مقومات ومعوقات التغيير الحضاري في المجتمعات العربية

قبل الحديث عن موضوع التغيير الحضاري يجب علينا أن نتساءل: هل نمتلك مقوماتِ مجتمعٍ مُؤَهّلٍ للتغيير الحضاري؟ ولا شك أن هذا السؤال يدفعنا للبحث عن شروط قيام مجتمع وظيفي يستجمع مقومات النهضة والبناء، وكذا معرفة علل العجز الحضاري التي تعيق مجتمعاتنا العربية عن أي تغيير وارتقاء؟ لقد قدم المفكر الجزائري مالك بن نبي رحمه الله توصيفا علميا لشروط قيام المجتمع، مستندا في ذلك على استقراء تجارب الأمم والحضارات، فهو يعرف المجتمع بأنه:"ليس مجموعة من الأفراد بل هو تنظيم معين ذو طابع إنساني يتم طبقا لنظام معين." ثم شرح هذا النظام مبينا أنه يقوم على عناصر ثلاث:
1- حركة يتسم بها المجموع الإنساني.
2- وإنتاج لأسباب هذه الحركة.
3- وتحديد لاتجاهاتها.

ثم شرح هذه الثلاثية في تعريف آخر للمجتمع: "هو الجماعة التي تغير دائما خصائصها الإجتماعية بإنتاج وسائل التغيير مع علمها بالهدف الذي تسعى إليه من وراء هذا التغيير". (1). ومن الوهلة الأولى نلاحظ أن مالك بن نبي يفرق في تعريفه للمجتمع بين مفهومين أساسيين وهما "المجتمع" و"الجماعة أو مجموعة أفراد"، فيُعتبر "مُجتمَعًا" كل جماعة منظمة ذات أهداف محددة وتتسم بالفاعلية وهي التي عبر عنها "بالحركة" التي تُمِدّهَا بالاستمرارية والتطور والإرتقاء، ويوضح ذلك أكثر بقوله: "إن كل جماعة لا تتطور ولا يعتريها تغيير في حدود الزمن تخرج بذلك عن التحديد الجدلي لكلمة مجتمع". (2)، فهنا يعتبر مالك بن نبي أن التغيير والفعالية المجتمعية عبر مراحل التاريخ هي أحد أهم محددات الدلالة الإصطلاحية لمفهوم "المجتمع" وهو ما عبر عنه بالحركة التي تتولد من مقوماته وروابطه الإجتماعية ومنظومته القيمية والفكرية وما يزخر به من علوم وفنون، وبحسب قيمتها الوظيفية تتحدد حركية المجتمع واتجاهه نحو التعمير والبناء والتطوير والإرتقاء أو عكس ذلك تماما، فكما أن هناك قيم تدفع نحو البناء (الحركة الإيجابية)، هناك أيضا قيم تدفع نحو الهدم والخراب (الحركة السلبية).

مجتمعاتنا العربية لا زالت محكومة بعوائد وأفكارٍ سلبية تَحدّ من فعاليتها وقدرتها على التأثير في مجرى التاريخ وإحداث نقلة نوعية في الفكر والفعل الحضاري، ويعود ذلك إلى بعض السلوكيات السلبية

ولبيان أهمية هذه السّمَةِ في بنية المجتمع ووظيفته؛ ميز مالك بن نبي بين المجتمع الحيواني والمجتمع البشري، من حيث طبيعةُ أهداف كلّ منهما، فإذا كان الهدف من المجتمع الحيواني المحافظة على النوع Type، فإن الهدف من المجتمع البشري أسمى من ذلك؛ إنه الإرتقاء والبناء الحضاري والتجديد، يقول مالك بن نبي:" فإن الطبيعة تأتي بالفرد في حالة بدائية ثم يتولى المجتمع تشكيله ليُكيَّفَ طبقا لأهدافه الخاصة وهذا المعنى الذي يقصد إليه رسول الله ﷺ بقوله: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجِّسَانِهِ" (3)، ويقول بن نبي مُسْتَطْرِدًا: "إن الطبيعة توجد النوع (الأفراد) ولكن التاريخ يصنع المجتمع، وهدف الطبيعة هو مجرد المحافظة على البقاء، بينما غاية التاريخ أن يسير بركب التقدم نحو شكل من أشكال الحياة الراقية، وهو ما نطلق عليه إسم الحضارة". (4).

وفي سياق متصل يشير بن نبي إلى شرط الفعالية داخل الزمن قائلا:" ينبغي أن نحدد (المجتمع) في نطاق (الزمن)، فتجمعات الأفراد الذين لا يعدّل الزمن من علاقاتهم الداخلية، ولا تتغير نشاطاتهم خلال المدة لا تعدّ من التجمعات الخاصة التي نقصدها بمصطلح "مجتمع"، فالمعيار المعتمد لا يستند إلى الجانب الكمي (أكداس من الأفراد) فنسمي كل تكديس بشري مجتمعا". (5). ويقول منبها إلى الدور الوظيفي للمجتمع: "أما المجتمع الذي يقوم بوظيفته التاريخية، المجتمع الذي يقوم بوظيفته نحو الفرد ويحقق راحة الفرد.. فهو ليس عددا من الأفراد، وإنما هو شيء خاص، هو بُنْيَانٌ وليس تَكْدِيسًا من الأفراد، بنيان فيه أشياء مقدسة متفق عليها". (6).

ويُعضّد مالك بن نبي رؤيته لمفهوم المجتمع في تماسكه البنيوي وانسجامه الوظيفي وفعاليته الإيجابية بحديث النبي ﷺ المشهور بحديث السفينة حيث قال: "مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا؛ كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِن الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا". رواه البخاري. وبعد إيراد هذا التأصيل العملي لمفهوم "المجتمع" وأدواره الحضارية؛ نود القول أن مجتمعاتنا العربية لا زالت محكومة بعوائد وأفكارٍ سلبية تَحدّ من فعاليتها وقدرتها على التأثير في مجرى التاريخ وإحداث نقلة نوعية في الفكر والفعل الحضاري، ويعود ذلك إلى بعض السلوكيات السلبية التي لا تزال متأصلة في الفعل والضمير الجمعي، والعلاقات الاجتماعية وأنظمة التفكير والممارسات السلبية، التي تعيق حركية التغيير الحضاري وتحدّ من فعاليته في مجتمعاتنا فتصيبها بالوهن والعجز النفسي، وأبرز هذه العلل:

1- سيادة المنطق الشعبوي الغوغائي على العقلانية والبراغماتية العلمية.
2- عدم التخلص من ثقافة المنقذ والرجل الخارق والشخصية المحورية حتى عند بعض النخب.
3- التعصب المقيت للآراء والمذاهب وغياب أدب الإختلاف فضلا عن التعايش الحضاري.
4- تمكّن العقلية العشائرية وتغليبها على المشترك الوطني والمصلحة العامة.
5- غياب التفكير المنهجي المنظم والمنضبط وطغيان الإعتباطية والإرتجالية والاقتصار على ردة الفعل.
6- سيادة المنطق التبريري لمرض العجز الذاتي، والمواقف العدمية أي انتشار السلبية والاقتصار على التوصيف دون اقتراح الحلول.
7- وَحْدَوِيّةُ وسُلْطَوِيّةُ التفكير الذي يتولد عنه "المنطق الأحادي الإقصائي".
8- القيم السلبية الموروثة التي كبلت إرادتنا الجماعية كالغرور، الأنانية، التعالم، الإستعلاء، الإنّية والذاتية… (الأفكار الميتة والمميتة).
9- طغيان النزعة الذَّريَّةِ على التفكير(كما يقول بن نبي)، أي غياب التحليل المتكامل، والنظر للمشكلة من زاوية واحدة دون استجماع كافة الأبعاد والأسباب.
10- سيادة المنطق الحَدّي المتطرف وغياب الوسطية والاعتدال في الفعل أو الترك.
11- القدرية والإتكالية على الآخر وغياب روح المبادرة.
فلا يمكن لمجتمع أن يتنسم قمة الحضارة ويلحق بركب الأمم الرقمية والحضارة التكنولوجية والذكاء الصناعي والجودة الشاملة والتنمية والرفاه؛ بمثل هكذا بضاعة المزجاة!.. قال تعالى: "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ"، الرعد (11)، غير نفسك تغير التاريخ! كما قال مالك بن نبي رحمه الله.
—————————————————————————————————————
المراجع:
1. مالك بن نبي، ميلاد مجتمع.تر: عبد الصبور شاهين، الجزائر: دار الوعي، 2013، ص17.
2. المرجع نفسه، ص16.
3. مولاي الخليفة لمشيشي، مالك بن نبي دراسة استقرائية مقارنة. دمشق: دار النايا، ط1، 2012، ص 117.
4. مالك بن نبي، المرجع السابق، ص 19.
5. مولاي الخليفة لمشيشي، المرجع السابق. ص117.
6. مالك بني نبي، تأملات. دمشق: دار الفكر، 2002، ص157.



حول هذه القصة

يمكننا القول أن تعريفنا للمحافظة يختلف كثيرا عن تعريف الغرب لها. عندما نسمع كلمة المحافظة فإن لاوعيننا يذهب مثلاً إلى العصر النبوي أو العهود التي كان لنا فيها صولة وجولة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة