مبادرة المعتقلين في سجون النظام المصري والحل المجتزأ

التعامل مع المصادر له أصول مهنية، قد يجهلها البعض وقد يتغافل عنها آخرون، والمتلقي لا يجب أن يكون بالضرورة من أهل الاختصاص لكي يُعمل هذه الأصول، وغالبا ما يتعامل الخواص قبل العوام من دوافع سياسية تبتعد عن المصداقية أو التجرد لتثبيت فكرة يؤمنون بها أو موقف ينطلقون منه أو مصلحة يريدون تحقيقها، فبحسب القواعد المهنية في التعامل مع المصدر يجب أن ينسب الخبر إلى مصدر معلوم وموثوق به، والاستثناء هو الامتناع عن نسبة الخبر إلى المصدر إلا لظروف خاصة منها أمن المصدر، ويحترم حينها رغبة المصدر في عدم الرغبة في الكشف عن هويته، لكن ذلك الاستثناء يقتضي التأكد من دوافع المصدر في عدم الكشف عن هويته، لذا فبغض النظر عن صحة الخبر الذي حمل مبادرة المعتقلين في سجون النظام في مصر من عدمه، وبغض النظر عن اللغط الذي صاحب تلك المبادرة يجب الوقوف عند بعض دلالات تلك المبادرة وما صاحبها، للتأكيد على بعض النقاط وتشخيص الحالة الثورية المصرية بعد ست سنوات من انقلاب المجلس العسكري على الشرعية الثورية.

    

منذ أيام والجدل لا يتوقف حول تلك المبادرة التي حملتها قصاصات تم تسريبها من معتقلات النظام المصري، والتي تضمنت محاولة لتحريك المياه الراكدة لاسيما وأن المعتقلين يتم التضييق عليهم من قبل النظام وأذرعه الأمنية والقضائية وتساهم أجهزته الإعلامية في بث حالة من الإحباط بين صفوف المعتقلين وذويهم، وهو ما حدا بـ 1350 شابا من معتقلي الرأي في سجون النظام إلى التوقيع على مبادرة للخروج من الوضع الحالي، ونصت المبادرة فيما نصت على تعهد بعدم المشاركة السياسية والدعوية وحتى الخيرية مطلقًا، مع فتح الباب أمام الأجهزة الأمنية إلى اتخاذ كل التدابير اللازمة للتحقق من تنفيذ ذلك، وكبادرة حسن نية نصت المبادرة على دفع كل معتقل دية قدرها 5 آلاف دولار تودع في حساب تحيا مصر، وعلى الرغم من أن الموقعين على المبادرة أكدوا أنها شبابية مستقلة وليس لها أي علاقة بأي جماعة أو حزب، إلا أنها وجدت رد فعل متشنج من الجماعة الأكبر في الفصيل الثوري، وفتحت بابا للجدل بين أعضائها، وهو ما أراه حالة صحية، لكن لقيادات الجماعة، بحسب متابعتي، رأي أخر.

  

رسائل الخارج، فكانت محبطة بشكل كبير للمعتقلين، حيث مبادرات بلا جدوى، واصطفاف بلا معنى، حتى صار الاصطفاف هو هدف لا وسيلة

عود على المبادرة ونصوصها، ومع تأكيد البعض لي أنها حقيقية وليست من بالونات الأمن، كما يرى البعض، وذلك بعد أن سمى لي بعض أسماء المشاركين فيها ممن يعرفونهم شخصيا، فإنه بات، من وجهة نظري، من الواجب الوقوف على بنود تلك المبادرة ومناقشتها، محكمين في ذلك صوت العقل وقواعد التجرد.

  

العامل النفسي يقف حائلا بين متلقي المبادرة ومطلقها، فما يلاقيه المعتقل داخل السجون يدفعه للخلاص مما هو فيها بأي ثمن لاسيما وأن النفق لا يظهر أي بصيص نور ومن ثم لا يرى لها آخر، وهو عامل مهم في إطلاق المبادرة، وهنا يجب الوقوف عند تعامل القوى الثورية مع معتقليها، ومدى الدعم النفسي الذي كانت تقدمه لهم خلال السنوات الماضية، سواء في الداخل أو الرسائل المرسلة من الخارج، لقد مرت المقاومة السلمية المصرية على مدى تاريخها مع العسكر بمحن طويلة، ثبت فيها المعتقلون وانتصروا في النهاية وانتصرت الحرية رغم بطش النظام، بفضل الدعم النفسي الذي يتلقونه من زملائهم في الداخل.

   

أما رسائل الخارج، فكانت محبطة بشكل كبير للمعتقلين، حيث مبادرات بلا جدوى، واصطفاف بلا معنى، حتى صار الاصطفاف هو هدف لا وسيلة، كما أن الخلافات التي تسري في الجسد الثوري وفي القلب منها جماعة الإخوان سربت مزيدا من اليأس للثوار فما بالنا بالمعتقلين، فبشريات الحراك منذ اليوم الأول لم يستطع من يقود المشهد توجيهها بالشكل الذي يحقق ولو أوراق ضغط يمكن أن تستخدم في مراحل لاحقة إن لم تحقق أهدفها في حينها، وحتى الملف الحقوقي كان دوما رد فعل على جرائم النظام، في ظل إعدامات كانت دوما رسائل موجهة للداخل أكثر منها للخارج، فالرعب الذي يعيشه المعتقلون من استدعائهم في قضايا ملفقة تأخذهم إلى حبل المشنقة تجعلهم مدفوعين للخلاص بأي شكل، فالغرب مدعي حقوق الإنسان تخلى عن إنسانيته مقابل رشاوى قدمها النظام في شكل تنازلات أو استثمارات أو صفقات سلاح، مع وعد دائم بحماية الكيان الصهيوني وتمرير صفقة القرن، ما أفشل حراك العلاقات الخارجية للمقاومة المصرية، الذي لو استثمر مع بداية الانقلاب لغير وجه القضية.

 

في ظل كل ما تقدم يبرز السؤال الأهم: هل إخراج المعتقلين أولوية؟ والإجابة التي لا يريد أحد أن يجيب عليها، أو أجاب بإجابات غير شافية، هي بالطبع لا … قد أكون صدمتك لكنها الحقيقة، كما أن الحقيقة أن الكل يتهرب من القضية الرئيسية لقضايا فرعية وإن كانت مهمة كقضية المعتقلين.

 

القضية الرئيسية هي الإفراج عن مصر، والنتيجة الحتمية لذلك هي الإفراج عن المعتقلين، لقد تركزت خطة النظام من أول يوم على القبض على أكبر قدر ممكن، ولا يزال، من الثوار حتى يكونوا ورقة تفاوض، وتحولت الخطة بعد ذلك، إلى أن تكون ورقة المعتقلين هي الورقة الرئيسية بعد بث الإحباط في نفوس المقاومة ورفضه المستمر لأي وساطة وأي مبادرة، والتي بدأت بمبادرة حكماء إفريقيا في الأيام الأولى من الانقلاب وحتى يوم الناس هذا، وهو ما يضع المقاومة الثورية في ركن ضيق يريد تحقيق أي انجاز فيه، ومن ثم تحولت القبلة باتجاه الحل الحقوقي وتوجيه الجهود نحو المعتقلين، وفي ظل شبه الاتفاق الدولي لتصفية القضايا العالقة في المنطقة والتي أحدثتها ثورات الربيع العربي فإن الحلول الجزئية ستكون خيار المرحلة، ومن ثم فإن سيناريو تصفية القضية السورية الذي بدأ منذ ثلاث سنوات بشكل مدروس ويشارك فيه الجميع بلا استثناء والذي يهدف في النهاية إلى إقصاء التيار الإسلامي من المشهد، وتحويل المشهد الثوري إلى أزمة إنسانية لا أزمة حريات ورفع ظلم، يتكرر بإصدار أخر تم تعديله ليوافق الأزمة المصرية، والمشكلة أن تعاطي من يقود المشهد الثوري المصري ليس ببعيد عما كان من "ملوك الطوائف" في سوريا، وفي القلب منهم ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية.

 

الحل يكمن في إعادة نظر قيادة المعارضة في تعاطيها مع الأزمة، أو إعادة نظر أصحاب الأزمة في قيادتها، لقد آثرت، عقول واعية بروح تواقة للحرية ومدركة للصورة الكلية للمشهد وتعرف مكامن قوة المقاومة السلمية وتعرف نقاط ضعف الخصم، آثرت الانسحاب من المشهد، يجب الآن إعادتهم والاستعانة بهم وفتح الباب أمام الشباب ليتولوا مهاما لا يستطيع غيرهم القيام بها وترك مساحات تحرك أكبر بالتحرر من قيود نفرضها على أنفسنا لا يقيدنا بها أحد، فالوقت سلاح يقطع من أهمله، والسماء لا تمطر نصرا، إنما تنصر من خطط وعمل.



حول هذه القصة

اليوم يكفي أن تنظر حولك لتدرك الحقيقة المرة، كل المصريين عالقون في دم المذبحة، جميع أطراف الأزمة غارقون فيه حتى التراقي. طعم الدم في كل خبز، ورائحته خلف كل باب.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة