الناقد السوري الدكتور أمجد الطرابلسي.. أول وزير للتعليم العالي في مصر

أبدأ الحديث عن أستاذ الأدب العربي العظيم الدكتور أمجد الطرابلسي (1916 – 2001) بلقطتين تاريخيتين لهما عندي مذاق خاص، فقد استحدثت في أغسطس 1961 ست وزارات جديدة في عهد دولة الوحدة أي الجمهورية العربية المتحدة التي كانت تضم مصر وسوريا، واقتضى الأمر تعيين وزراء جدد لهذه الوزارات، وقد كنت أنا الذي سميت هذه الوزارة بوزارة الوحدة الرابعة.. حيث عُدل فيها عن نظام الوزراء التنفيذيين والمركزيين وهو ما اتبع منذ أكتوبر 1958 وحتى أغسطس 1961، أي في الشهر السابق على الانفصال، ومن ثم فقد كان هناك وزير جديد لوزارة جديدة هي التعليم العالي وكان هو وزيرها الأول وهو الدكتور أمجد الطرابلسي الذي كان قبل ذلك وزيرا للتربية والتعليم في الإقليم السوري.

 

أما اللقطة الثانية فحدثت في الفترة التي بدأت مصر فيها تعنى بتاريخ الوزارات وبوضع صور الوزراء السابقين في مكاتب الوزراء الحاليين، يستنتج القارئ بالبداهة أن هناك من كان يريد أن يقفز على أمجد الطرابلسي وبخاصة أن خلفه المصري في الوزارة (الدكتور عبد العزيز السيد) تولاها في أكتوبر 1961 أي في نفس السنة وهكذا يستقيم الأمر عند البيروقراطيين بأن الوزارة تأسست في 1961، وها هو وزيرها الأول في 1961.. قلنا في المناقشة المحدودة يومها إن كتبنا موجودة منذ 1986، ولن يستقيم الأمر مع وجود الحقيقة التاريخية مُسجلة في كتبه! ثار السؤال البيروقراطي من أين نأتي بصورته، ونحن لا نعرف عنه أي شيء أكثر من أنه أستاذ قانون ولا أعرف من أين جاءت هذه المعلومة، لا تعجبن في ذلك الزمان من صعوبة الحصول على سطر أو فقرة عن علم من الأعلام قبل انتشار الأوعية المعلوماتية التي نعرفها الآن.

 

هذا هو الدكتور أمجد الطرابلسي الذي كان واحدا من الأعضاء الثلاثة (والآخران هما الدكتور شكري فيصل والأستاذ محمد المبارك) الذين عُيٌنوا أعضاء في مجمع اللغة العربية الموحد الذي تأسس (فبراير 1961) قبل أن يصدر القانون بفصل مجمع دمشق عن مجمع القاهرة.

 

اختير الدكتور أمجد الطرابلسي عضوا في المجمع العلمي العراقي، كما أصبح عضوا في مجمع اللغة العربية بدمشق بعد أن فصل عن مجمع القاهرة

ولد الدكتور أمجد الطرابلسي في باب سريجة بدمشق عام 1916 فهو إذاً يشترك مع أستاذ الأدب الأشهر الدكتور عبد القادر القط في عام ميلاده وإن كان سبقه في شهاداته العليا الدكتوراه والماجستير، ذلك أن الدكتور الطرابلسي درس في المدرسة الثانوية المتميزة في دمشق وهي مدرسة مكتب عنبر التي كانت بمثابة المدرسة المركزية لسوريا كلها، وقد نال الباكالوريا من هذه المدرسة سنة 1934 فعمل بهذه الشهادة معلما لكنه انضم إلى كادر المعلمين العالي وفاز بشهادته كما فاز سريعا في مسابقة وزارة المعارف السورية لإيفاد مبعوثين إلى فرنسا وسرعان ما أتم دراساته الجامعية والعليا في فرنسا فحصل على الليسانس 1941 وعلى الدكتوراه 1945 وكانت رسالته عن "النقد الشعري عند العرب حتى القرن الخامس الهجري" ومن حسن حظه أن كلية الآداب في جامعة دمشق تأسست في العام التالي لحصوله على الدكتوراه (1946) بإشراف المستشرق الفرنسي  بلاشير عام 1945 وعاد إلى سوريا بنفس العام للتدريس في ثانوية التجهيز.

 

ومنذ ذلك الحين امتدت مظلة أستاذية الدكتور أمجد الطرابلسي إلى الباحثين البارزين وطلاب الدراسات العليا في الجامعة السورية حتى جاء عهد الوحدة فاختير وزيرا تنفيذيا للتربية والتعليم في الإقليم السوري ثم وزيرا للتعليم العالي في دولة الوحدة كما ذكرنا.

 

اختير الدكتور أمجد الطرابلسي عضوا في المجمع العلمي العراقي، كما أصبح عضوا في مجمع اللغة العربية بدمشق بعد أن فصل عن مجمع القاهرة، ومن ثم فإنه لم يُصبح من الأعضاء العرب في مجمع اللغة العربية بالقاهرة إذ أصبح وضع السوريين ظالما لهم ولسوريا ولمصر قبلهم وقبل سوريا ذلك أن عهد مجمع اللغة العربية الموحد الذي أنشأ في فبراير 1961 وضم أمجد الطرابلسي ومحمد المبارك وشكري فيصل انتهى إلى ما انتهت إليه مؤسسات دولة الوحدة من التجميد والإلغاء. وهكذا فقد الأستاذ الطرابلسي عضويته، بل لقد تحولت عضوية الأستاذ الأمير مصطفى الشهابي (الذي انتخب بما يُشبه الإجماع في 1954) وكان عضوا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة قبل الوحدة إلى عضوية مراسلة حتى توفي في 1969.

 

بعد أن وقع الانفصال في 1961 وتشرد وزراء الوحدة السوريون آثر أن ينتقل إلى المغرب حيث أسس مدرسة علمية متميزة للأدب العربي ودراساته في كليات الآداب في الرباط وفاس وفي كلية اللغة العربية في مراكش وقد ظل في المغرب حتى عام 1993 حيث تقاعد فقرر قضاء بقية حياته في باريس وقد بقي فيها حتى توفي في 2001 فقد كان الدكتور أمجد الطرابلسي متزوجا من سيدة فرنسية، أما والده فقد كان ضابطا في الجيش العثماني ثم في جيش الملك الفيصلي وكان ملما بالفرنسية والألمانية ومحباً للأدب .

  

ومن الجدير بالذكر أن الدكتور الطرابلسي تتلمذ في ثانوية مكتب عنبر أربعة من الأساتذة الكبار الذين أصبحوا أعضاء في مجمع اللغة العربية في دمشق وهم:

-الأستاذ عبد القادر المبارك الذي كان من أعضاء المجمع المؤسسين (1919)

-الأستاذ سليم الجندي الذي أصبح عضوا في المجمع (1922)

-الأستاذ محمد البزم الذي أصبح عضوا في المجمع (1942)

-الأستاذ جميل صليبيا الذي أصبح عضوا في المجمع (1942)

 

مؤلفاته

-النقد واللغة في رسالة الغفران: محاضرات، مطبوعات جامعة دمشق، 1951

-نقد الشعر عند العرب حتى القرن الخامس للهجرة ط 1 بالفرنسية، منشورات المعهد الفرنسي التابع لجامعة السوربون 1956

-نظرة تاريخية في حركة التأليف عند العرب في اللغة والأدب، الطبعة الخامسة، دار قرطبة للطباعة والنشر، الدار البيضاء 1986

-شعر الحماسة والعروبة في بلاد الشام أواخر القرن التاسع عشر أوائل القرن العشرين. جامعة الدول العربية، معهد الدراسات العربية العالية، القاهرة، 1957

له مجموعة شعرية نشرت كعدد في سلسلة إبداع، المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط

-زجر النابح (مخطوط لأبي العلاء المعري)

وقد كتب الأستاذ لعباس أرحيلة من كلية الآداب في جامعة القاضي عياض بمراكش عن الدكتور أمجد الطرابلسي ترجمة وافية.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة