شعار قسم مدونات

التوحد وأنا (4).. "وطن عربي خالٍ من التوحد"

blogs أب

على مدى أشهر تعلقتُ بالقشة الجديدة التي وجدتها، قرأتُ معها ما يخطر وما لا يخطر على البال من كتب وأبحاث وتجارب الاخرين، ومواد منشورة حول علاقة التوحد بالزئبق والمعادن الثقيلة. وانهالت معها عشرات التساؤلات التي لم أجد لبعضها أي جواب! إذ لو صحت الفرضية، فمن أين تسمم ابني بهذه المعادن؟ ومتى حدث ذلك؟ وكيف استدل عليها وأعالجها؟ سرعان ما تكشف لدي أن الاقتناع بفرضية وقوف الزئبق وراء الإصابة بالتوحد، لم تكن سوى الحلقة الأسهل؛ حيث كانت الحلقة الصعبة هي إيجاد طريقة آمنة للتخلص من الزئبق!

 

عدت ثانية إلى الكهف، طواعيةً هذه المرة! مرّت بضعة أشهر أخضعت خلالها معظم الطرق المشهورة للتخلص من المعادن الثقيلة لكل المعايير العلمية والبحثية التي تعلمتها. أحيانا كنت أقطع عزلة البحث والقراءة وأسجد لله شكرا أن رسم لي مسار حياتي الأكاديمية على هذا النحو، مما زودني بعلم كافٍ، استطعت به أن أبحث بنفسي عن علاج لابني، وقد عصمني ذلك من بائعي الوهم؛ فقصص الإخفاقات باستخدام الطرق غير الآمنة كانت مروعة! في نهاية الشهور الأربعة لم تقوَ أي نظرية على الصمود أمام هذه المعايير إلا واحدة! "Andy Cutler Chelation Protocol".

 

بروتوكول آندي كاتلر يصف لك مراحل ثلاث للعلاج: مرحلة التحسن التدريجي؛ وتستمر عدة أشهر، ثم انتكاسة وظهور الأعراض القديمة ثانية عدة أشهر تستحقُ أن يطلق عليها مجازا "رقصة الزئبق الأخيرة"، ثم تحسن تدريجي ولكنه دائم هذه المرة

قبل أن أبدأ قررت أن أختبر وجود الزئبق ونسب المعادن الثقيلة لدي داود، عن طريق تحليل خاص للشعر من معمل تحاليل مشهور في أمريكا. أرسلت العينة فإذا بالنتيجة موافقة للفرضية؛ فالزئبق موجود فعلا، ونسب المعادن الثقيلة حقًا مرتفعة لدى داود! اختلطت مشاعري، هل أغضب وأنزعج لتسرب هذه المعادن السامة إلى جسد طفلي وعقله؟ أم استبشر أنني وضعت يدي على سبب إصابته بالتوحد! وها هي طريقة العلاج الآمنة صارت في اليد الأخرى.

 

كان شهر إبريل من عام 2018 شهراً مفصلياً في حياتي وحياة داود؛ حيث أدخلت قرار استقالتي المؤجل حيز التنفيذ، وشرعت في البدء بتطبيق بروتوكول آندي كتلر. بدأت مع داود رحلة العلاج الطويلة. فآندي كتلر "يبشرك" أن رحلة العلاج لن تقل عن ١٠٠ أسبوع، وقد تزيد عن ٣٠٠ أسبوع؛ أي قرابة الست سنوات. أسبوع وآخر بدأ داود يتحسن قليلًا، بعد شهر حدثت المفاجأة؛ فلأول مرةٍ منذ ولادته أشعرُ أن هناك صلةً حقيقية بيني وبين ابني.. التقت عيناي وعيناه لأول مرّة، كانت عيناهُ صافيتين.. غاية في الجمال.

 

في البداية كانت عيوننا تتلاقى مدة لا تتعدى الثلاث ثواني، لكنها كانت كالمعجزة. مشاعرُ عميقة تحرّكت فيّ لم أشعر بها من قبل، لا تقل ضجيجًا عن المشاعر التي سرت في جسدي عندما سمعت كلمة "بابا" لأول مرة. فقد كانت كافية لأن أغوص بعيدًا داخل عينيه الصافيتين وأن ألمس قلبه. هدية واحدة كهذه كانت تكفي لأن أزداد إصرارًا وأستمر. مرت ستة أشهر، وتوالت التطورات؛ ازداد وقت تركيز داود في اللعب وفي كل شيء. بدأ يعبر عن رغبته باختيار الطعام والشراب. فقد كنت قبل ذلكُ في توترٍ دائم؛ لأنني لا أعرفُ إن كان يحب شيئا ما أو لا، قبل أن أقدمهُ له.. كان تعبيرهُ عن الكرهِ لطعامٍ معين يتمثلُ بالرفضِ القاطع لتناوله. الآن صار لديّ هامش رفاهية لأعرف ما يحبه قبل أن أصنعه، وهو ما بعث سلوى عميقة لقلبي.

 

كما أنه بدأ يستجيب لبعض الطلبات؛ فحينما أطلب منه الذهاب للسرير وقت نومه يفهم ذلك ويمتثل. لا يمكنني أبدًا نسيان أول مرة طلب مني ألا اتركه ينام وحيدًا في فراشه وأن أنام بجواره، كنت قد هممت بالخروج من الغرفة حين نادى علىّ "بابا"، التفت إليه فأشار بإصبعه إلى الوسادة إشارة الواثق المعتد، وعندما فعلتُ إذا به يطبع قبلة على وجنتي، فلم أتمالك نفسي من البكاء فرحا. كانت تلك أول قبلة أربحها دون أن أطلبها منه.

 

مشاعرٌ عميقةٌ كانت تراودني تلك الفترة وآمالٌ عريضة حلّقتُ معها في السماء بأنني أستعيدُ طفلي من وحشٍ اختطفه، وأدخله عنوةً في عالم غريب. غير أن فترة التحسن لم تدم طويلًا، وإذا به ينتكس، وسرعان ما عدنا إلي نقطة الصفر ثانية، رجع خلالها داود لفرط النشاط وفقد كثيرًا من المهارات التي بدأ باكتسابها، وعدنا كأننا لم نبدأ رحلة العلاج أصلًا! وللمفارقة؛ لم تزعجني تلك الانتكاسة، فقد كنت أتوقعها بل أنتظرها بفارغ الصبر! فبروتوكول آندي كاتلر يصف لك مراحل ثلاث للعلاج: مرحلة التحسن التدريجي؛ وتستمر عدة أشهر، ثم انتكاسة وظهور الأعراض القديمة ثانية عدة أشهر تستحقُ أن يطلق عليها مجازا "رقصة الزئبق الأخيرة"، ثم تحسن تدريجي ولكنه دائم هذه المرة حتى الشفاء التام، أو اختفاء معظم أعراض التوحد.

 

كانت الانتكاسة أشبه بنفق لانهائي مليء بمنحنيات حادة تحجب الضوء القادم من آخره. غير أنها كانت بمثابة النبوءة أن الخلاص قاب قوسين أو أدنى. مضت أربعة أشهر ثقيلةٍ أخرى، وإذا بعيني تلمح شعاع ضوء أتى من بعيد، بدأت معه سلسلة "أول" لا تنتهي. "أول" جملة من كلمتين، من ثلاثة، "أول" مرة يردد ما يُقال له، "أول" مرة يعتذر أول.. أول. غير أن أحب "أول" إلى قلبي كانت عندما لاحظت أن داود بدأ يدرك حاجته للتواصل لأول مره؛ ولا أعني أنه بدأ يتواصل بل أدرك حاجته للتواصل. فقبل ذلك لم يكن معنيًا أصلًا بالتعبيرَ عن ذاته. اليوم يتماثل داود للشفاء ولله الحمد، شهور قليلة وتنتهي الرحلة. كنت قد عاهدت نفسي عندما أنتهي من الرحلة أن أنشر كل ما توصلت إليه للعالم العربي. فقد كنت حتى وقت قريب غريقًا، هذا الغريقُ اليوم نجا ويعرف جيدًا شعور الغارقين. غير أنني أدركتُ أن الانتظار قد يحرم الكثيرين من فرصة انتشال أطفالهم؛ فكانت ولادة مبادرة "التوحد وأنا"، وأمل آخر أطارده "وطن عربي خالي من التوحد".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.