ثورة السودان.. هل أثمر الربيع أخيرا

عام مضى جمع بين جنبات أيامه ثورة سودانية بدأت في الـ19 من ديسمبر في العام 2018 أي قبل ما يقارب الـ9 أشهر وهاهي اليوم تضع أوزارها بتوقيع اتفاقية تلخص فترة انتقالية قوامها 39 وشهراً يقتسم رئاستها المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير التي لعبت دوراً كبيرا في قيادة الحراك الثوري والشعبي الكبير فهل نشهد أخيراً ثمرة ربيع عربي طال انتظاره أم هي نسخة رديئة تحاك أطرافها ليلحق السودان بركب جيرانه الذين تحول ربيعهم المنشود إلى خريف عاصف

  

الثورة السودانية التي بدأت في الـ19 من ديسمبر لم تكن وليدة اللحظة ولا نتاجاً لأزمة ربطها الكثيرون بضيق المعيشة وتردي أوضاعها وهو ما يقودنا إلى سؤالنا الأول هل نشهد استنساخ تجربة أخرى ربطها الكثيرون بجارة السودان الشمالية المتمثلة بالجمهورية المصرية العربية، \تجربة مصرية بدأت في العام 2011 بدت واعدة حينها ثابتة الخطى واضحة المعالم نجح المصريون فيها بأقل من أسبوعين من الإطاحة بأحد أعتى الديكتاتوريات الحاكمة حينها المتمثلة في الرئيس المعزول حسني مبارك

  

مبارك لا غيره فظل النظام الماسك على أواصر الدولة التي تحولت بفعل العسكر إلى دولة بداخل دولة تتحكم بكل أواصرها وسكناتها انتهت بقدوم رئيس منتخب لم يصمد نظامه لمدة عام واحد ليعود نظام قديم بوجه جديد، ليرحل الرئيس المنتخب بعد رحلة طويلة قضاها خلف زنازين كان من المفترض أن تضم ديكتاتور أذاق مصروشعبها ويلات العذاب لا أن يتنقل بين شاليهات شرم الشيخ الساحرة.

 

هل يتجه السودان إلى ذات المصير

في الحقيقة هو ما كان مخططاً لحدوثه منذ اللحظة الأولى لحدوث الانتفاضة السودانية في محاولة لخلق تجربة مصرية جديدة عن ملتقى النيلين هذه المرة ثورة فتغيير وجوه فاعتصام فتشكيك ففرقة ففض فخوف فرضى نسخة كربونية جاهزة القولبة سعت قوى إقليمية وعالمية لإلباسها لثورة سودانية واعدة ولما لا إن كانت نجحت أمام ثورة كانت واعدة هي الأخرى وانتهت إلى مصير مؤسف أحزن الجميع، لكن حقيقة بسيطة غابت عن محركي عرائس الماريونيت الذي حاولوا تكرار مالا يمكن تكراره فبرغم الثورة ومبدئها الذي لا يتغير يبقى طيف عدد من العوامل المختلفة يطل بشبحه دون تكرار وتحقيق تلك النبوءة المشؤوم.

   

  

ببساطة الثورات واحدة أما خلفياتها ومعطياتها فتبقى غاية في التنافر والاختلاف وهو ما لم يعه هادموا الثورات وسوسها الناخر في عظم أمال وطموحات الشعوب كتوائم يخرجون من رحم واحد إلا أنهما لن يكونا نسخة واحدة معوبة لذات الشخص والفرد بتسلسل الحياة وتقدم المراحل وتبدل الخبرات وتلاحقها فتوأما النيل رغم تشابه كبير بين واقع مؤلم يقبع ما يقارب فيه نصف السكان تحت خط الفقر وطموحات متماثلة كذلك بغد طموح وواعد إلا أن تتابع الأحداث وتسلسلها لن يبقى كذلك دون أخذ عدد لا محدود من الإحداثيات والمعطيات.

  

المؤسسة العسكرية

الجيش المصري بتركيبته العسكرية والأمنية المتماسكة لعب دوراً كبيراً فيما آلت إليه الثورة المصرية بينما يحتل المشهد السياسي والعسكري السوداني صورة مختلفة تماماً فقوات السودان المسلحة نفسها عانت تهميشاً وتفضيلاً لبعض القوات على بعضها الآخر وخوف البشير من انقلاب مماثل قام به عام 1989 دفعه إلى تكوين قوات موازية عدة أشهرها ما يعرف بالدعم السريع أو ما يطلق عليها أهل السودان بالجنجويد وهي عبارة عن قبائل عربية من إقليم دارفور استخدمتها الحكومة السودانية لإخماد العمل المسلح الذي يلعب هو الآخر طرفاً مهماً في هذه المعادلة بأكثر من 80 فصيلاً مسلحاً في دارفور وحدها فجيش منهك وقوى مفككة وحركات مسلحة لا يشبه بأي شكل المؤسسة المصرية المنظمة نسبياً أمام نظريتها السودانية التي أنهكها نظام البشير قبل أن تنهكها عقود من الحروب.

  

شعبان مختلفان

التركيبة السكانية والشعبية كذلك لعبة دوراً محورياً في مآلات التجربتين فوجود حاضنة شعبية كبيرة للمؤسسة العسكرية التي منحها الشارع تخويلاً كافياً على ما يبدو للقيام بجريمة كفض اعتصام رابعة العدوية والانقلاب المجحف على شرعية جاء بها الشعب في استفتاء جماهيري ديموقراطي لأول مرة في مصر ووجود رفض شعبي كاف لتحريكه ضد حكومة الإخوان المسلمين ضمنت تنفيذ التسلسل والتحرك العسكري بسلاسة ودون مشاكل تذكر.

  

اختلاف شاسع وقاطع شهده الشارع السوداني برفض مطلق لحكومة سابقة حكمها البشير لأكثر من 30 عاماً أذاقت الشعب الويلات ورفض مطلق كذلك للمؤسسة العسكرية الانتقالية التي تسلمت مراسيم الحكم وحاولت تطبيق التجربة المصرية بفض الاعتصام واستخدام ذات الأعذار بعيداً عن صحتها في السيناريو المصري إلا أن التنفيذ والمناط بهم إنزاله تسببوا بفعلتهم بإحراج فائق لداعمي تلك الخطوة ليخرج الإخراج رديئاً ومخجلاً للعسكر السودانيين أنفسهم ولداعميهم ما جعلهم يتراجعون سريعاً عن استخدام ذات الأسلوب في التجربة المصرية من تجهيز للشارع المصري لأحداث الفض الدموية وتجيشيهم الإعلامي ضد الإخوان وحكومتهم وهو ما سهل العملية بالجارة الشمالية بينما جعلها شبه مستحيلة بعد فشل محاولة التمثيل والتضليل الإعلامي السوداني والفشل العسكري في التنفيذ.

 

كما شكل وعي الشارع السوداني الكبير الذاتي أو المكتسب بالأحداث ومحاولات العسكر التي دفعته رغم فض الاعتصام الدموي لمواصلة حراكه الذي ظن العكسر بأنه سيخمد الثورة كما حدث في عام 2013 لكنه تفاجأ باستمرار بل وتزايد أعداد المحتجين ما دفعه للرضوخ والتراجع عن أسلوب العنف الذي بدى جلياً أنه لن يأتي ثماره

 

قيادة موحدة

أما أخر تلك الأسباب فكان يتمثل في المحرك السياسي لتلك الثورة والمتمثل في تجمع المهنيين وقوى الحرية والتغيير التي نجحت إلى حد ما في قيادة الشارع بعد فشل التجربة الثورية الأولى عام 2013 لعدم وجود منظم ومحرك للشارع ومتفاوض سياسي باسمه وهو ما افتقدته الثورة المصرية من تنسيق بين قواها السياسية المختلفة ضد المؤسسة العسكرية التي استخدمتهم في استيلائها على السلطة ثم تنكرت لكل ما هو مدني وديموقراطي فلا شيء يرعب العسكر أكثر من الديموقراطية التي تعيدهم إلى ثكناتهم وتلقى بهم بعيداً عن كراسي الحكم إضافة لمحاولة القوى السياسية السودانية من ضم كل القوى السياسية الفاعلة في الشارع السوداني بل وحتى من كفاءات النظام السابق بكونهم جزء من العمل السياسي ولكن بعد ثبات عدم ضلوعهم في جرائم ارتكبت بحق الشعب لمدة 30 عاماً وهو ما فشلت به حكومة الإخوان لعام من الزمن فأقصت كثيراً من التيارات السياسية الفاعلة التي لعبت دوراً مهماً في اسقاطها وانضمامها للعسكر الذي أطاح بالشرعية والديموقراطية بضربة واحدة.

   

  

فروقات تجسد اختلاف التجربة السودانية عن جارتها رغم محاولة ابقائها على ذات المسار وإلباسها لجلباب أختها وهي المفارقة التي توجب عدم تشبيه ثورة بأخرى فالثورة السودانية لا تشبه جارتها الجزائرية التي ما زالت تشق طريقاً مختلفاً اختاره شعبها ولا جارتها المصرية ولا السورية واليمنية ولا الليبية ولا حتى التونسية فلكل ثورة خصائصها وحيثياتها ومعطياتها وإن تشابهت الأهداف والرؤى وحتى السيناريوهات فذلك لا يضمن تماثل النهايات والنتائج، إذا هل تشبه الثورة السودانية جارتها المصرية؟ يمكننا القول بمليء الفم لا ولا أي ثورة شعبية عربية أو إقليمية وعالمية.

 

يبقى السؤال الآخر بتحقق حلم يطل ربيعه أخيراً على أحد الدول العربية والإفريقية بطبيعتها الخاصة محط سؤال وتشكك كبير، فرغم نجاح السودان وثورته في قطع شوط كبير تجاه تحقيق دولة مدنية ديموقراطية دام انتظارها فهو مالم يتحقق بعد بلا شك، ففترة انتقالية يضم مجلسها السيادي 5 من العسكر يتحكمون بتعيين وزيري الداخلية والدفاع أمر يستوجب حذراً وفطنة وحنكة سياسية ووعي ثورياً وأعيناً متفتحة لشارع لطالما حرس ثورته وساهر على حمايتها.

 

يقال بأن السياسية هي فن الممكن وهو ما يمكن أن تلخصه التجربة السودانية وتلك المقولة بامتياز وإلى حد كبير رغم طموح أكبر كان يجتاح الوجدان السوداني الشعبي فهل يستحق الشعب الفرح نعم لكن بعينين يقظتين ووعي نشط وحس عال من الترقب والحذر فلا العسكر ولا حتى القوى السياسية التي كثيراً ما تتبدل تجاذباتها بضامن حقيقي لمكتسبات الثورة وصياح الجوعى ودموع الأمهات الثك.

 

يقول الأكاديمي عبد الإله بلقزيز "أول تلك الحقائق أن مفهوم الثورة في وضعه الاعتباري النظري يعني التغيير الجذري للنظام الاجتماعي والاقتصادي وليس السياسي فحسب إذاً الثورة ليست هدم نظام سياسي قديم بل هدم نظام اجتماعي وبناء نظام جديد ولذلك فالثورة عملية تراكمية ولا يمكن أن تطلق عليها ثورة حتى تأتي بنظام سياسي واجتماعي واقتصادي أكثر تقدماً وإلا كانت انتكاسة لا ثورة وحين يتحقق ذلك وذلك فقط بتحول ديموقراطي فعلي يحق للسودانيين وقتها الفرح حقاً بنجاح ثورتهم من عدمها.



حول هذه القصة

يجب أن تعطى الخبرات السياسية والاقتصادية الفرصة تقديم عصارة جهدها في إدارة شؤون الدولة حتى ننعم بحكم مدني ديمقراطي وإقامة دولة الحقوق والحريات دولة القانون.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة