نداء الذّات.. بين الصواب والخطأ

كثيرًا ما يتردد على الإنسان من الأعماق حيث القلب، نداء يكون على أفقٍ أبعد من الوحي، لكنه أقرب إلى النصح، يظهر حينًا، ويتلاشى حينًا آخر، تفهم طلاسم لغته الشعورية ليلًا، تجهل تفاصيله نهارًا، يهمس في أذنيك، يرشدك لصّواب، ينصحك في الصعاب. نعم، صوت خفي يتمْتم في الداخل، يحمّل معه تردّداتٍ قلْبيّةٍ دافئة، تمْتصّ زفرات الروح الباردة. وهناك نداء آخر يكون على أفق أبعد من الصواب، وأقرب إلى الخطأ، وهو نابع من سيّئةٍ كان زلفْها، أوْ سطْوة شيْطانيّة كان قدْ قذفها.

ومنْ هنا، في داخل كلّ منا وحْي قلْبي يحْمل الخيْر والشّرّ، فالخيْر هو الوحْي الّذي يقودك للصّواب في الكثير من الأمور ومصْدره البصيرة، فهي عيْن القلْب، كما أنْ البصر هو عين البدن -كما قيل- وعرف الجرجانيّ -رحمه الله- البصيرة على أنها قوّة القلب المنوّر بنور اللّه يرى بها حقائق الأشياء وبواطنها. وهي بمثابة البصر للنّفس يرى به صور الأشياء وظواهرها. وقال الكفويّ أيضًا في كتابه الكليات: "البصيرة هي قوّة في القلب تدرك بها المعقولات". قال تعالى: "إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ". ذكر ابْن القيم -رحمه الله- في كتاب (مدارج السّالكيْن)، وبعْض أهْل العلْم في تفْسيرهمْ لكلمة (المتوسّمين) تعْني المتفرسين، والفراسة منْ التفرس بالشّيْء، كالتوسم، وهي خاطر يهْجم على القلْب وهي بنفْس معْنى البصيرة، ويثب عليْه وثوب الأسد على فريسته. هذا أصْل اشْتقاقها، ولها أنْواع متعدّدة تخْتلف باخْتلاف الأشْخاص، والأحْوال، وقوّة القلْب وصفائه، وقوّة الإيمان وضعْفه. قال الشّيْخ فرْحات السعيد المنجي. وهو منْ علماء الأزْهر: "إنّ المؤْمن إذا رأى أحدًا فأنّه يسْتطيع أنْ يعْلم بواطن الإنْسان الّذي أمامه بنظْرةٍ ثاقبة، وهذا منْ غيْر أنْ يعْلمه أحد بهذه البواطن". فالنّظْرة الثّاقبة هنا تتجلّى منْ وحْي بصيرة المؤْمن قوي الأيمان. صنّف ابْن القيم -رحمه الله- هذه الفراسة والبصيرة لعدّة أصْنافٍ، أرى أنّه لا داعي لذكْرها، فالحديث فيها يطوْل.

إنْ كان هذا الوحْي موافقًا للأوامر والنّواهي الرّبّانية، ويعزّز الأبْعاد العلْميّة والرّوحيّة والاجْتماعيّة؛ إذًا فهو وحْي نابع منْ فراسةٍ صادقةٍ، وبصيرةٍ ثاقبةٍ، متولّدة منْ قوّة الإيمان

أمّا الشّر فهو الوحْي الّذي يقودك للخطأ، بلْ لخيباتٍ مصيريّة لا سبيل لنكْرانها. ومصْدر هذا الشر هو الشّيْطان والنّفْس. قال تعالى محذّرًا منْ خطوات وصوْت الشّيْطان: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ". وقال تعالى أيْضًا على لسان امْرأة العزيز مبيّنة خطورة النّفْس الأمّارة: "وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ". لكن كيْف يمْكن التّفْريق بين تمْتمات الصّوْت النّابع منْ البصيرة، والصّوْت النّابع منْ الشّيْطان والنفس الأمارة؟! هنا تتجلّى الفطْنة والدّهاء بكلّ تفاصيلها ودقّتها. لأنّ كلّ صوْتٍ يلْزم الدّخول في محطّاتٍ اسْتفْهاميّةٍ مركّبةٍ، وأوْلويّاتٍ دقيقةٍ مفصّلة عليْنا أنْ نجيب عليْها كلّها، ونضعها على ميزان القلْب والعقْل معًا، لنميّز هلْ هذا الصّوْت وحْي صحيح نابع منْ بصيرةٍ ثاقبةٍ، أمْ وحْي خاطئ نابع سطْوة جائرة.

إنْ كان هذا الوحْي موافقًا للأوامر والنّواهي الرّبّانية، ويعزّز الأبْعاد العلْميّة والرّوحيّة والاجْتماعيّة؛ إذًا فهو وحْي نابع منْ فراسةٍ صادقةٍ، وبصيرةٍ ثاقبةٍ، متولّدة منْ قوّة الإيمان، وإنْ كان هذا الوحْي مخالفًا لهذه الأوامر الرّبانية، بلْ ويثير نشْوة النّفْس وشهواتها، كالأكْل والنّوْم واللّعب والجنْس والسّهر والكسل.. إذن فهذا بلا شكٍّ وحْي نابع منْ السّطْوة الجائرة، وهي متولّدة منْ ضعْف الإيمان. فإنْ كانتْ كفّة الأولى هنا هي الرّجحة فصْغي لها لتبْلغ شعْف جبال الهدى؛ لأنّها بصيرة منْ نور الملك سبْحانه قدْ قذفها الله في قلْب قويّ الإيمان، بيْنما إنْ كانتْ كفّة الثّانية هي الرّاجحة فصرخ في وجْهها لكيْ لا تهوّي بك في مواقع القطر؛ لأنّه ظلام قدْ قذفه الشّيْطان والنّفْس في قلب ضعيف الإيمان.

كلّ إنْسانٍ فينا يمْلك هذه الأصْوات، لكن دقّتها وفاعليّتها تخْتلف منْ شخْصٍ لآخر؛ ويرْجع ذلك لنوْعيّة البيئة الّتي تنْمو فيها هذه الأصْوات، ومدى العناية بها. فإنْ كانتْ المدخلات القلْب إيجابيّة، كالأعْمال الرّوحيّة الخالصة لله سبْحانه، منْ صلاةٍ وخشْيةٍ وتأمّلٍ وقيامٍ وتهجّدٍ وجهادٍ وبرٍ وصدقةٍ وإحْسانٍ وقراءةٍ للقرْآن؛ فأبْشر بصوْتٍ طيّبٍ أصْله ثابت وفرْعه في السّماء يؤْتي أكله كلّ حينٍ، فالصّوْت النّابع منْ ذبْذبات لسان البصيرة الّتي تقودها هذه الرّوح تؤدّي لنصح العقْل والقلْب معًا، حتّى وإنْ طغى الجسد! فلا بصيرةً تكاد تخْطئ. أمّا إنْ كانتْ المدخلات سلْبيّة نابعة منْ أعْمال الهوى والشّيْطان، كالظّلْم والمكْر والبغض والحسد والكذْب والرّياء والغيْبة والنّميمة، وكلّ آفات القلْب وحشراته الضّارّة؛ فوا أسفاه، حينها على صوْتٍ طيبٍ تلاشى نوره فماله منْ قرار، وأعانك الله على صوْتٍ خبيثٍ اجْتثّ منْ فوْق القلْب بظلامٍ بتّار. قال تعالى مبيّنًا آثار منْ اتّبع هوى النّفْس: "أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنبَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ". ذكر عمرو بن نجيد: "أنه كان شاه الكرمانيّ حادّ الفراسة لا يخطئ، ويقول: من غضّ بصره عن المحارم، وأمسك نفسه عن الشّهوات، وعمّر باطنه بالمراقبة وظاهره باتّباع السّنّة، وتعوّد أكل الحلال لم تخطئ فراسته".

هناك نماذج كثير لنداء الذات، فقد ذكر في تفسير القرطبي أنه روي أنّ عمر بن الخطّاب -رضي اللّه عنه- دخل عليه قوم من مذحج فيهم الأشتر، فصعّد فيه النّظر وصوّبه وقال: أيّهم هذا؟ قالوا: مالك بن الحارث، فقال: ما له قاتله اللّه، إنّي لأرى للمسلمين منه يومًا عصيبًا، فكان منه في الفتنة ما كان. نداء الذات الطاهر هذا الذي تجلى لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فتح له آفاق الفكر، وكشف له خبايا ذلك القلب فتركه صلدًا؛ مما جعله يتوقع أفعال هذا الرجل النكرة. وذكر ابن القيم في كتاب (مدارج السالكين) أن ابن مسعود -رضي اللّه عنه- قال: أفرس النّاس ثلاثة: العزيز في يوسف، حيث قال لامرأته (أكْرمي مثْواه عسى أنْ ينْفعنا أوْ نتّخذه ولداً). وابنة شعيب حين قالت لأبيها في موسى: (اسْتأْجرْه)، وأبو بكر في عمر -رضي اللّه عنهما- حيث استخلفه، وفي رواية أخرى: وامرأة فرعون حين قالت: (وقالت امْرأت فرْعوْن قرّت عيْنٍ لي ولك لا تقْتلوه عسى أنْ ينْفعنا أوْنتّخذه ولداً).

واعلم جيدًا أيها التواق، إن قلب المؤمن الطاهر أثناء سيره في محراب الحياة ومناكبها المتقلبة، لا بد له أن أحيانًا يبلغ مرتبة الكرامات، أو بعبارة أخرى معرفة ما وراء الأشياء، لا نقل أنها خصلة كاملة من مراتب النبوة، ولا صفة ملائكيّة، لكنها درجة متعالية من درجات الإيمان المطلق، فهو مقام سامي لا حد له، ولا يصل إليه الكثير من الناس بهذه السهولة التي نعتقد، فمن يبلغ هذه المنزلة يسمو سموًا روحيًا، وينشرح انشراحًا ذاتيًا، فيرتقي في آفاق النفس وأبعادها الخفية، حيث تنجلي له ستارة الأشياء، وتنكشف له قلوب الناس، وتنفك له عقد المشكلات، فيصبح أكثر اتزانًا على صعيد الفكر، والمبادئ، والعلاقات، وحتى لأهداف الإسلامية العامة، والذاتية الخاصة، بما يخدم مشروع النهضة الأممية الغائبة. وضع الله -عز وجل- هذه الكرامة التي خص الله به قلب المؤمن قوي الأيمان، لتكون بمثابة شحنة إضافية تعين الإنسان على فض غبار الحياة المتراكم على رفوف عقلك، وترتيب بعض تفاصيل الحب التي تعتري قلبك، مما يعين المؤمن على إدامة السير والمضيّ قدمًا؛ لتحقيق الغاية العظمة من وجدوه على هذه الأرض.

فيا عاشق الوصول، كنْ في محراب العشق وتعرض لنفحة ربانية، ثم اصغي لصوت طفولي في روحك البرزخية، ودع ما يريب براءة قلبك الدافئة وارحل، واسْدل نداء الذات على سفينة العشق تلك، وخض غمار النفس في بحر القرب، حيث الأصوات الطاهرة، حيث التمتمات الصادقة، حيث الطريق الصحيح، حيث أنت وهم، فما خلقت لتسجن في مدينة حلمٍ شفى ذبولًا، بل خلقت لتعشق، والعشق عظيم في محراب قلب عطره يفوح صعودًا.



حول هذه القصة

السعادة تنطلق من الذات وليس من العلاقات، ثم تنتشر للعلاقات، أي أنها تنتشر من المركز إلى المحيط وليس بالعكس، لأنك أنت المركز والعلاقات هي المحيط، فانعم بالسعادة لمفردك.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة