الرغبة في الانتماء إلى قطيع أو ربما عصابة!

أنظر إلى نفسي كما لو أنني حقيقي وأحاول أن أخلق جدراناً تمشي أصابعي عليها لتتأكد من وجودها وتمسح وهم العدم ولكنني كنت أتأكد من أنني لا أحيي إلا ظلاً كما لو أنني حبيس هنا وأصرخ داخلي أيها الجسد الواقف أمام المرايا كفاك كذباً أنا لا أعرفك ولست لي ولست أعرف ملامح وجهي القديم ولست متأكداً إن كان هذا ندب حديث أم مستعاد، أظنني جثة هامدة على أرض حرب صماء أوقعت خوفي في مكان ما هنا ولا أدري أين، أيها الجسد النائم قم فنحن قوم تعلمنا الخوف دستور والحرب شريعة، علي أجد خوفي علي أجدني وأخبره بصوت يرتجف برداً : تستطيع أن تتنفس من جرحك لو امتلأت قصبتك الهوائية برماد القذائف واكذب عليه حتى لا يستسلم تحت خوفه من أن يكون الناجي الوحيد، انتهى الأمر هنا وأعدك أن نحيا ك شيء واحد عادي بعد الآن!

 

لا شيء سوى صوت عقارب الساعة الدائرة وعواء ذئاب الليل، ذلك الطفل الذي تجرأ أخيراً أن يجر سريره من جانب الحائط الآمن كي لا يباغته الوحش صاحب العينين الخضراوين من تحت السرير ذات ليلة وأصبح السرير المتروك في عراء غرفته عزاءًا يواسي وحدته إذ أنه وأخيراً أصبح قادراً على محو الزوايا العاجزة وشواهد الضعف والأسر ويسأل نفسه إلى أي حد قد يكون الأمر بشعاً أكثر من أن تحيا خائفاً، عليك أن لا تخاف ولتبحث عن جريمة واحدة ترتكبها تجعل كل الأمور لك مستساغة أو لتبع دماغك لمن يبحثون عن أدمغة يفرغونها وحينها ستصبح مرادفات الخوف خارج قاموسك وستعرف إجابات مقنعة بطريقة مسممة لكل الأسئلة الدائرة رغم عدم أهلية الجهة المصدرة للإجابات.

 

إن مسايرة الزمن والرضا بكل ما يحدث كارثة عظماء ستلد جيشاً من المسوخ لن يتمكن أحدٌ من تكبيل أفكارهم المغسولة

كيف لا أخاف وما زالت نشرات الأخبار تذيع الموت كما لو أنها تزف بشارة والأعداد رذاذ يحمله الهواء هيناً، كيف لا أخاف وما زالت الشمس تختبئ عند مغيبها معلنة تحملنا مسؤولية العتمة القادمة إلى حين تعود، ماذا لو لم تعود واصبحت السماء تحمل طابعها الخريفي الغائم، أنا لا أرسم لوحات مظلمة بل إن نظرت حولك تجدها ولكننا بطبعنا نحاول النظر إلى الجوانب المشرقة كما يطلقون عليها وقد نحاول صنعها إن لم توجد في محاولة منا رفض البشاعة التي يحملها هذا العالم، مجاعات العالم وفاجعات الموت والشوارع والأبواب المؤصدة والأعمار المسكوبة في آنية مثقوبة وحكايات الجارة عن الجارة والمارة والمتسولون وأطراف الشارع الباردة التي على الأغلب ليست خالية ذات مساء وعامود الكهرباء الذي يسند ظهر سيدة غامضة متروك بين يديها طفل بعينين لامعتين وشفتين بلون النبيذ العتيق وأنامل زرقاء ولربما كانت طفلة في حجرها طفل آخر ولكننا اعتدنا أن نمر ذلك الشارع متجاهلين تماما للمشهد وإن مال قلبي ف عيني تعرف كيف تتغاضى عن النظر لأنني بيد عاجزة عن تلوين اللوحات الوحشية بالزهو وإن استمات قلبي من أجل هذا، البشاعة في الخارج بلا شفقة، الحرب داخلنا ليست أقل وطأة.

 

تذكر الطفل الذي أخبرتك عنه قبل قليل صيروه يوماً قائد سرية، بعد أن محت خطواته الدماء الكثيرة المتروكة خلفه والنحيب، هذه الأيادي التي تشير إليه خائفة ليست تصفق بل ترتجف، واليوم بعدما أصبح في ردائه الملطخ يضع شبهة حرمة الجسد في كل شيء لا يرضيه كما لو أنها خطيئة لكي يسن شريعتهم التي حفظها عن ظهر قلب، شريعة لا منصوصة ولا يمكن أن تسن بغير الخوف نفسه، هل سيخون اليد الأولى التي مدت له ولو كانت ظالمة، ما يجعل الأمر أكثر كارثية كيف يمكن أن ينسى خوفه الأول وضعفه ويمارس جبروته الذي اكتسى به، مصنوع من غضب إلى غضب ولكن لا نصر ولا هزيمة، من ظلام إلى ظلام.

  

آخر يسأل نفسه متى خلا إليها هل يمكننا التغاضي عن كون الحياة تمشي في مسارات هوجاء ونكمل في مسارنا، على الأقل هذا مسار يثير تحفظي وخوفي وحدي وإن قررت يوماً الوقوف أو الاستلقاء هنا فلن أعيق أحدا سواي، كنت أخاف ولكنني عرفت لاحقاً أن التجربة تقطع الطريق على أية شعور قد يغلبك ولكنني لم أتجرأ أن أخوض أية واحدة بعد وما زالت قائمة محاذيري عريضة ولكنها جبانة، وفي الصباح رغم ازدحام وسيلة المواصلات التي تجبره على أن يلتزم مقعده من الحياة دون أي حس للمغامرة أو للرغبة ما زالت أفكاره حول الخوف قائمة.

كنت صغيراً وكنت أخاف الغرفة المظلمة، كبرت وما زال الأسود يخيفني ف أنا أكره الأجندات المتروكة على الطاولة حتى ولو كنت ألجأ إليها لألعن بعض الأحداث بدلاً من أن أبوح بأفكاري التي تبدو بلهاء، ثم كبرت أكثر ودخل المشهد العمومي إلى التجربة وعرفت أن الخوف الذي يولد الصمت لعنة يجب كسرها، قد تسقط كل نظرياتك المقدسة عندما تفهم أن ما يحدث ليس أمراً يُشبع كما الجوع ولتتوقف المأساة نحتاج حلاً أكثر فتكاً من الخبز والماء، وإن مسايرة الزمن والرضا بكل ما يحدث كارثة عظماء ستلد جيشاً من المسوخ لن يتمكن أحدٌ من تكبيل أفكارهم المغسولة، يد تمتد إلى كتفه ليعود لواقعه وتتكفل قوة الاهتزازة التي تلقاها بذلك، ها نحن وصلنا لوجهتنا اليومية المعتادة، سؤال جديد يسايره، هل كانت هذه لحظة يقظة أم مشهد طويل في حلم؟!



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة