في لبنان.. الحرية تلفظ أنفاسها الأخيرة!

هو تلك المساحة الصغيرة على خارطة الشرق الأوسط، التي تحمل كل التناقضات منذ تأسيسه وحتى تاريخ اليوم. تلك المسافة التي اختلط ترابها بدماء أبنائها، في حروب عبثية، انقسامية، طائفية، حزبية.. حيث حَملتْ ثماني عشرة طائفة طموح الإمساك بزمام الأمور.. فتحوّلت السياسة الداخلية من نظام يُفترض أن يكون برلمانياً إلى نظام مركّب بين فيدراليات طائفية ومناطقية، كلّ منها يخضع لوصاية دولة خارجية.. وما زال البعض يهتف: حرية، سيادة، استقلال.

أيّ سيادة؟ داخل فيدراليات ومربعات أمنية؟ حيث لا يجرؤ على دخولها "صبي أرغيلة" دون موافقة خطيّة مسبقة؟ أم مؤسسات حكومية "موزّعة" بين الطوائف، بين فئة أولى وثانية وثالثة.. ومُواطن درجة عاشرة لم تسنح له فرصة الدخول سباق الطوائف، أو ربما سنحت له الفرصة لكن قرار توظيفه يقبع في "الأرشيف" ريثما تجد الأحزاب مخرجاً لضمان مبدأ المناصفة الإسلامية-المسيحية العظيمة والتي لطالما كان من شأنها أن تضمن سلامة واستقرار الداخل اللبناني.. الذي هو عرضةً لا قدّر الله، للانفجار إذا ما أُعطي صاحب الكفاءة الفرصة التي يستحقها والحياة التي ينتظرها!

وماذا عن الاستقلال؟ تشرين الثاني من كلّ سنة، نحتفل بعيد الاستقلال. وربما تلك كانت المناسبة الوحيدة التي نستمتع بها بالعروض العسكرية طالما أن طريق ضبية-الدورة سالك.. ولم يخطر ببال أحدهم أن يستعرض عضلات أبطاله في منتصف النهار أمام آلاف من السيارات الهاربة.. لأنّ العصب الوطني لن "تشدّه" سوى استعراضات بهلوانية وزحمة سير خانقة. نكاد أن نفتقد زحمات السير أحياناً.. من غير المنطقي أن تمرّ ستّ ساعات دون زحمة، أو انقطاع في التيار الكهربائي.. فهنيئاً لنا هذا الاستقلال.. وربما سيكون احتفال العام القادم في شبعا.. أو كفرشوبا.. أو ربما في ساحة مدرسة حكومية دون إذن مُسبق من "بوّاب المدرسة".

في ميدان العمل.. عملتُ في منطقة غريبة عنّي، وكانت مديرة الموارد البشرية تناديني "برمز المنطقة" التي جئتُ منها.. وهذا أبسط ما واجهتُه في الفترة تلك.. واستمرّ الضغط حتى اضطررتُ أن أقدّم استقالتي والانعزال لمدّة عام كامل

والآن ماذا عن الحرية؟ فيما سبق، كنت أجتمع وزملائي تحت شجرة معمّرة في حرم الجامعة، وأخبرهم عن المظاهرة "الفلانية" والوقفة الاحتجاجية.. والاعتصامات التي شاركت بها.. وفي عيوني بريق الفخر والاعتزاز وبعض من الكبرياء.. وهم يكتفون بالنظر إلى بعضهم بعضاً.. وكأنهم يهابون الكبرياء.. وما وراء الجدران.. اُصبت بالغرور لدرجة أنني أشفقت على حالهم.. كنت يافعة جداً.. ومراهقة مندفعة نحو كلّ شيء.. لكن اليوم، وبعد الخوض في ميدان العمل والدراسة في مناطق لبنانية مختلفة، أدركت أنني سجينة، مع احتفاظي بحقّ التصويت وحتّى إشعار آخر.

الجامعة كانت أول سجن.. الصرح العظيم، الذي "يخرّج" في كلّ عام الطبيب والمهندس والمحامي.. والعاطل عن العمل.. حينها دخلتُ حاملةً في جعبتي الكثير من الأحلام الوردية، إلى أن ارتطم دماغي بأول حائط طائفي، وواسطة حزب، وصلة قرابة.. هنا أدركت بأنني قد أكون محظوظة، أو قد يرافقني سوء الحظّ حتّى آخر عام دراسي.. هذا إن تمكنت من الصمود حتى آخر عام. لن أكمل إلامَ وصل بي الأمر لأنّ المقال قد يُستخدم ضدي وقد أُحرم نهائياً من فرصة استكمال دراساتي العليا.. كما حصل مع الكثير قبلي.. لن أساوم على ما تبقّى من أحلامي…

ثمّ في ميدان العمل.. عملتُ في منطقة غريبة عنّي، وكانت مديرة الموارد البشرية تناديني "برمز المنطقة" التي جئتُ منها.. وهذا أبسط ما واجهتُه في الفترة تلك.. واستمرّ الضغط حتى اضطررتُ أن أقدّم استقالتي والانعزال لمدّة عام كامل كي أخرج من حالة الغضب المستمرّ، التي ما زلتُ أعانيها حتّى اليوم.. بدأتُ من جديد بعد مدة طويلة، وحالياً أشعر ببعض الأمان.. لكن الخوف من الغد يعتريني، لأنّ مصيري مجهول بعد انتهاء المشروع الذي أعمل عليه. سأتردّد ألف مرّة قبل التقدّم لوظيفة.. ومن المؤكد أن البحث عن عمل يضمن كرامتي سيكون مهمّة صعبة للغاية..

أما حالات الاعتقالات على خلفية "بوست" أو مقال أو "تغريدة" أو هتاف أو حتى مُعتقد.. وحالات الطرد و"الاسكات"، والتي ازدادت في الآونة الأخيرة.. هي الأكثر خطورة.. وتطرح سؤالاً: هل تلفظ الحرية أنفاسها الأخيرة في لبنان؟ وهل كذبة النظام النسبي التمثيلي والانتخابات الديمقراطية والنظام السياسي الذي يفصل بين سلطات ثلاث.. وطوائف ثلاث.. مع الاحتفاظ بشخص واحد "مدى الحياة"، ستنطلي على المجتمع الدولي الذي يرمي رهاناته على الطاولة ويدعم حكومة متصدّعة بـ"سيدر" مراكماً المزيد من الديون والعبء على كاهل المواطن اللبناني "درجة عاشرة"؟

فهل أنا مُواطنة درجة عاشرة؟ وما نفع الخطابات المشتعلة والعهود القوية إن كانت بطاقة التأمين الخاصة بي منتهية الصلاحية؟ وما نفع صندوق الاقتراع والخمر المُتاح إن كان اليسار اللبناني مُحاصَر في ملهى ليلي، واليمين اللبناني في شارع، والمواطن اللبناني في زنزانة؟ ما نفع كلّ ذلك إن كنتُ حرّة بيني وبين نفسي ومقيّدة ساذجة أمام العالم بأسره.. والكلّ يسخر من مواطنيتي.. والمطامر تُحيط بي.. بحماية مشدّدة! والهواء في وطني يُباع بالدولار حين تكفُّ مافيات المصارف عن دعم الليرة اللبنانية؟
ما نفع أن أنادي بالحرية إن كانت حريتي على حساب كرامتي.. وإن كان سيزجُّ بي هذا المقال داخل أروِقة التحقيق أو في تقرير تلفزيوني هابط يتّهمني بالتواصل مع "كوليت"؟ أو في قارب نجاة أحاول الهروب مع آلاف الميؤوس من أمرهم نحو غدر البحر المتوسط.. آملة أن تعفو عنّي دول الجوار وتقيني رصاص خفر السواحل.. وتجنّبني الظهور في خبر الغد عن "عشرات المفقودين" بعد غرق قارب قبالة الشواطئ اليونانية..



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة