستهويه المصالح.

إن ميزان الصدق في دعاوى المحبة والصحبة هو التضحية، وتبادل هذه التضحية بين شريكي الصداقة، فتفارق أنت ما تحب لأجل هوى صاحبك تارة، ويفارق هو ما يحب لأجل هواك تارة.

الأكثر قراءة