هل أعلن أردوغان ومادورو نهاية الغطرسة الأميركية؟

شهد العقد الثاني من ذلك القرن تغير كبير في موازين القوي لصالح الجناح الشرقي في العالم، فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي بفعل الضغط الأمريكي على أسعار النفط العالمية، فضلا عن استنزاف السوفيت في أفغانستان، نجحت أمريكا في في فترة حكم الرئيس الروسي يلتسن في تحويل اقتصاد روسيا للنظام الرأسمالي، إلا أن وصول بوتين للحكم في روسيا مع بداية القرن الحالي أبطأ كثيرا من التغول الأمريكي على ثروات دول الاتحاد السوفيتي السابق، لكنه لم يستطع منع الحكومة الأمريكية في عهد بوش الإبن من دعم وإدارة الفوضي الخلاقة التي تسببت بإشعال ثورات في مناطق النفوذ السوفيتي السابقة مثل صربيا وجورجا وأوكرانيا وقيرغيزستان في الفترة بين عامي (2001 و2005)، وهو ما أطلق عليه بالثورات الملونة.

روسيا تعود كقوة عالمية

ومع وصول أوباما للحكم إستمرت محاولات أمريكا لجذب المزيد من الحلفاء من دائرة النفوذ الروسي الصيني، في محاولات لحصار أكبر قوتين مناؤتين للهيمنة الأمريكية على العالم، وفي سبيل ذلك لم تدخر أمريكا وسعا في خلق اضطرابات في الدول التي لا زالت خارج نفوذها، فبعد وصول حكومة موالية لروسيا في أوكرانيا عام 2010، لم تمر 3 سنوات إلا والإضطرابات قد ضربت ذلك البلد الذي تبتعد حدوده عن موسكو بـ500 كم فقط، وإنتهت تلك الاضطرابات بوصول حكومة موالية للغرب، إلا أن رد فعل بوتين كان مختلفا تلك المرة عن المرة السابقة في 2004، حيث قام بضم القرم لروسيا بسبب أهمية ميناء سباستيول العميق، والذي يعد مركز للإسطول الروسي الجنوبي في البحر الأسود.

أعلنت روسيا عام 2018 عن إطلاق آلية مالية لتحويل الأموال مع دول أوروبا التي رحبت بذلك القرار بعيدا عن ألية سويفت العالمية التي تسيطر عليها أمريكا وتستخدمها كورقة سياسية

فقامت أوروبا بالرد عبر منع روسيا من تمرير مشروع خط أنابيب السيل الجنوبي، الذي كان يهدف لتوصيل الغاز الروسي لشرق وجنوب أوروبا دون المرور بأوكرانيا، كما هددت أمريكا بطرد روسيا من منظومة سويفت العالمية لتحويل الأموال كنوع من العقوبات على روسيا، بالتوازي مع هبوط أسعار النفط عالميا أواخر 2014، بفعل ثورة النفط الصخري الأمريكية التي زادت من إمدادات النفط بكميات كبيرة وأدت لانخفاض أسعاره بشدة، وهو ما أثر بشدة على الاقتصاد الروسي الذي يعتمد على تصدير الغاز والنفط بصورة رئيسية.

أمريكا وتفكيك منظومة حلفاء روسيا

قامت روسيا بالتحالف مع عدة دول ترفض الهيمنة الأمريكية مثل البرازيل وفنزويلا وإيران والصين، فيما تقاربت وجهات النظر مع تركيا حول مشاريع الغاز لأوروبا، مما دفع أمريكا لتصفية ذلك التحالف السياسي تدريجيا، فبدأت في 2015 بالتقارب مع إيران بتوقيع إتفاق نووي معها مقابل تطوير شركات البترول الأوروبية لحقول الغاز الإيرانية، بغرض زيادة إنتاجها وتصدير الغاز لأوروبا كبديل للغاز الروسي، كما قامت أمريكا بدعم انقلاب عسكري في تركيا صيف 2016، بعد التقارب الروسي التركي في المجال العسكري والاقتصادي، إلا أن قوات الشرطة الخاصة التي أنشأها أردوغان فور وصوله للحكم ساهمت بإفشال الانقلاب، ولم تفلح عملية قتل السفير الروسي في تركيا أمام الكاميرات، في عرقلة التقارب الروسي التركي.

وفي أغسطس 2016 أطيح برئيسة البرازيل اليسارية ديلما روسيف، على إثر تصويت مسيس من مجلس الشيوخ في البرازيل تحت دعوي التستر على عجز الموازنة، ومع انتهاء الحكم اليساري في البرازيل الذي امتد لـ14 عاما، أصبح الحصار الأمريكي على فنزويلا من الشمال حيث 7 قواعد عسكرية أمريكية في كولومبيا، ومن الجنوب حيث البرازيل الأمريكية العائدة للحظيرة، وبذلك لم يبقي من حلفاء روسيا الأقوياء في نصف الكرة الغربي سوي مادورو رئيس فنزويلا اليساري، الذي تمتلك بلاده أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم.

وبعد الإطاحة بدليما روسيف عام 2016، قامت النظام الحاكم في البرازيل والموالي لواشنطن، بمنع الرئيس البرازيلي الأسبق (لولا دي سلفا) صاحب أكبر شعبية في تاريخ البرازيل، من ترشيح نفسه للانتخابات التي عقدت في أكتوبر 2018، بعد أن وجهت له تهما متعلقة بالفساد إبان فترة حكمه (2003-2010)، الأمر الذي سهل من نجاح المرشح اليميني بولسونارو من الوصول للسلطة، والذي وصف بـ( ترامب البرازيلي).

هل يجعل ترامب أمريكا عظيمة مرة أخرى؟

شهدت الفترة الأولي من حكم ترامب إظهار عدة أطراف تحديها للقرارات الأمريكية المجحفة والغير مبررة، فقد أعلنت روسيا عام 2018 عن إطلاق آلية مالية لتحويل الأموال مع دول أوروبا التي رحبت بذلك القرار بعيدا عن ألية سويفت العالمية التي تسيطر عليها أمريكا وتستخدمها كورقة سياسية، كما أطلقت عدة دول أوروبية ألية لتحويل الأموال بينها وبين إيران (إنستكس) في محاولة للإلتفاف على العقوبات الأمريكية، فضلا عن رفض كل من إنجلترا وألمانيا وفرنسا للرضوخ للضغوط الأمريكية وتوقيع عقوبات على شركة هواوي إبان الأزمة بين امريكا والصين، بالتزامن مع تحالف الصين وروسيا وإيران وتركيا ضد هيمنة الدولار الأمريكية، وقرارهم التعامل بالعملات المحلية تدريجيا فيما بينهم.

الصين تكسر شوكة أمريكا

قامت الصين بالرد على تلويح أمريكا بسلاح العقوبات، عبر تسريع إفتتاح مشروع (قوة سيبريا) الذي يمد شمال الصين بالغاز الروسي، في رفض صريح لمطالب ترامب باستيراد الغاز الأمريكي بدلا من الغاز الروسي، فضلا عن تهديد الصين المبطن بوقف تصدير المعادن النادرة التي تستحوز الصين على غالبية إنتاجها العالمي، وهو ما يهدد صناعة التكنولوجيا في أمريكا، الأمر الذي فتح المجال لمزيد من المفاوضات مرة أخرى.

تقاوم فنزويلا محاولات أمريكا لإجبارها على بيع النفط بالدولار، حيث قامت أمريكا بالضغط عبر عقوبات لمنع شراء السندات التي تصدرها فنزويلا، وفي تحد لتلك العقوبات أطلقت فنزويلا عام 2018 عملة (البترو) الرقمية للتداول الخارجي

وفي سياق آخر فقد أرسلت الصين برسالة تهديد لأمريكا بعد محاولاتها إستفزاز الصين عبر تحركات عسكرية في المجال الحيوي للصين، حيث نقلت صحيفة نيوزيلاند هيرالد عن العميد البحري بالجيش الصيني لو يوان مخاطبا المواطنين في مدينة شنتشن في ديسمبر 2018، أن الخلافات المستمرة حول ملكية شرقي بحر الصين الجنوبي يمكن حلها من خلال إغراق اثنين من الحاملات الأميركية الضخمة، وقال إن مجموعة الصواريخ الصينية الجديدة القوية فائقة القدرة الباليستية والمضادة للسفن قادرة على ضرب حاملاتي الطائرات الأميركية المرابضة غرب المحيط الهادي.

فنزويلا ومحطة أخرى من الفشل الأمريكي

في ديسمبر 2018 قامت روسيا بعقد مناورة عسكرية مع فنزويلا، مع بحث إمكانية إنشاء قاعدة عسكرية روسية بإحدى جزر فنزويلا في بحر الكاريبي، وهو ما أشعل الأحداث في يناير 2019، بعد تأييد أمريكا لتنصيب خوان جايدو زعيم المعارضة نفسه كرئيس البلاد، وإعلانها عدم الاعتراف بمادورو رئيس للبلاد، الأمر الذي دفع روسيا والصين لإرسال قوات عسكرية لمنع أي انقلاب عسكري محتمل، بالتزامن مع تحرك عدة قطع بحرية إيرانية لعبور المياه العميقة لأول مرة والوصول لشواطئ فنزويلا، تحسبا لعمل عسكري أمريكي، فضلا عن تجهيز الرئيس اليساري مادورو لمجموعات ثورية شبه عسكرية تسمي (كوليكتيفو) فيما يشبه قوات الشرطة الخاصة في تركيا عام 2016، والتي ساهمت في منع الانقلاب المدعوم من أمريكا. كما أن فنزويلا تستعد لأي هجوم عسكري أمريكي محتمل بعد حماية الأجواء الفنزويلية بمنظومة صواريخ أس 300 الروسية، والذي تسلمتها فنزويلا عام 2013.

هل تصمد فنزويلا؟

تقاوم فنزويلا محاولات أمريكا لإجبارها على بيع النفط بالدولار، حيث قامت أمريكا بالضغط عبر عقوبات لمنع شراء السندات التي تصدرها فنزويلا، وفي تحد لتلك العقوبات أطلقت فنزويلا عام 2018 عملة (البترو) الرقمية للتداول الخارجي، والتي تم دعمها وتغطيتها بما تمتلكه فنزويلا من نفط وغاز، فضلا عن إستمرار بيع النفط والذهب والغاز بالروبل الروسي واليوان الصيني والين الياباني والروبية الهندية، وهو الأمر الذي ترفضه أمريكا، وقامت بسببه بالإطاحة برئيس العراق صدام حسين عام 2003 بعد بيعه للنفط باليورو.

هل تفعلها إيران مرة أخرى؟

وعلى نفس المنوال فقد ردت إيران على إلغاء الاتفاق النووي عبر أذرعها العسكرية التي قامت بعدة ضربات نوعية لناقلات نفط بالقرب من خليج عمان بالإضافة لخط لنقل النفط سعودي، فضلا عن إسقاط طائرة مراقبة أمريكية، وهو الأمر الذي تحفظت إدارة ترامب عليه تجنبا لإشعال صراع مسلح قبل شهور من سباق الرئاسة، تفاديا لتكرار أزمة الرهائن، والتي تسببت في الإطاحة بالرئيس الأمريكي السابق كارتر من سباق الرئاسة عام 1980، بعد فشل عملية تحرير الرهائن الأمريكيين في إيران بعد الثورة الإسلامية، فقد أدي طول زمن الأزمة وفشل أية حلول سياسية وعسكرية إلي تغيير مزاج الناخبين الذين إختاروا ريجان بدلا منه، بينما تم الإفراج عن الرهائن بعد دقائق من حلف ريجان لليمين في 19 يناير 1981.

بداية النهاية لأمريكا

فشل أخر انقلابين عسكريين مدعومين أمريكيا في تركيا وفنزويلا، كما تعرضت هيبة أمريكا للطمة قوية عقب نجاح الصين في تحدي العقوبات الأمريكية بينما استكملت إيران تحديها لأمريكا بإرسال قطع بحرية لبحر الكاريبي لدعم فنزويلا ردا على إرسال أمريكا لحاملة طائرات أمريكية لمياه الخليج فهل لم تعد أمريكا تحكم العالم؟



حول هذه القصة

تدور مؤخرا تساؤلات عن مدى احتمالات المزيد من الانقسام بالاتحاد الأوروبي بسبب الصين؟، وعن إمكانية نشوب حرب تجارية أوروبية صينية إذا لم يتحقق الوصول المتبادل للأسواق والاستفادة المتوازنة بين الجانبين؟!

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة