أين وصلنا من نظرية التطور والنشوء الداروينية

blogs - تشارلز داروين

تقول نظرية التطور التي توصل إليها وأطلقها العالم تشارلز داروين عام 1859، بأن جميع الكائنات الحية منذ بدء الخليقة حتى الآن تتشارك أسلافا مشتركة، وأن القرد هو السلف للبشر، مع غياب الحلقة التي تثبت هذا التطور، وقد تم نقد ومحاربة هذه النظرية ومؤسسها منذ نشرها وتم نعته بالملحد، لأنه خالف ما جاء في الديانات عن كيفية نشوء الإنسان وخلقه من طين، فكان أبونا آدم، ثم تخلق حواء من ضلع صدره لتكون سكنا له. رويدا رويدا تقبل العلماء نظريته، سواء بقبولها والتسليم لها أو بمحاولة إيجاد تفسيرات أخرى، فأبدت العديد من الدراسات دعما للجزء الذي يقول بأن الكائنات الحية تتشارك العديد من الصفات، وأن العوامل البيئية والزمنية كانت السبب خلف التنوع بين المخلوقات وعيش الأقوى بينها.

 

تطورت نظرية التطور والنشوء وأصل الأنواع كثيرا عبر السنوات لتتحول من اعتماد الصفات الظاهرية في المقارنة؛ كاللون والأطراف والشعر والأجزاء الداخلية للأطراف من العظام والمفاصل… الخ إلى دراسات وخرائط جينية وراثية بحتة تثبت تقارب الكائنات وتفسرها بطريقة أفضل. حيث بدأ اعتماد التسلسل الوراثي (تتابع القواعد النيتروجينية الأربع في سلسلة الحمض النووي الرايبوزي منقوص الأكسجين DNA ) في الدراسات الوراثية وإيجاد أسباب الأمراض المختلفة وإيقاف تكون الأمراض الوراثية منها، كما فعل العالم الصيني (خه جانكوي) الذي استطاع التعديل على الجين المسؤول عن دخول فيروس الإيدز إلى الخلايا فقام بتعطيله لدى أطفال تم تكوينهم مخبريا (أطفال الأنابيب) ثم زراعتهم في رحم أمهم بعد مكوثهم فترة تحت الدراسة المجهرية في المختبر.

  

وبدأت العديد من المختبرات الوراثية الحديثة بعمل خارطة جينية للأفراد ، والتي يتوقع أن تكون أسعارها في متناول الجميع ، تتنبأ بأمراضهم الوراثية مثل السرطان والزهايمر وأمراض أخرى، فيقوم المريض تبعا لذلك باتخاذ إجراءات تمكنه من تجنب المرض مثلما فعلت الفنانة أنجلينا جولي حينما استأصلت ثدييها والمبيضين بعد علمها بارتفاع احتمالية إصابتها بمرض السرطان من خلال الفحوصات الوراثية للجينات المسؤولة عن ذلك.

 

بعد كل السنوات والدراسات التي دعمت أو دحضت النظرية بمختلف أجزائها، وتوقف العلماء الأجانب عن التطرق بشكل رئيسي إلى أن "أصل الإنسان هو قرد"

كما بات بإمكان العلماء استغلال المعلومات المتوفرة في بنوك المعلومات الوراثية التي أصبحت متواجدة بكثرة على خوادم الإنترنت في بناء بدائيات وراثية (تستخدم لبدء عملية نسخ الجين في تقنية PCR) تستهدف جينات متخصصة (بعملية أيضية لمركب معين مثلا أو دورة بناء أحد البروتينات أو إحدى المواد المهمة) بهدف التعرف عليها ودراستها، أو بهدف تجميع تسلسلات جينية عديدة لنفس الجين لدراسة الطفرات الموجودة بها ومدى تأثيرها على عمل هذا الجين، سواء كان ذلك في البشر أو النبات أو الحيوان، أو لبدء دراسة أعمق من ذلك، كتصنيع تلك المادة مخبريا بكميات كبيرة تستخدم دوائيا أو لأي هدف آخر.

 

كل ذلك أدى إلى تفاصيل قامت بتأكيد بعض تصنيفات البشر تبعا للبيئة أو البلد الذي يعيشون فيه، فمثلا يهود شرق أوروبا تزداد لديهم نسبة الإصابة بطفرة في الجين (BRCA) المسبب لسرطان الثدي. وتزاد احتمالية الإصابة بمرض حمى البحر المتوسط المناعية بين سكان البلدان الواقعة على البحر المتوسط، وأن المصابون بحمى البحر المتوسط العائلي لديهم طفرة في الجين MEFV.

 

كما وقد أثبتت العديد من الدراسات تواجد جينات صانعة لبروتينات متشابهة في جميع الكائنات الحية، غلى الرغم من اختلاف تسلسلها الوراثي في بعض الأماكن أحيانا، والتي أوصلت العلماء إلى التعرف على المكونات الأساسية في جميع هذه الكائنات واستهدافها في العديد من العلاجات أو استخدامها كنتيجة موجبة في الفحوصات للتأكد من جودة العينة والفحص.

 

ولأهمية ما سبق ذكره ، قد أقيم علمٌ كامل مختص بالتصنيفات هو علم التصنيف أو (Taxonomy)، والذي يعد من أهم العلوم الحياتية التي تقوم عليها العلوم الوراثية والجينية الحديثة. والذي يرافقه في العمل والأهمية علم النشوء والتطور أو (Phylogenetics) الذي بات يعتمد علوم الجينات في تصنيف الكائنات الحية ضمن الممالك الخمس (بدائيات وفطريات وأوليات ومملكة حيوانية ومملكة نباتية) ومدى تقاربها من بعضها البعض في الشكل والوظيفة. حتى أن تلك العلوم باتت تستخدم في اكتشاف الدواء المناسب تبعا لبرامج محاكاة أشكال البروتينات المسببة للأمراض في علم يسمى (Drug discovery)، حيث يتم بناء الدواء بشكل كيميائي ومطابقته من خلال البرامج مع البروتين الممرض.

 

بعد كل السنوات والدراسات التي دعمت أو دحضت النظرية بمختلف أجزائها، وتوقف العلماء الأجانب عن التطرق بشكل رئيسي إلى أن "أصل الإنسان هو قرد"، نأتي على ذكر ذلك في جامعاتنا وبرامجنا التلفازية. لنعود فنجادل في أصل الإنسان واعتناق النظرية أو دحضها، بل ونبذل الجهود والوقت في الرد على كل ذلك.

 

تطور حياتي يومي يطرأ على تلك النظرية التي توقف عندها العديدون وبالرغم من تطور النظرية، إلا أن أدمغة العديد من الأشخاص على مختلف مستواهم الثقافي لم تتطور وتواكب الدراسات الحديثة، فتستخدم الجزء المهم والحقيقي من النظرية كما هو الحال مع جميع النظريات التي تم طرحها منذ الأزل. وما زلنا نفتقر لاعتناق هذه العلوم في جامعاتنا وأسواق العمل بشكل كافٍ للتقدم والوقوف بمصافّ الدول المتقدمة علميا ووضع بصمة فارقة في هذا المجال.

  

وما زلنا نطرح السؤال:

"هل الإنسان أصله قرد!"