قلبي الطيب هو السبب!

blogs تأمل

لحظة انهيارك الأولى، لحظة خمودِ عقلك وصراخ قلبك، تلكَ اللحظة التي تكتوي بها ما بين وبين، وتشعرُ فيها بضيقِ الكون حولك مهما اتسع، تخنقكَ الأماكن مهما كبُرت، ولا يتّسع لك أي مكانٍ حتى جسدك، تشعرً وكأنّك خارجٌ من جِلدكَ إذا استمرّ شعورك هذا ثانية إضافية، تنسلخُ من ذاتك، ويلفٌّك النفور من نفسك، تتجرّد من كلّ شيء، وأي شيء، وترى أمامك، حطامًا كبيرًا، ترى حطامك.

 

لقد عشت قائلًا أنّ السبب وراء كلّ مصائب حياتك، هو قلبك الطيّب، ولا أدري من الصاحب الأول لهذه المقولة، منذ متى يكون القلب الصافي الطيب النقي مغناطيسًا جاذبًا للكوارث؟ إنّها المنطقة التي نرمي فيها اللوم على كلّ الأشياء حولنا، ونكاد حتّى نلقيها على كلّ الكائنات الأخرى مع البشر، تقعُ ثمرةٌ من الشجرة على رأسك فترغب أن تقول: "قلبي الطيب هو الذي أشار لي أن أستند على هذه الشجرة، وها هي تضربني بثمرها، هاه، حتى الشجرة ترفضني!". لم يكن قلبك الطيب السبب، كنت أنت السبب، ولا مُلام هنا، إلا أنت، لماذا لم تقل مثلًا أنّ هذه الشجرة أحبّتك فعلًا، وقالت لك بطريقتها: "أنا لا أستطيع الحراك، فخُذ، هذه هديتي من الحبّ لك". أرأيت الفرق؟

  

إنّا نقيسُ كلّ الأشياء بطريقةٍ واحدة، أنّا ضحايا كل القصص، والذنب ذنب الذين كانوا معنا، والقضية تلتفّ بطريقةٍ غير منطقية حول عقدةٍ جديدة تشكلت في دواخلنا دون تفسيرٍ لها، وكأنّ روتين الحياة يفرضً أن تكونَ مجرّد خيبات وألمٍ وحزنٍ وليالٍ تعيسةٍ وطويلة وباردة، ونقول للقمر كلّ القصص، ولا نبالي بضوء الشمسِ نهارًا، بل نهربُ منها، بلا تفسيرٍ أيضًا، لا نريد أن نقول الحقيقة لأنفسنا، وهذه كلّ المشكلة، نحنُ السبب الحقيقي وراء كلّ ما عايشنا، وما نعيش، وما سنعيش، وكلّ الآتي وما سبق، نحنً السبب الحقيقي وراء هذه المبرراتِ التي نضعها لأنفسنا في كلٍ موقفٍ لتقبّل الموجود وعدم طلب المزيد، للتوقف والبكاء، للحزن وكلّ تلك الحالات الدرامية التي نخلقها لأنفسنا ونغلق عليها الأبواب وتتلاشى علاقاتنا الاجتماعية لأسوأ حدٍ ونصبح كما لو كنّا أصحاب الكهف الذين عاشوا سنينًا طوال فيه، في غضون يومين فقط، ونسرقُ من عمرنا ساعاتٍ لا تعود، وننشرُ في أنفسنا خوفًا غريبًا عجيبًا، غير معهود.

 

لا تٌهلك نفسك بالركض في طريقٍ وعرٍ تعرف في قرارة نفسك أنّه لا يشبهك، ولا يريدك، ويريكَ صورة نفسك في الوحل بأبشع طريقة

لِمَ لا تريد الوقوف في وجه نفسك؟ ولا تريد حتّى أن تكون سببًا في إنهاء لعنة الأحداث المارة بك، أن تصنع أنت الفرق، أنسيت كم أنت مخيّر؟ أن تصنع أنت الفرق! أنسيت كيف تتغيّر؟ إنّ استحقاق نفسك يعلو صوته فوق كلّ هذه الأشياء، فقِف وقُل، ما الذي يبقيني اليوم هُنا؟ ولمَ أظنّ أن نجاتي لا تتحقق إلا بخياريَ الوحيد، ولمَ لا تتسع دائرة خياراتي، إنّك تقتل نفسك دون شعورٍ منك وتبقيها تدورُ وتدور في دائرة لا نهاية لها، وتحاول فقد السيطرة لتخرج من مركزها دون جدوى، لن تخرج إلا بتغيير المسار، وعدم الركض حول مركزك المرعب الذي يشدّك دون وعيٍ منك، يشدّك بالإجبار.

 

أنت تستحقّ أن تنتقي لنفسكَ من الأشياء أفضلها، أنا لا أقول لك أن تفضّل نفسك عن الناس لدرجة أنّ تصغّر الناس أمام عينيك، لا، لا غرور، الغرور كاذبٌ ومخادع، والأنانية كذلك تفعلُ في نفسك كما تفعل الجرذان العفنة في الحوائط والأخشاب وأماكن تواجدها، إنّها تفسدك، وإفساد الجوهر يظهرُ بالمظهر، وفساد المظهر الآن يُلغيك، نعيشُ في زمنِ المظهر، فمن أنت، بلا مظهر؟ ولا تشغل نفسك بهِ، إنّي أَضربُ لك مثالًا، أصلح جوهرك، يَصلحُ مظهرك، تصلحُ أنت، يصلحُ كل ما فيك.

 

أنتَ تستحقّ أن تنتقي لنفسك من الأشياء أفضلها، وأن تكون راضيًا قنوعًا لما بين يديك، أنا لا أعيش في عالمٍٍ مثالي، وربما ينقصني أكثر منك، وربما أزيد أكثر منك، لا تٌهلك نفسك بالركض في طريقٍ وعرٍ تعرف في قرارة نفسك أنّه لا يشبهك، ولا يريدك، ويريكَ صورة نفسك في الوحل بأبشع طريقة، ويقول لك عن ذاتك كلّ شيءٍ بشعٍ إلا أجمل حقيقة! لا تلهث بالركض وراء أنصاف الأشياء، وتقولُ هذا الذي منحتني إياه الدنيا، هي تمنحنك النصف لتكمل أنت، لا لتقبل بالأنصاف، وتقول انتهى، وينطفئ شغفك وحبّك وتٌلغي ذاتك، وتفكّر في طريقة الحفاظ على النصف الذي معك دون كمال، أتعرف أنّ هذه الأنصاف كثيرًا ما تكون بالية غير مستحقة للتعب في إكمالها؟ أتعرفُ كيف يمكنك قياس ذلك؟

 

اقبل بالنصف، ولكن، قُل لنفسك، هل أكون أنا، هو أنا، في النصف ذلك؟ هل أقفُ كما كنت؟ هل أتحدث كما كنت؟ هل أشعر كما كنت؟ هل أنام وأغفو وأصحو وأقوم وأسير وأمشي وأركض وأهرول، كما كُنت؟ هل تخرج الضحكة مني ذاتها؟ أم أنّي أسيرُ لأصيرَ كل شيءٍ إلّاي. إنّ ظلمك الحقيقي لنفسك هو إنهاء ذاتك لأجلّ أي شيء!ة لا تقتل نفسك الجميلة لأي شيء، ولا تسمح لأي قوة مهما بلغ فيك مقدار حبّها أن تُنسيك حبّ نفسك ولو تفوّهت أمامك بأبشع الكلمات، وفعلت لك أكبر الأفعال، وحتى لو أصغرها، وحدك ترسمُ قيمة ذاتك، وحدكَ تصلُ بنفسك للنجاةِ والبرّ بعد انعدام الأمان، وحدك تكفيها، تبقيها، تحييها، وحدك ترسمُ الطريق السليم، ولا أحد يجهل طريقه السليم الخالي من أي مبرراتٍ لمواقف واضحةٍ كعين الشمس، كُن أوّل من يقدّر ذاته، ويحبّها، لأجلك، لاستحقاقك، لانتقائك كلّ شيء في حياتك!

 

عِش حياتك الكاملة دون أي نقصان، ولكِن، اللحظة التي تشعرُ بالخوف قبلها، أو حتى الشك والتردد، هي بداية الكابوس، ولا شيء يجبرك على حضورهِ بلا نومك، كُن سبب إنقاذ نفسك، ولا تنتظر يد العون، أنتَ كثيرٌ على كلّ الأشياء حولك، كثيرٌ لجمالك وقلبك وروحك، وفهمكَ الصحيح لما كتبتُ لك لأقول، أنّك صاحب نفسك ومالكها، بأي حقٍ تمنحها من لا يستحقّها؟ عِش حياتك الكاملة دون أي نقصان، حتى لو نقصت، ستأتيك الحياة من الأبواب التي دخلت منها، الحزن سيلاحقك من بابه، والفرح من بابه، أغلق أبواب الحزن غير المبرر، وحتى المبرر، عش شعورًا كافيًا منه وامضِ، لا تقف، إنّ الوقوف يكلّف ما لا تطيق، اهرُب إلى حيث الفرح والنّور، قِف بوجه الشمس وقُل لها، مرحبًا، أحبّك اليوم، أحب دفئكِِ، ولونكِ، ونوركِ، قف بوجه القمر وقُل، كيف وقفت يا قمر في عتمة هائلة كهذه وأنرت؟

 

كُن شمسًا في نهارك، وقمرًا في ليلك، وما بين الإثنين، كن غروب شمسٍ هادىء يضمّ قلوب الناس بهدوءٍ، وحب، عِش خفيفًا على نفسك لا تُثقلها، خفيفًا على أرواح غيرك لا تؤذيها، قريبًا ودودًا ولا معجزة في ذلك، عِش كما تريد أن ترى الناس أمامك، عِش وكأنك أمنية نفسك التي تحققت بصفاتها بِك، عش راضيًا ومٌحبًا، عِش للناس ولكن، لا تنسَ نفسك، عش لأجلك.. لأجل استحقاقك لكلّ جميل، عش لنفسك.