من يعكر صفو وادي كشمير

blogs كشمير

كشمير، تلك الجنة التي جذبت الألوف المؤلفة قلبا وروحا، تلك الوديان التي رسمت في كيان العشاق ألوان الأمل والحلم، وتلك الثلوج والجبال التي حاكت للشعراء والسمر حبكة القصائد والقصص تقف الآن في مفترق الطرق حائرة متوترة، وتشهد لمرحلة مهمة في تاريخها الدامي حيث تم إلغاء قانون الحكم الذاتي الذي تمتعت به لسنين طويلة والذي تميزت به من بين الولايات الهندية الأخرى، فالحكم الذاتي هو عبارة عن إعطائها حق القوانين الخاصة التي تكفل لها صنع القرار بشكل مستقل عن الحكومة المركزية.

 

وهاجت المدن الهندية حتى في كيرالا أقصى جنوب الهند احتجاجا على هذا القانون الذي فرضه بي ج ب تحت ستار الوطنية والوحدة القومية مما جعل الأحزاب الأخرى القيادية متورطة في الفخاخ التي نصبها بي ج ب، ولاحت انعكاساته في باكستان أيضا حتى انطلقت تتذامر وتتوعد بحتمية الحرب القادمة، وأقبل رئيسها عمران خان ليعلن يوم النكبة بلهجة نارية، والغريب في هذا الأمر صادف هذا القرار شهر أغسطس الذي هو بالنسبة لكلتيهما موسم الاستقلال.

 

كشمير تاريخ من الألم

لا تذكر كشمير إلا والألم منوط بكل حروفها رغم ما وشحها الله من البدائع والصنائع، من جمال وجلال، لكنها لم ترقأ لها العين في فترة من التاريخ، حروب طاحنة، وصراعات دامية عكرت صفو خاطرها الهادئ، وكل حزب جعلوا منها أسس الوطنية والبطولة، ورسموا خريطتها وفق مطامعهم السياسية، وبقيت كشمير لتحكي قصتها الدامية الحروف.

 

اعتلى مودى وحشمه عرش الهند في ظلال الدعايات والوعود الانتخابية التي رفعت لتمجيد الثقافة الهندوسية، وهي كما تلي بناء معبد راما في أيودهيا في نفس المكان الذي انقض فيه مسجد البابري

استقلت الهند 15 أغسطس عام 1947 بينما سبقتها شقيقتها باكستان بيوم، وخاضت مباشرا إلى أتون من الهجرات المندفعة التي شهدت صراعات دامية ومجازر جماعية راح ضحيتها عشرات الآلاف من كل الهندوس والمسلمين والسيخ، فلم يك صبح الاستقلال صباح الأمل والفأل بل كان بداية حروب من جديد بين الجارتين المتشاكستين، فلم تتخط خمسة عقود حتى نشبت بين الهند وباكستان ثلاث حروب طاحنة من أجل كشمير مما أودت على حياة الآلاف من كلتا الدولتين.

 

فتاريخ الأزمة الكشميرية يعود إلى فترة استقلال الهند، حيث أعرب ملكها آنذاك هار سانغ الهندوسي عن رغبته للانضمام بجمهورية الهند رغم أكثرية المسلمين فيها، وكان الانضمام مشروطا باستفتاء الرأي العام، ويقال إن انضمام كشمير في جمهورية الهند حدث على رغبة سياسية وعاهلية من أول رئيس الوزراء للهند جوهر لال نهرو حيث كان له وجهة نظر تختلف من صاحبه سارداي والاباهي فاتيل، إذ أصر على تواجد ولاية ذات أغلبية مسلمة لتدل على علمانية الهند المستقلة بينما نظر باكستان إلى موقعها الاستراتيجي والجغرافي وتواجد المسلمين الضخم في ربوعها، بل يقال إنما جر نهرو إلى هذا الموقف هو أصوله المنحدرة من بانديت كشمير وعلاقته الحميمة مع زعيم وادي كشمير الشيخ عبد الله.

 

و"بانديت كشمير" هي الطبقة العليا في الهندوس، وكان بينها وبين المسلمين اشتباكات عدة حتى نزح أكثرها إلى الولايات الأخرى في الهند، فكانت هذه الأمور شافية لتشتعل الحرب حتى تندلع نيرانها بخروج انفصاليين مسلحين من بين هذه الضجات النارية، وتمكنت من السيطرة على بعض المناطق الحدودية ليكونوا صداعا على الجيش الهندي، لكنهم أصبحوا الآن في حيرة وفوجئوا بهذا القرار الصادم من مع أن الجيش الهندي في الفترات الأخيرة استرد السطوة في المناطق المتوترة بقوة وقمع، وهذا مما يوجس في خلايا الانفصاليين خيفة وهلعا.

 

"المصالح" فقط تنجح

اعتلى مودى وحشمه عرش الهند في ظلال الدعايات والوعود الانتخابية التي رفعت لتمجيد الثقافة الهندوسية، وهي كما تلي بناء معبد راما في أيودهيا في نفس المكان الذي انقض فيه مسجد البابري، وإلغاء الحكم الذاتي لكشمير، وفرض القانون المدني الموحد، وهذه الدعايات كفت لتبث أطياف الخوف والهلع في أوساط الأقليات حيث رأت انهدام مسجد البابري، وسمعت النعرات النارية التي تهتف لإقامة معبد راما في مكانه، بل لم تتلاش في الجو الأصداء التي أحدثته بي جي ب في قضية الطلاق الثلاث لتكون إلهاما للقانون المدني الموحد الذي يتفوه به أبواق آر أس أس.

 

رغم الأصوات التي هتفت لكشمير وحقوقها من الأحزاب الشيوعية ومن الأحزاب التي تصف أنفسها لسان حال المسلمين نشأت في الهند موجة عاتية ترى هذا القانون الجديد كجزء لا يتجزأ في دستور الهند حتى تسنى لمودي وجبهته تغطية كل التهم الموجهة نحوه من التضخم المالي والبطالة، وقضيا أخرى حساسية التي تورط فيها قادة بي ج ب رجالا ونساء، وجاء هذا القانون الجديد تزامنا مع كل هذه الأوضاع البائسة التي يعاني منها بي جي ب ليكون بلسما ومرهما على جراحاتها المبرحة وتغطية على أزماتها الداخلية وترقيعا على ثغراته السياسية التي يعاني منها في هذه الفترة، إذ هي تمر بساعات عصيبة حيث التصقت بجبهتها عارات عدة، ألصقها قادتها أنفسهم من الاغتصاب والرشوة والعنف، فكان ينبغي عليها أن يحدث قضية صارمة ليشتت النظر العام ويغير بوصلة الإعلام.

 

لا نخطئ لو قلنا إن المصالح السياسية هي التي عكرت صفو وادي كشمير، وجعلتها مرجلا يغلى، بل أخطأ كل من الهند وباكستان والصين في اتخاذ الموقف من كشمير

حقا لقد نجحت في هذه المهمة التي نفذتها على حين غفلة من شعب الهند، حتى احتفل أعضاء بي جي ب ونشطاء المنظمات الهندوسية المتطرفة من في أتش ف وباجرانغدال هذا القرار الصارم، ووصفوها خطوة جريئة تاريخية وضربة قاضية على المتربصين بوادي كشمير، لكن الغريب في هذا الأممر، أن مؤتمر الهند الوطني تحير وتاه في اتخاذ موقف حاسم إزاء هذه القضية التي هو الأصل في سببها المسؤول عن تبعاته، فلم يستطع حتى للم شتات آراء ساسته، بما فيهم تشارن سنع زعيم كونجرس لكشمير ونجل الملك هارسنع – مثار النقاش في تاريخ هذه القضية-إذ قال في حوار صحفي " إن هذا القرار سيمنح لسكان كشمير مزيدا من الحرية لتضمن الهند حقوقهم وتحمي أراضيهم من المتوغلين، وندد حزبه مؤتمر الهند الوطني بنقد مقذع حيث طالب من قادته ليقف مع بي جي ب في هذه القضية الوطنية، وهذه كلها مؤشرات إلى أن مودي وحشمه استطاع لجذب الشعب الهندي بهذه القضية المخدرة لتعود كل الشعارات التي علت من أحزاب المعارضة الهندية أدراج الرياح.

 

ومن جانب باكستان، إذ هي الآن في فترة السقوط والسكوت، حيث لم يصبح رئيسها عمران خان مبارزا قويا يقف في وجه مودي العملاق الذي يتمتع بشعبية كبيرة ويمتلك تجارب واسعة في ميدان السياسة العالمية، فلم يك خان سوى زعيم يتجه إلى البيت الأبيض، ويتثبث بقش الصين التي تتصيد أزمات الهند، وتنتفض بحق فيتو لضرب الهند في الأمم المتحدة، فما هو جرب الأمور الثقال وما جشم عليها حتى يقدم حلولا ناجعة لهذه المشاكل الدولية بيد أنه اكتفى بعبارات قاسية أمام تكتيكات مودي وأمت شاه وزير الشؤون الداخلية الهندية، وعطفا على ذلك قامت أمريكا بدعم الهند في هذا الأمر ليورط باكستان في ورطة أكثر خطورة وتعقيدا، وأما تعاطف العالم الإسلامي وفي مقدمته تركيا وماليزيا مع باكستان إنما هو مجرد فقاعات وأحلام تتبخر، مع أن الإمارات المتحدة أعلنت تأييدها المطلق للهند، بل مسلمو الهند جميعهم لا يرون قضية كشمير كقضية دينية كما يشبهها البعض بقضية القدس حتى يتدخل فيها العالم العربي والإسلامي ويتكلم فيها كلام الجهاد والاستشهاد إلا أنهم يشمون من تحركات بي جي ب رائحة البارود والعنف.

 

وإبان كل هذه الأزمات المتراكمة ظل المسلمون يعتقدون ويثقون في وحدة الهند اعتقادا المواطن الوفي، ويجددون لها بيعة الغازي المستميت، وفي مسلمي كشمير أيضا عدد كبير يريدون الاندماج في المجتمع الهندي بغض النظر عن الأوهام التي صنعتها وكالات باكستان، وفي الوقت نفسه هناك شباب أحالتهم الأوضاع القاسية إلى متسلحين متطرفين فرارا من قمع الجيوش الهندية وانبهارا في أجندة الانفصاليين المرسومة لتشكيل دولة كشمير المستقلة.

 

وأما الحرب الرابعة من أجل كشمير لا تورث إلا ضغثا على إبالة في كلا الصفين، حيث إن لهما قضايا اخرى داخلية تشغلهما عن فكرة الحرب، فلو نشبت لا تعود إلا يأرواح الملايين، ولا يسمح الماضي لباكستان للخوض مرة أخرى في الحرب مع الهند حيث كانت الحروب الثلاث التي حدثت عام 1947م و1965م و1999م مما أنهكت باكستان تماما.

 

ولا نخطئ لو قلنا إن المصالح السياسية هي التي عكرت صفو وادي كشمير، وجعلتها مرجلا يغلى، بل أخطأ كل من الهند وباكستان والصين في اتخاذ الموقف من كشمير، إذ أخطأت الهند في محاصرتها وتطويقها وحمايتها بقوى الأمن التي لا رحمة فيهم تجاه المدنيين، بينما أخطأت باكستان في ترويج بضاعاتها والتجنيد لها عصابات مسلحة، وبقي الكشميريون يتأرجحون في كفتي الهند وباكستان، ويسمعون طبول الحرب تقرع من الحدود.