حين تضيق الصين العظيمة بأربعة أحرف عربية

blogs حلال الصين

لطالما اتخذت السلطات الصينية إجراءات وتدابير صارمة بحق أقلية الإيغور المسلمة في إقليم شينجيانغ جنوب غربي البلاد، ومن هذه الإجراءات على سبيل المثال لا الحصر، منع الصيام وإطلاق اللحى لمن هم دون الثامنة عشرة، وحظر النقاب والتخاطب باللغة العربية، ومصادرة المصاحف وسجاجيد الصلاة والرموز الدينية، وكان مسؤولون حكوميون يبررون هذه الإجراءات، بسعي السلطات إلى كبح جماح من تسميهم متطرفين يدعون إلى الانفصال عن الدولة باستخدام الخطاب الديني لتحشيد وتعبئة سكان الإقليم ضد كل ما هو صيني.

  

رغم إيماننا المطلق بعدم مشروعية هذه الإجراءات التي تمس حقوق الأقليات العرقية، فإنه يمكن تفهم دوافعها دون تبريرها، بالنظر إلى الاضطرابات التي شهدها إقليم شينجيانغ على مدار السنوات الماضية، والحديث عن تشكيل جماعات جهادية انطلقت من هناك للقتال في سوريا إلى جانب تنظيم الدولة الإسلامية.

 

ولكن ما لا يمكن فهمه وتبريره، أن تطال هذه الحملة التجمعات الإسلامية في العاصمة بكين، وأن يتم إجبار أصحاب مطاعم الحلال على إزالة الكتابات العربية والرموز الدينية من واجهات محالهم التجارية. علماً أن عدد المسلمين المقيمين في العاصمة، وفق إحصاءات رسمية، لا يتجاوز مئتين وخمسين ألفاً (عدد سكان بكين 23 مليون).

 

تناقض

تدرك الصين جيداً أن الإجراءات التي تتخذها بحق الأقليات المسلمة، تتناقض مع حديثها عن التعايش والتنوع بين قومياتها المختلفة (توجد في الصين56  قومية)، لذلك تحرص على ألا تصدر تعليماتها بهذا الشأن في بيانات أو خطابات رسمية، وتكون عادة بصورة شفهية، كما تتجنب السلطات المختصة الحديث أو التعليق على هذه الإجراءات.

 

غير أن مسؤولين رفضوا الكشف عن هويتهم، تحدثوا لوسائل إعلام أجنبية، عن تعليمات جديدة تقضي بأن تكون المؤسسات والتجمعات الدينية خالية من النفوذ الأجنبي وملتزمة بالتوجه الصيني للدين (دين بخصائص اشتراكية) كما أشار آخرون إلى قانون ذات صلة يقضي بتغيير الاسماء ذات المعاني الأجنبية واستبدالها بأسماء صينية، حفاظاً على التراث الصيني.

   undefined

  

لو سلمنا جدلاً بهذه الدوافع، فإن ذلك يشير إلى أمرين، أولاً: الخلط بين مفهوم الإسلام كديانة وبين رموز مادية لها دلالات محددة، ثانياً: التمييز بين لغة وأخرى، على اعتبار أن الحملة الحكومية لم تطل مطاعم ومتاجر أخرى في العاصمة تستخدم كلمات وشعارات أجنبية.

  

حلال

تعرف كلمة حلال في اللغة الصينية بـ تشينغ جن، وتعني الواضح والحقيقي، وقد شاع استخدامها في عهد أسرة تشينغ (1644-1911) آخر السلالات الحاكمة في الصين، للدلالة على الأكل المطبوخ وفق الشريعة الإسلامية، أي أنها كانت تستخدم في سياق النظام الغذائي، ولكن مع مرور الوقت، وبالتحديد مع دخول الصين في حقبة الشيوعية وانحسار الهامش الذي كان يتمتع به المسلمون إبان الحكم الملكي، بدأت كلمة حلال تستخدم للدلالة على الإسلام كديانة، حتى وصل الظن ببعض الصينيين إلى الاعتقاد بأن حلال هو اسم دول كبيرة تضم كافة المسلمين.

 

لربما غاب عن ذهن القيادة الصينية أثناء اتخاذ القرار بإزالة كلمة حلال من واجهات المتاجر والمطاعم الإسلامية في العاصمة، أن من بين 65 دولة مرتبطة بمبادرة الحزام والطرق التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ عام 2013، يوجد 17 دولة عربية، و 30 دولة إسلامية، وقد حضر العديد من رجال أعمال هذه الدول إلى الصين للعمل والاستثمار بالإضافة إلى الطلاب والسياح، ومعظمهم مسلمون، وعليهم البحث عن المطاعم الإسلامية خصوصاً وأنهم لا يجيدون بالضرورة اللغة الصينية، وبالتالي فإن كلمة حلال هي وسيلة تمكنهم من التعرف على مقاصدهم.

 

سؤال معلق

في أواخر سبعينيات القرن الماضي، اتبعت الصين رؤية اقتصادية عرفت بسياسة الإصلاح والانفتاح، وقد تمكنت بفضل هذه السياسة من تحقيق نهضة اقتصادية كبرى ساهمت بشكل لافت في رفع مستوى معيشة السكان، ووضعت البلاد في مقدمة الدول النامية، لتصبح الصين الجديدة مثالاً يحتذى في النمو والتقدم والازدهار.

 

غير أن هذه الحقيقة تتضاءل أمام عجز المارد الصيني على استيعاب أربعة أحرف عربية، وهو الأمر الذي يطرح تساؤلاً عن تأثير كلمة حلال باعتبارها ليست أكثر من ترجمة حرفية للدلالة على شيء ما، تماماً مثل حرف الميم باللغة الانجليزية الدال على سلسلة مطاعم ماكدونالدز الأمريكية.

 

أخيراً، تجدر الإشارة إلى أن احترام ثقافة الأقليات ليس فقط سمة مشتركة في عالم مزدهر ومتحضر، ولكن أيضاً شرطاً أساسياً لخلق الازدهار والحضارة.



حول هذه القصة

القضايا الاقتصادية لم تعد المحرك الأساسي للمحادثات التجارية بين الصين وأمريكا، بعد أن أظهر الجانبان مرونة كافية بالتعامل مع تأثير التعريفات الجمركية التي كانت الشرارة الأولى لاندلاع الحرب التجارية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة