ماوريسيو ساري.. المحاسب الذي أصبح أحد أفضل المدربين بالعالم

مرحبا، أنا ماوريسيو ساري، رجل غريب العادات يعمل من الثامنة صباحا وحتى ميعاد العصر بروتين يومي داخل مطبات مصرف مونتي دي باشي بنابولي، أو بتدقيق أفضل بمدينة دييغو مارادونا، كانت الفكرة بداخلي حلما راودني كل دقيقة أراقبها في ساعة المصرف اللعينة التي تمر ببطء، أحسب كل لحظة وأنهي عملي مبكرا لأرحل تاركا البوابة مفتوحة إلى أقرب ملعب هواة، لا أطيق الانتظار حتى أصل مستعينا بأوراق مدونا عليها ملاحظات كثيرة. أكاد أنسى أن أخبركم بشيء مهم، أنا ابن عائلة محافظة ومثقفة، متزوج ومعيل، عملي في البنك كان معدا له من طرف والدي، ولكن حلمي الأكبر كان عكس توقعاته.

   

تمر الأشهر تباعا وأنا داخل المصرف، مجددا أراقب الساعة اللعينة، تصادف العقارب الثانية عشر ليلا في يوم من أيام السنة الثانية من الألفية الثالثة، حينها اتخذت قرارا لا رجعة فيه، سأتخلى عن كل شيء، سأواجه غضب العائلة. الزوجة، سأنحني دون كلمات، فقط لأنطلق نحو حلمي الذي راودني طيلة الوقت داخل المصرف، في اليوم التالي أقام أصدقاء ماوريسيو حفلة مغادرته للمصرف، كان رجلا عظيما، يتقن عمله، يقول أحدهم أن بقاء ماوريسيو كمصرفي كان ليجعله أعظم محاسب في إيطاليا، ولكن الأقدار شاءت أن ينتقل من عالم الحسابات الضيقة في المصارف المغلقة، إلى عالم آخر لا يقل حسابات ضيقة عن العمل السابق.

 

كان الأمر أشبه بحلم، في عالم مواز لعالمي السابق، أجد نفسي أمام الأمر الواقع، الطريق غير مفروش بالورود، البداية هنا تنطلق من خلفيات مدرجاتها غير متسعة، وجمهورها أقرب إليك من مباريات الدرجة المحترفة، هنا الخطوط أضيق مما تتوقع، وتلقين اللاعبين لأفكارك صعب إدراكه من مشاهد عادي، صديقي فرانشيسكو كالسونا لم يعتد على هذه الأجواء، بائع القهوة المتجول في أنحاء المدينة القديمة كان هادئا، تعارفنا قبل زمن غير هين، نقلته ليشغل ساعدي الأيمن في سانسوفينو، في مرحلة وجيزة أصبح يطلق صرخات، لقد تحول من قهوجي هادئ إلى رجل صاخب.

   

  

طيلة عشرين سنة اشتهرت في الدرجات الدنيا، منتقلا بين عديد أنديتها، لقد حققت نصف أحلامي، ألقي على كاهلي مسؤولية فريق كامل، كنت لاعبا في أحلامي حتى لا أنسى تذكيركم بالأمر، لقد اعتدت رؤية نفسي كمارادونا أو كفان باستن، ربما بيليه، كنت أفضل لاعب في أحلامي، عندما أستيقظ أصطدم بالواقع اللئيم، إنني الأسوأ على الإطلاق في ملامسة الكرة، لكنني أصبو إلى نقل أفكاري للاعبي بسلاسة مطلقة. أريجو ساكي كان معلمي، مراقبته لي في الدرجات الدنيا سيظل مشدودا في ذاكرتي، فخرا لي أن تلاحقني نظراته وأن تصل الأخبار بمتابعته لي، ومدحه لكرة القدم التي ألقنها لفريقي.

 

مرت الأيام الطوال لتكافئني بفرصة في إيمبولي، التجربة الأولى التي تضع إدارة ما في ثقتها لأطير بناديها نحو دوري الكبار، في إيمبولي لازمني لقب مستر 33، حولت الملعب إلى سينما تدور حوله مجموعة من الكاميرات الطوافة فوق أرضية الملعب، كل تفصيلة، كل نمط لاعب، وكل تحرك، يسجلان ليشاهدا لاحقا، القلم والورقة تلازمنني، والملاحظات لا تكف عن تدوين نفسها، خسرت تحدي الموسم الأول بالصعود، ثم انطلقت بفريق لا يقوى أحد على مجاراته في السيري بي إلى دوري الأضواء.

 

في السنة الأخيرة رفقة إيمبولي توجهت الأضواء نحوي، في مواجهتي ضد نابولي بينتيز ألحقت بهم هزيمة عجلت برحيل هذا الأخير، ربما إطاحتي بفريق مدينتي شكل بدايتي الحقيقية، بعد خمسة وعشرين سنة أستطيع أنا السيد ماوريسيو أن أقف على حافة ملعب السان باولو لأقود فريق مدينتي، في الجنوب المطل على البحر، عند الرقعة التي ترتفع كل الحناجر فيها صارخة باسم نابولي فريق المدينة الوحيد.

 

لا يكاد الجميع ينسى كرة القدم الجميلة التي قدمتها في نابولي، ابتكرت أكثر من خمسمائة تمرين، وأطلق على لعبتي طريقة ساري في لعب كرة القدم، في تلك الأيام التي نداولها بين الناس، عرفت أن مجازفتي بالخروج من عمل روتيني براتب قار جعلني أكتب اسمي بأحرف من ذهب.

  

لقد اخترت طريقي لوحدي منذ البداية، واليوم وبعد ثلاثين سنة من الإنتظار، من المعاناة، وسهر الليالي، ذلك المحاسب المغمور من مصرف مونتي دي باشي، المثير للسخرية، وغريب العادات، المدخن الشره الذي يصل مبكرا ويغادر بعيد العصر بدقائق، يحقق لقبه الأول بعد صراع طويل بين مجموعة من الأفكار، ليكتب في تاريخه الصغير، محاسب مدينة نابولي يحقق جزءً من أحلامه.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة