ثنائية الفقد والتخلي

بين الفقد والتخلّي يقفُ المرؤ منّا على حافّةٍ مُعتمة، فتجده يتأرجح في مراحل عُمره بين فاقدٍ ومفقودٍ، بين مُتخلٍّ ومُتخلّى عنه؛ فقَدْ يَفقدُ حينًا أو يُفقد، وقد يَتخلّى أو يُتخلّى عنه، وكلّها معاركُ نفسيّة دامية لا مأمنَ لك منها ولا مهرب. معاركٌ مُهلكة بين شيخوخة عقلك وطفولة روحك، بين سلامة صدركَ وعتمة قلبكَ، بين نهايةٍ تختارها أنتَ وأخرى تُفرَض عليك فرضًا فتضطرُّ لوضع نقطة لنهايةٍ –بالنّسبة لكَ-لمْ تنتهِ بعد!

 

وفي القصَصِ القرآني وهَديِ السنّة حديثٌ عن نماذج للفَقْد والتخلّي، نماذج اختلفت في صُورها وتصوّراتها من حيث المشاعر والطبائع والدّوافع، تقفُ عندها وكأنّك تفهم تفاعلات الخلق لأوّل مرّة، تُغيّر أفكارًا وتُدرك أخرى وتنتبهُ لتحرك المساحات بداخلك وتبدّل المواضع والمسافات؛ ففي قصّة سيّدنا يوسف مثلاً وأنت تُلاحظ تمايز الطّباع والمشاعر بين الإخوة والأب ستُدرك تلك الفجوة التي خلقت اختلالاً في موازين السلوك البشريّ لترسمَ لنا مشهدَ التخلّي والفقد معًا، البكاء والتّباكي؛ مشهدٌ يصوّر لنا من جهةٍ مشاعر الغَيرة والحِقد التي غلبت على إخوته فكان كيْدهم له فالتخلّي عنه في غيَابَاتِ الجُبِّ،.

  

من جهةٍ أخرى يُصوّر لنا تفاعل سيّدنا يعقوب -الذي استحوذت على قلبه مشاعر المحبّة والتعلّق-مع الحدثِ فكانت الوِحشة والأسَى على ضياع ابنه حتّى ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ. في نماذج الفقْد نجدُ أيضًا نبيّنا محمّدٍ –عليه الصّلاة والسّلام-حين وفاة زوجته خديجة وابنه إبراهيم… وأعتى الفقد فقدُ المرء لعقيدته، حين يخلو صدره من نور الله وتطوّقُ الفتنُ لُبَّه، وتغترُّ نفسه ويعلو فجوره بقول جهالة لكنّه يلقى الحبور.

  

هي ذي سنن الله في خلقه، نتعلّم أشياء ونُعايش مواقف، نتعرّفُ على أشخاص ونخوض غمار تجارب، فنتغيّر ونُغيّر معنا قناعاتنا، نتبنّى أفكارًا ونتخلّى عن أخرى

ومن النّاس من يُفزعهم شبح الفقد أكثر من أيّ شيءٍ، رغم صلابتهم وتبلّد مشاعرهم، رغم لامبالاتهم المفرطة، إلاّ أنّك تجدهُ يقضُّ مضجعهم ويلتهمُ طمأنة أيّامهم كثُقبٍ أسودٍ. يتحسّس الواحد منهم في كلّ لحظة وموقفٍ وزاوية روائح من فقدهُم، نبراتهم وملامحهم، تلك التّفاصيل الصّغيرة التي تطفو على سطح الذّاكرة فتتغلغل لتلمسَ شيئًا في أعماق القلب فتجده يتمسّكُ بأهدابِه كرضيعٍ يلتمسُ الأمان في حُضن أمّه، يحتضنُ قلبه حين يشتدُّ الألم، يخالُ نفسهُ من فرط السذاجة أنّه سيحتويه، يُهدهد أوجاعه، يكبحُ تأوّهاته تارةً وتنفلتُ منه تارةً أخرى، يعد نفسه ويمنّيها كلّ يومٍ ببدايةٍ جديدة، ويظلُّ يُخفي جبالاً من الحزنِ قد تراكمت تحت جفونه بابتسامة تجلّد، فقط ليُقنع نفسه ومن حولهُ أنّه بخير أو سيكون بخير، لأنّه لا يملك رفاهيّة التعب والانهيار، وسيظلّ يكذبُ ويُكرّر عبارة "أنا بخير"، إلى أن يعتاد الوضع فيكون له كصديقٍ حميمٍ لا يفارقه.

  

ولعلّ أكثرنا حين محاولة الموازنة بين فعليْ الفقد والتخلّي، سينظرُ إلى التخلّي بعينِ قاصرة لا تلمحُ سوى جانبهُ المعتم، مرتكبه جلاّدٌ لا يرحم، نظنُّ بذلك أنّه أمرٌ بسيطٌ، هينٌ على نفس صاحبه سهلٌ، يخفّف كاهله المثقل، ظلمٌ وجور لنفوس ضحاياه، في حين أنّه قد يكون أعظم من ذلك؛ حين يأتي في هيئة تضحية تتطلّب الكثير من الشجاعة، كبَتْرِ جزءٍ منك، تلوَ الجُزء… تلوَ الجُزءِ…  وهكذا. فقط لتنقذ باقي أجزاء جسمك (ولنا في مرضى السرطان والسكري مثال).

  

وقد يتجاوز التخلّي مشاعر الحقد والقسوة، الطّغيان والخيانة، إلى مشاعر الحبّ يدفعُه الضّعف والخوف على المحبوب من سوءٍ أو ضرّ مُحدقٍ به كأمّ موسى حين ألقت برضيعها في اليمّ علّها تنجيه من بطش فرعون، وسيّدنا إبراهيم لمّا ترك زوجته هاجر وابنه إسماعيل بوادٍ غير ذي زرعٍ في صحراء مكّة. وبعضهُ أيضًا براءَة واستعفاف أو لحكمة إلهيّةٍ لا نفقهُها لكنّنا نؤمنُ بها ونخضعُ لها كفراق سيّدنا نوحٍ لابنه، ولوط لزوجته. وقد يأتي كذلك في هيئة غربة عن الديار والأهل والوطن ككثير من الأنبياء والمرسلين أمثال سيّدنا محمد وموسى وإبراهيم ولوط… وكلٌّ منهم هاجر لمسعاه، لرسالة يؤدّيها أو لعلمٍ يطلبه، أو لظلمٍ وقع عليه. أو على هيئة نفخة في الرّوح تسقي النّفس بعد جدب جهلٍ فتتجدّد معها الطّبائع والأفكار والمعتقدات، ونعيد ترتيب أمورنا كأن روحًا جديدةً تتشكل في علاقتنا بالأزمنة والأماكن.

  

هي ذي سنن الله في خلقه، نتعلّم أشياء ونُعايش مواقف، نتعرّفُ على أشخاص ونخوض غمار تجارب، فنتغيّر ونُغيّر معنا قناعاتنا، نتبنّى أفكارًا ونتخلّى عن أخرى، نفقد معطيات كنا نأخذها مأخذ المسلّمات والحتميّة، ونعيد اكتشاف خبايا النّفس وسلوكيّاتها، أفعالنا ومبادئنا، ونضطر للتعاطي مع بعضها، فتكون حينها الدّهشة لكنها دهشة يتماهى فيها الفَقد مع شغف تشكيل عالم جديد لم نمنحه كامل اليقين والثقة بعد. يدركنا نور الله شيئًا فشيئًا فنُبصر كمثل بلقيس حين شدّت الرّحال إلى مُلك سليمان، فرأت عقيدة قومها تتهاوى أمام صرحهِ، وأدركت أنّ الشمس التي يعبدها قومها ليست إلاّ من خلق الله تعالى قد سخّرها ضياءً لعباده، فانكسفت الشّمس للمرة الأولى في قلبها، وأضاء فيه نورٌ جديدٌ لا يغرب.

  

كثيرة هي المواقف ومختلفة هي القصَص التي جاءت لنفهم من خلالها موازين ثنائيّة "الفقْد والتخلّي"، متى نرجّح الكفّة على الكفّة، متى نبدأ ومتى ننتهي، ومتى نمنحُ الفرص ومتى نلغيها، متى نعفو ومتى نقتصُّ، وكيف يتمُّ بناء تصور شاملٍ لعلاقة الإنسان بغيره وبالعالم وبذاته قبل كلّ شيء، بالثّمن الذي يدفعه وبالألم الذي يتجرّعه وبالدّمع الذي يذرفه، بالحقد الدّفين الذي يبذله عبثًا وبالجروحِ الغائرة التي يضعُها ببلادةٍ على أرواحِ غيره، وبالحكم الذي ينتظره حين يفصل الله بين العباد فلا يظلمُ أحدًا، ليكون بيننا وبينهم كموعدٍ أخير لن نُخلفه.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة