بارازيت.. عن عبثية الحياة وسطوة القدر

"لقد فقدنا صلتنا بالحياة إلى درجة أننا لا نملك أحياناً إلا أن نشعر بالاشمئزاز من "الحياة الحقيقية"، ولهذا فإننا نغضب حين يذكرنا الناس بذلك. لماذا، بل إننا ذهبنا بعيداً جداً في هذا، وصرنا ننظر إلى "الحياة الحقيقية" باعتبارها عبئاً ثقيلا"
– دوستوفسكي

يشرح قاموس علم الأحياء بأن الطفيليات parasite كائنات حية تعيش وتقتات على حساب كائن آخر يسمى المضيف، ويستغل الطفيلي مضيفه عبر استهلاك أكله وطاقته، يبدو إذن من التعريف المبسط للطفيلي بأن الامر يتعلق بكائنات لا ترى بالعين المجردة.. هذا صحيح نظريا، لكن المخرج الكوري "بونج جون هو" حين اختار اسم الطفيليات لفيلمه الجديد فهو بذلك يُعرف الطفيليات تعريفا مغايرا عبر فيلمه الذي حصد به السعفة الذهبية لمهرجان كان 2019 في انتظار اكتساح الأوسكار حسب عدة نقاد.

اختيار المخرج لهذا الاسم، ليس مجرد تلميح عابر لفكرة الفيلم بل يلخص به منظومة كاملة من العيش، فنحن نعيش داخل مجتمع رأسمالي صار فيه الإنسان طفيليا لأخيه الإنسان. في بداية الفيلم نتعرف على أسرة كي تايك التي تعيش جنبا لجنب مع الحشرات في قبو غير مرئي يراقبون الحياة من نافذة تحت أرضية لكن لا يبدو أن أحدا يلاحظ وجودهم لذلك جعل السكارى من نافذتهم مكانا للتبول، ودون ظهور أي علامات امتعاض على وجوههم، فقد ألفت الأسرة نمط العيش في الحضيض والقيام بطي علب البيتزا لصالح أحد المطاعم كعمل جماعي يلبي به أفراد الأسرة متطلبات عيشهم في الهامش.

ينتقل المخرج لوضع مقارنة بين العائلتين ومتطلباتهم في نقد واضح للتفاوت الطبقي للمجتمع الكوري والرأسمالي ككل، بإدراج عبارات عنصرية وجارحة غير مقصودة في حوارات الأسرة الغنية لتظهر ضرورياتهم ككماليات لدى الأسرة الفقيرة

من اللقطة الأولى، يرسل لنا المخرج إشارة لندرك أننا أمام طفيليات بشرية، فالابن يحاول البحث عن إشارة ويفي مسروقة تحت إلحاح الأم ومساعدة الأخت، ليجدها في نهاية المطاف في ركن حقير بالمرحاض يتطلب الجلوس بالقرفصاء لالتقاط الإشارة، ظروف مهينة للتمتع بأنترنت مجاني لكنها لم تظهر أي ردة فعل سلبية على ملامح الأسرة.. لندرك منذ البداية أننا أمام طفيليات تبحث عن حاجياتها بأي ثمن، تتطور الأحداث فتصيب عدوى الطفيليات عائلة فاحشة الثراء.

تبدأ الأحداث في التصاعد حينما يزورهم صديق ابنهم كي وو جالبا معه صخرة كبيرة تعود لجده يدعي أنها تجلب الخير للعائلة. سرعان ما يظهر الخير بعد عرض تلقاه الابن من صديقه القريب من الرحيل للدراسة كي يعوضه في تدريس اللغة الإنجليزية لإحدى الفتيات فاحشات الثراء، وقبل قبول العرض أكد الصديق بأنه مغرم في الفتاة وينوي التقدم لخطبتها بعد عودته من الدراسة بالخارج.

عدوى طفيليات غير مرئية

ينجح الابن في الحصول على الوظيفة بعد تزويره لشهادة جامعية، وهناك يقتحم عالم الأسرة الغنية التي تتكون مثلهم من أربعة أفراد، بالسماح للطفيلي الأول بالتسرب للأسرة يرسل المخرج إشارة أخرى تفيد بأننا بالفعل أمام طفيليات انتهازية تحكمها المصلحة، يظهر ذلك بعد التمادي في العلاقة بين الطالبة واستاذها لحد الوقوع في الغرام بالرغم من إدراكه أنها حبيبة صديقه. خطة بعد خطة، أبدع المخرج وكاتب السيناريو "جون بون هو" في نسج حبكتها تنجح الأسرة بالعمل كاملة داخل المنزل دون أن يدرك أصحابه أنهم أمام أسرة واحدة بل ظل اعتقادهم طيلة أطوار الفيلم بأنه لا قرابة بين أي أحد منهم، وبذلك تنجح العدوى في التشبت بمضيفها وتنفجر الدراما بالفيلم.

ينجح بونغ في إظهار كل التفاصيل الصغيرة التي خططها الطفيليون للانقضاض على ضحيتهم والفرار من شبح القبو، لكن لحياة القبو ضريبة يستحيل الفرار منها رغم دقة ونجاح التخطيط.. الرائحة. تظهر سخرية الفيلم وكوميديته السوداء في الرائحة الملتصقة في الأب الذي نجح في الحصول على مهنة سائق لرب الأسرة الغنية لكنه لم يستطع التخلص من الرائحة اللصيقة به والتي تمتعض منها الأسرة الغنية، تتكرر لقطة الرائحة عدة مرات ليجرح بها المخرج بطل فيلمه ويذكره بمكانته الاجتماعية وقبوه -مبولة السكارى-.

ينتقل المخرج لوضع مقارنة بين العائلتين ومتطلباتهم في نقد واضح للتفاوت الطبقي للمجتمع الكوري والرأسمالي ككل، بإدراج عبارات عنصرية وجارحة غير مقصودة في حوارات الأسرة الغنية لتظهر ضرورياتهم ككماليات لدى الأسرة الفقيرة. هذا التصور يضع المشاهد أمام حيرة من أمره، فبعدما ندرك أن الأسرة الفقيرة هي الطفيليات في الفيلم، يعود المخرج ليقلب الموازين بحوارات واحداث تدين التفاوت الطبقي ويصعب اكتشاف من يقتات على من؟ ومن الطفيليات الحقيقية في الفيلم؟، الأسرة الفقيرة التي تستغل الأسرة الغنية أم العكس؟
 

الديكلومانيا

في حوار صحفي للمخرج بونج جو، أفصح على أن التسمية الأولية للفيلم كانت ديكلومانيا والتي تعني انتاج صورة ما وعكسها على سطح آخر، كورق الأنسوخ الذي اعتدنا اللعب به في طفولتنا والذي يسمح بعكس رسوماتنا بطريقة رديئة ومعكوسة على الطرف الآخر من الورقة. العنوان ومن خلال متابعة الفيلم يبدو ملائما هو الآخر لوصف التشابه الرديء بين العائلتين، وبين طيات ردائته تكمن القصة. كل فيلم في حاجة لبطل، لكن بونج جو جمع عن قصد واصرار جميع الصفات التي يتسم بها نقيض البطل، وذلك ما من شأنه خلق نوع من عدم الطمأنينة لدى المشاهد، لأننا وكما يقول دوستوفسكي قد فقدنا جميعا عادة الحياة، ولأننا صرنا عرجى وبلغنا من حيث درجة فقدان عادة الحياة مبلغا عظيما حد أننا صرنا نشعر في بعض الأحيان بنوع من النفور ازاء الحياة المعاشة وهذا هو السبب الذي يجعلنا لا نستطيع تحمل من يذكرنا بوجودها.

والتذكير في الفيلم جاء من السماء عبر العاصفة التي ضربت المدينة، حيت نرى تعامل الأسرة الغنية معها بنوع من الشاعرية والرومنسية كما أن طفلهم استغلها لممارسة هواية التخيم في الحديقة، بينما في جهة النسخة الرديئة نرى أن العاصفة اغرقت القبو وأتلفت كل أثاث الأسرة، لم تنجو سوى الصخرة الهدية التي حملها الابن معه وظلت ملازمة له كتشبيه ساخر لأسطورة سيزيف المحكوم بحمل صخرة للأبد، غير أن سيزيف في الفيلم ينتهي نهاية مأساوية على يد صخرته. أكثر ما يميز هذه التحفة الفنية، هو الترابط في القصة وبساطتها، فالفيلم للكل ولا يخاطب أحد، ليس نخبويا لكن يمكن قراءته بنخبوية كما يمكن مشاهدته بطريقة عادية، فناذرا ما ينجح فيلم في جمع الاسقاطات الفلسفية مع المتعة والاثارة، كما أن الموسيقى التصويرية هائلة وتم توظيفها بشكل شاعري، والتشابك بالأيدي تحت موسيقى الأوبيرا يذكرنا بفيلم  clockwork orange لصاحبه ستانلي كوبريك. بالتأكيد، لم نخض في الحدث الأهم في الفيلم بل حتى لم نلمح له وذلك لعدم حرق أحداث واحد من أهم الأفلام في السنوات الأخيرة ولترك من لم يشاهده بعد يستمتع بالحبكة والصفعة الأخيرة من المخرج في النهاية والتي توقضنا من غرقنا في النهايات السعيدة.. ففي عالم الطفيليات لا توجد سعادة.



حول هذه القصة

في عام 1999م نشرت الكاتبة الإنجليزية joane Harris رواية تحمل اسم chocolat رواية سحرية خيالية، تتخذ من إحدى المدن الفرنسية مسرحا لها، لاقت الرواية استحسانا كبيرا من قبل القراء.

4/4/2019
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة