مذكرات هارب من الخدمة

لتوي انهيت الزحف على البطن عاريا إلّا من شورتي الداخلي.. الطين لطخ كل جسمي، لكن الأمطار تزيله بسهولة.. الدم الذي ينزل من الجروح الناتجة عن الزحف، لا يُزال.. صدري وباطن ذراعَيّ، وركبتَيّ، وفخذَيّ من الامام، والاطراف الداخلية لقدمَيّ كلها تدمي لاحتكاكها بالطين المختلط بالحصوات الصغيرة المكسرة، اثناء الزحف.. البرد دخل إلى كل خلايا جسمي، وصل العظم.. فنحن في (كانون الاول – ديسمبر) من عام 1990، على ساحة عرضات معسكر الحلة جنوب العراق.

  

هي انتهاء ذهاب المرة الأولى فقط، مطلوب مني عشرُ مراتٍ ذهابا وايابا لمسافة عشرين مترا، ها هو نائب العريف المزعج يُصفِّر مشيرا بالعودة زحفا، هذه المرة على الظهر.. "يا إلهي نائب العريف لا يتوقف.. لا ينتظرني، كي استريح.. أمري لله.."، انقلبت على ظهري، وبدأت ازحف عليه.. مقدما كتفي اليمين، ومن ثم اليسار.. يمين يسار.. يمين يسار.. جروحي من الأمام تستقبل المطر الساقط.. عيناي تكادان تعميان من تسرب مياه الأمطار إليهما، مع ما ترفعه الامطار القوية من اطيان الساحة، وتنشرها حواليها، فتصيب بدورها وجهي.. المياه تتسرب إلى فمي وانفي.. ظهري العاري يحتك بنفس الطين المختلط بالحصوات الصغيرة المكسرة، زاحفا وسط المياه المتجمعة في الساحة.

  

أشعر بجروح من الوراء، تصيب ظهري أيضا، عندما أنهيت العشرين مترا ووصلت نقطة البداية عائدا، كان نائب العريف ينتظرني هناك، رفع قدمه ببسطاله العسكري الكبير، ووضعه على صدري.. قائلا:

– انهيت مرة واحدة، أمامك عشر..

– عريفي.. استحلفك بالله.. مرة تكفي.. لا استطيع المزيد!.. سأموت..

– أمثالك يجب أن يموتوا..

– لماذا؟

– لأنك عالة..

    

ارتمينا على بطوننا، ادخلنا الاطلاقات في الكلاشينكوف، سحبنا الاقسام، طبقنا الفرضة مع الشعيرة.. وضعت إصبعي على الزناد، أخذت رخاوته، قطعت نفسي منتظرا ايعاز الإطلاق.. الصمت سبق الإيعاز.. أطلق.. انتهى الصمت تماما.. بدئنا نطلق النار على الاهداف

لم أعرف حقيقة لماذا أنا عالة، فانا لست غير ملتحق منذ أشهر بالعسكرية بعد أن تخرجت من الجامعة، لم أرتكب جرما، لماذا يجب ان أموت؟! لكن أعرف عندما أسأله هذا السؤال وأشرح له وضعي، وأعرفه بأنني خريج سيقول: – ماكو خريج مريج.. الخريج عندنا بالبريج..

  

أنزعجت من نفسي، لأنني لم أكوي ملابسي، ولم ألمع بسطالي، ولم أحلق لحيتي صباح ذلك السبت الزمهرير.. كنت عائدا للتو من نزول خميس وجمعة، ملتحقا بفصيلي، الذي لا يزال في دورة تدريبية ليوزع الجنود بعد ذلك على الوحدات العسكرية في الجبهات المختلفة..  هي نهاية الدورة، أخذوا فصيلنا مباشرة للرمي، عشرة.. عشرة.. هكذا صاح علينا آمر الفصيل.. نصطف وراء بعضنا في كردوس كبير، لتخرج الصفوف عشرة وراء عشرة، حتى يكمل كل الفصيل.. بحضور آمر المعسكر برتبة العميد، ظننت بانني قد نجوت هذه المرة من عقوبة النزول، تلك التي اتعرض إليها صباح كل سبت.. فالخروج للرمي يعني سوف لا يخرجوننا للعقوبة.. سبق أن عوقبت صباح كل سبت بعد العودة من نزول خميس وجمعة، وأُنذرت في آخرها انذارا أخيرا على ألا أنزل، طالبوا مني البقاء في المعسكر، فالجيش في حرب.

 

كل العالم اجتمع ضد العراق بعد غزوه الكويت منذ أربعة أشهر، والحديث عن إخراج العراق من الكويت بالقوة كان سائدا على نشرات الأخبار غير العراقية، أما العراقية فليس فيها غير إعلان الصمود، والبطولات، والانتصارات، فنحن الأقوى وغيرنا الاضعف، ونحن الحق وغيرنا باطل، ونشید:

"احنا ميشينا ميشينا ميشينا للحرب… عاشك يدافع من اجل محبوبته محبوبته.. احنا ميشينا للحرب..

هذا العراقي العراقي العراقي من يحب… يفنى ولا عایل يمس محبوبته محبوبته.. احنا مشينا للحرب"

كانت تصدح به إذاعة بغداد كلما وصل باحث الإشارة عن الإذاعات عليها..

  

تقدم صفنا وكنت التسلسل رقم 7، حاولت أن ابعد نفسي عن الأنظار، فكنت أبحث عن التسلسل البعيد، والصفوف البعيدة، كنت قلقا على الظهور فيراني نائب العريف، أو نائب الضابط، أو الضابط الأدنى فالأعلى تواليا.. الآن أصبحنا واجهة، صفنا تقدم على الجميع، وأنظار الجميع علينا، جنودا، وعرفاء، ونواب الضباط، والضباط، وآمر الفصيل، وآمر المعسكر، وكل من هنا..

 

ارتمينا على بطوننا، ادخلنا الاطلاقات في الكلاشينكوف، سحبنا الاقسام، طبقنا الفرضة مع الشعيرة.. وضعت إصبعي على الزناد، أخذت رخاوته، قطعت نفسي منتظرا ايعاز الإطلاق.. الصمت سبق الإيعاز.. أطلق.. انتهى الصمت تماما.. بدئنا نطلق النار على الاهداف، إطلاقة بعد أخرى، حسب الايعازات التي بدأت تترى حتى وصلت للعشرة، فكانت عشر اطلاقات، وملأت أصوات الاطلاق الجو مع صداها الذي كان يرجع لآذاننا، مثلما خرجت أصواته من بنادقنا، ليزيدني إزعاجا فوق إزعاج، وتشويشا فوق تشويش.

 

مع انتهاء الاطلاق أمر العميد (آمرُ المعسكر) آمرَ الفصيل بالذهاب للتحقق من الاهداف، ليسجل لكل جندي الاطلاقات التي أصابت الهدف، ذهب وحسب عدد الاصابات لكل جندي.. أنهى كل الفصيل عملية الاطلاق، وطالب آمر المعسكر إعلامه بالجندي الذي أصاب الهدف أكثر من أقرانه.. لم أكن مركزا على من سيفوز، أما أن أكون أنا فهذا كان شبه المستحيل، فذلك لم يخطر على بالي، ولا كان ضمن اهتماماتي.. فجأة سمعت باسمي، ينادي به آمر الفصيل على أنني الفائز، وأكثر من أصاب الهدف، كانت الاصابات تسعة من عشرة.. صاح العميد "من هذا السبع؟! ليتقدم إلى هنا للتكريم.."

 

في تلك اللحظات كنت اشكك في أن اكون هو الجندي المقصود، لكن آمر الفصيل صاح من جديد علي، وعلى ان اتقدم نحو آمر المعسكر سيادة العميد.. كنت اتمنى في تلك اللحظات لو لم التحق هذا الصباح بالفصيل، لو غبت لكان أفضل، فلست في هيئة أن أمثل أمام آمر المعسكر.. لكن الامر حُسم، والنداء على اسمي مستمر، ليس هناك من مفر، نهضت وتقدمت نحو الآمر.

 

 الجندي الخريج، أحمد حسين.. من الفصيل الثاني.. دورة القعقاع.. سيدي.. صحت بكل صوتي، رفعت قدمي اليمين بكل قوة لمستوى الخصر، نازلا بها ضاربا الأرض، برفقة يدي اليمني المرتفعة ثم النازلة على الطرف اليمين من رأسي، لمست أصابعي أذني اليمين.. كانت تحية عسكرية شعرت أن الأرض اهتزت من تحتي، وارتجف لها جسدي.. عسى ولعل بذلك أنسي آمر المعسكر هيئتي وهندامي.

 

الآمر نشر نظراته على طولي، من الاسفل للأعلى.. البسطال غير ملمّع.. الملابس غير مكوات.. اللِّحى لم تحلق صباح اليوم.. نهض العميد من كرسيه وتقدم نحوي، ومرر يده على خدي صعودا ونزولا، أصابت نتوءات اللِّحى التي لم تحلق منذ أمس يده.. صاح الآمر: "من المسؤول عن هذا الجندي؟" كان هو الملازم أول إياد.. أمر آمر المعسكر له بالسجن ثلاثة ايام.. انهى الملازم إياد ثلاثة ايام سجنه (السبت، والأحد، والأثنين) وبعد خروجه يعاقبني اليوم الثلاثاء، في هذه الاجواء الممطرة الباردة في طين ساحة العرضات..

 

لا يزال حذاء نائب العريف على صدري، يتلذذ بالمشهد وأنا تحت قدمه..

– أنت خريج اي كلية؟

– العلوم.. عريفي..

 

أعاد مقولته الشهيرة ضاحكا:

– ماكور خريج مريج، الخريج عندنا بالبريج..

 

استمر العريف في نشوته قائلا:

– أما أنا، فلست لا خريج ولا مريج، تركت المدرسة.. كنت دائما أرسب بالامتحانات، لكن هنا أنت ترسب وأنا أنجح، فها أنت تى نفسك تحت قدمي..

  

رفع قدمه عن صدري وطالب مني تكملة الزحف، لانهاء العقوبة بعشر مرات ذهابا وايابا.. كل سبت كان لي موعد مع العقوبة، هذه كانت الأخيرة في المعسكر، لم تكن في يوم السبت كانت في الثلاثاء، وكانت الأخيرة لأن النزول في الخميس التالي، بعد يومين منها، لم يكن نزولا بل هروبا.. هروبا لم يتم، فلم تسلم الجرة هذه المرة.. لتبدأ القصة..



حول هذه القصة

لجأت طهران لجيرانها المباشرين، تركيا وأفغانستان والعِراق، كشركاءٍ تجاريّين يمكنُ أن تساعد تجارتهم المُستمرة بعويضِ الخسائر العميقة التي تفرضّها العُقوبات الأمريكية، فعندما يتعلق الأمر بالإلتفاف على العقوبات، فإن الجغرافيا مهمة.

صار الحلم الإيراني واقعاً بعد أن بسطت طهران نفوذها العسكري والسياسي في المنطقة. حيث وسَّعت طهران دائرة تأثيرها من مركز العراق ومنطقته الخضراء حيث المطبخ السياسي والعسكري إلى المحافظات.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة