امرأة حامل عاملة.. من رحم المعاناة!

حين عرفت أني سوف أكون أم للمرة الثانية، غمرتني سعادة لا توصف وشعرت بالرضا التام والفضل الذي منه الله علي. لم أستطع كبت دموع الفرح والامتنان من هذه الحقيقة التي فاقت إدراكي. فإحساس الأمومة هو أفضل شعور يخالج المرأة في هذه الدنيا وأتمنى من الله أن يرزق كل امرأة هذا الإحساس. هذا الجنين الذي خلقه الله في رحمي جزء لا يتجزأ من جسدي وحياته أصبحت معتمدة تماماً علي في كل شيء. يكون الإنسان في أضعف مراحل حياته عندما يكون جنيناً أمره كله بيد الله ثم بيد الأنثى التي رزقت بهذا النعمة. فيا لها من مسؤولية لذيذة ويا لها من مشاعر عظيمة ومعجزة إلهية تستوجب منا وقفة للتفكر في عظمة البارئ.

 

لم أكن على دراية تامة بأن الحمل وتكوين إنسان داخلي قد يستزف جُل طاقتي وخصوصاً بوجود أطفال أخرين، وقتها فقط تيقنت لما للأم من فضل عظيم لن نستطيع أن نرد منه ولو قنطار ذرة ولو عشنا عمرين كاملين فوق عمرنا مدداً. مع ذلك تجد الكثير من الأشخاص العاقين بلا رحمة أمام أمهاتهم متناسين ضئالة الحجم الذي بدأوا فيه في أرحامهن. لكن موضوع المقالة لن يكون عن الحمل وروعته وعن المعجزة المتمثلة بهذا الجنين الذي بدأ من اللاشيء.

 

موضوعي هو عن المرأة الحامل العاملة وما لها من حقوق تُنتهك كل يوم في مكان العمل. نعم هنالك الكثير من بيئات العمل التي تتميز بدعمها للمرأة من جميع النواحي، ولكن للأسف الشديد، بالمقابل معظم الشركات تفتقر للإنسانية في التعامل مع المرأة الحامل وتبرير ذلك يكون في أغلب الأحيان بأن المرأة الحامل يجب أن تُعامل بسواسية كأي موظف عادي وتُقيم بناءاً على نفس الأسس. إلا إن هذا التفكير بحد ذاته فيه من الجهل الكثير ويدل على افتقار صاحب العمل لأدني القيم الأخلاقية والإنسانية.

 

إذا لم يرد صاحب العمل أن يراعي الحالة التي تمر بها المرأة الحامل، فعلى الأقل يمكن كف الأذى عنها وحمايتها حتى تضع مولودها بسلام

فالمرأة الحامل لا تمتلك نفس القدرات التي كانت تمتلكها قبل حملها وأنا لا أتحدث فقط عن الحالة الجسدية. ففضلاً عن الغثيان الصباحي والداور والتعب والنعس الشديدين اللذين يرافقان الحامل طوال فترة أول ثلاثة أشهر أو طول فترة حملها في العديد من الحالات، هنالك العديد من التغيرات التي تحدث في عقلها وذاكرتها. فمن المثبت علمياً وعلى مر الأجيال بأن الحامل تميل إلى فقدان مستمر بالذاكرة يتضمن نسيان الأسماء، فقدان الأشياء وضياعها وشرود الذهن وعدم القدرة على التركيز. وسبب فقدان الذاكرة يكون عبارة عن مزيج من عدة عوامل أبرزها التعب، التغيرات الهرمونية والتوتر.

 

فالأم ليست كسولة وليست غير مهتمه بعملها، وتلك تُهم تقليدية توجه لها باستمرار من قبل المتنمرين وأصحاب العمل المتحجرة قلوبهم اللاإنسانين الغير مدركين لما تتكبده هذه المرأة كل يوم من أجل أن تأتي فقط إلى مكان العمل. إنما هي الآن مسؤولة بشكل أساسي في تكوين حياة ويشغل بالها سلامة هذا الجنين، الأمر الذي يؤدي إلى عدم تركيزها التام في مهام العمل مما يؤثر على أدائها مقارنة بما هو مألوف منها قبل الحمل.

 

وإذا لم يرد صاحب العمل أن يراعي الحالة التي تمر بها المرأة الحامل، فعلى الأقل يمكن كف الأذى عنها وحمايتها حتى تضع مولودها بسلام. فبدلاً من توجيه التنبيهات المستمرة على أدائها، يستطيع رب العمل أن يقوم بتوزيع المهام على بقية أعضاء الفريق وإعطائها مهام أقل حتى تستطيع أن تنجز حسب استطاعتها. وبدلاً من فرض ضغوطات نفسية بإعطائها مهل قصيرة لتسليم المهام، يستطيع أن يوكلها بمهام غير مستعجلة حتى تأخد وقتها وتقوم بتسليم تلك المهام على أكمل وجه. وبدلاً من اصطياد أخطاءها التي تصبح متكررة خلال حملها، يستطيع أن يرحمها ويستوعب ما تمر به من تغيرات.

 

لكن للأسف، تتلذذ النفسيات المريضة التي تتكاثر مثل الفيروسات في مكان العمل بأخطاء المرأة الحامل وتتباهى بلفت أنظار الأخرين لتلك الأخطاء. وللأسف تنتشر في بيئات العمل شخصيات مؤذية لا تكثرت بوقع ما تفعله على هذه المرأة وتقوم بفرض ضغوطات أكبر من قدرة تحمل الحامل.

 

قمة عدم الانسانسة وانعدام الأخلاق هو ما نراه اليوم في بيئات العمل. عند إغراق المرأة الحامل بالمهام ومحاسبتها بالتقصير تناسياً الظروف التي تفرضها عليها التغيرات البيوليجية والهرمونية التي تمر بها. الحامل هي إنسانة تحمل في جسدها طفلاً وصحتها أولوية على كل مهام الدنيا. وإن كان فعلاً مكان العمل يدعي دعمه للمرأة، فمن الاجحاف أن تكون هذه الممارسات موجودة في قرننا الحالي. وعليه أعتقد بالأهمية القصوى لتعيين لجنة بتنسيب من وزارة العمل للحفاظ على حقوق المرأة الحامل ولفرض رقابة وعقوبات تجاه تلك الانتهاكات. المرأة لا تحتاج إلى المساواة بينها وبين الرجل. المرأة بنظري أحوج إلى مراعاة وضعها في مكان العمل حتى تستطيع أن تنخرط كالرجل في مكان العمل وتدعم أسرتها من جميع النواحي سواء المادية منها والعاطفية. مع الأخذ بالعلم بأن عمل المرأة أصبح في زمننا هذا حاجة خصوصاً مع تدني الظروف الإقتصادية.

 

تبقى رسالتي إليكِ أيتها المرأة الحامل العامل، هو أن لا تنصتي للذئاب من حولكِ ولا تنهكي نفسك على حساب صحتك وصحة الجنين. فلا شيء سيعوضك عند انتكاس وضعك الصحي وحاولي أن تجدي عملاً يحتضنك ويفهم احتياجاتك لأن الحياة أقصر من أن تقضيها في عبودية وبعد عن الأطفال مقابل مردود مادي خسائره أكثر من منافعه.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

في جوف الحامل ينبض قلبان ولديها عالمان؛ عالم في الداخل وآخر بالخارج، أحيانا أشعر بالشتات بين هذين العالمين، أنظر إلى العالم في الخارج وأراقب حركته، أفهم بعضها وأحاول فهم الباقي.

الأكثر قراءة