ماذا يريد التونسيون من رئيسهم القادم؟

لا شك أن وفاة الرئيس الراحل محمد الباجي قائد السبسي -رحمه الله- قد هزت الوجدان الجمعي للتونسيات والتونسيين بمختلف مشاربهم الفكرية ومنطلقاتهم العقائدية وخلفياتهم السياسية، كون الرجل كان رئيس استثنائيا جاء في مناخات ديمقراطية لأول مرة منذ إعلان الجمهورية. وقد أصبح موضوع خلافته حديث الساعة ونحن على أبواب استحقاق رئاسي مبكر يوم الخامس عشر من سبتمبر. وباب الترشحات وإن لم يغلق بعد فقد باح تقريبا بكل أسراره وحتى الأكثر إثارة منها، كترشح الأستاذ عبد الفتاح مورو نائب رئيس البرلمان ورئيسه بالنيابة حاليا وحتى انتهاء العهدة البرلمانية الحالية.

  

ولا نبالغ إن قلنا أن نتيجة هذا الاستحقاق مفتوحة على كل الإحتمالات لعل أقصاها فوز أحد المرشحين من الدور الأول، أي بالضربة القاضية دون انتظار دور ثان. والمزاج المواطني التونسي، إذ يتابع بمزيج من الحيرة والإعجاب والاهتمام تقديم الترشحات وحمى التزكيات والمناشدات فإنه سيختار في الأخير، باقتراع حر ومباشر وسري وعام رئيسه القادم لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحد، لكن السؤال اللغز هنا هو: كيف يريد التونسيون رئيسهم أن يكون؟

الرئيس القادم مطالب بالإبتعاد عن سياسة المحاور الخليجية والإقليمية ودبلوماسية "صفر مشاكل" لتحييد أعداء الديمقراطية وتفادي إمكانية تحالفات تستهدف استقرار تونس

من المؤكد أن التونسيين يريدون، أولا وقبل كل شيء رئيسا بمهارات خطابية وحتى بلاغية عالية مع حس فكاهي لاذع يذكرهم بمجمل الرؤساء الذين مروا على تونس منذ استقلالها وخاصة الرئيس الراحل بورقيبة، مع كاريزما جذابة وحضور قوي يلجم منافسيه ويفرض الاحترام حتى في أصعب اللحظات. الخصلة الثانية المندوبة في شخص الرئيس القادمة هي القدرة على التجميع وحل الأزمات والتوفيق بين وجهات النظر المختلفة، فالتجربة أثبتت أن مرحلة الانتقال الديمقراطي هشة ومعرضة لهزات قد تعصف بالمسار خاصة داخل البرلمان، وبين الأحزاب مما يفرض وجود رئيس قادر على التجميع ولعب دور رجل الإطفاء ليعيد الأمور إلى نصابها عند احتداد التوتر والاستقطاب.

  

لا يعني هذا أن الرئيس القادم لا يجب أن يكون متحزبا، بل العكس تماما، فالسند السياسي القوي ضروري ليتمكن الرئيس من تمرير أجنداته وخياراته وخاصة التشريعية منها بسهولة، لكن هذا السند السياسي لا يجب أن يصبح، كما حدث في حالة الرئيس السبسي ونداء تونس، معطلا وعامل جذب الى الخلف يلهي الرئيس عن أدواره الوطنية ويجعله منغمسا في حل ازمات حزبه او ترضيته. التونسيون أيضا يحتاجون رئيسا لا يقسمهم على أساس معايير عقائدية أو عشائرية أو فئوية، بل يجب أن ينأى بنفسه عن كل المناكفات خاصة الهووية منها والتي حسمت بنص دستور جانفي 2014 وخاصة في ظرف اقتصادي صعب الأولوية فيه للحلول المستعجلة التي تعيد لعجلة التنمية نسقها الطبيعي بل وتدفعها، لأنها لم تكن ابدا في احسن حال قبل الثورة.

 

وهنا نشير إلى أهمية دور الرئيس في إدارة دبلوماسية تحشد أصدقاء تونس وتحفزهم لمزيد دعم التجربة الفريدة وذلك من خلال التركيز على فتح أفاق جديدو والالتفات الى خيارات غير تقليدية كإفريقيا السوق النامية بسرعة مع ايلاء الأولوية القصوى للبعد الاقتصادي للدبلوماسية، وهذا ما تفطن له الرئيس السبسي ولو متأخرا عندما عين كاتب دولة للدبلوماسية الإقتصادية لكن ذلك لم يكن كافيا لتحسين أداء الاقتصاد وجلب الاستثمارات في ظل مشاكل هيكلية يجب أن تشتغل الحكومة القادمة على حلها بهدوء وبعيدا عن الاستعراض الاعلامي، وفي هذا الصدد يجب القول أن الرئيس القادم مطالب بالإبتعاد عن سياسة المحاور الخليجية والإقليمية ودبلوماسية "صفر مشاكل" لتحييد أعداء الديمقراطية وتفادي إمكانية تحالفات تستهدف استقرار تونس، لكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال سكوت الرئيس القادم وجهازه الدبلوماسي عن أي إنتهاكات أو إساءات تطال تونس أو أي مواطن من مواطنيها مهما كانت الظروف وفي أي بلد من بلدان المعمورة حفظا لمناعة البلاد وصونا لكرامة مواطنيها.

  

في المحصلة، تحتاج تونس وشعبها رئيسا قادرا على إدارة صلاحيات مؤسسة رئاسة الجمهورية المحدودة عددا لكن الحساسة جدا من جهة أهميتها بحكمة وحنكة بعيدا عن التهور والتنطع والانطباعية. وفي انتظار ما سيبوح به الصندوق الشفاف يوم السادس عشر، قبيل الصباح، ستسكت شهرزاد عن الكلام المباح وستتكلم الحملات الانتخابية وسيحاول كل مرشح حصد الأرباح، لتعيش تونس وديمقراطيتها وشعبها الأبي سطرا آخر من سطور ملحمة الإنتقال من الحكم الجبري إلى حكم الشعب الحر .



حول هذه القصة

غيب الموت الرئيس الباجي قايد السبسي، لكن تجربة تونس الديمقراطية بقيت حاضرة، إذ أرسى الرجل رفقة نخبها من كل الأطياف دعائمها على الوفاق والمشاركة وتجنب الإقصاء.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة