مهنة الصيد بغزة معاناة لا تتوقف!

blogs غزة

في ليلة قمرها مكتمل يتلئلئ نورًا، وبحرٌ هادئ تتماشى به السفينة ببطئ على أنغام دندنة قبطانها، إلى تأمل الصيادين بصيد ثمين يرجعون به إلى الميناء، فجأة يسمع كل من على السفينة أصوات غريبة تقترب منهم وكأنها أشباح البحر، أصبح الصوت قريباً وكأن هناك موجة ستلتهمهم، وبدون أيّ مقدمات باغتتهم أضواء لا يمكن للعين أن تقاومها، الصيادين أيقنوا أنها أفعال قوات جيش الاحتلال الصهيوني، بالفعل خرج صوت غليظ بلغة عربية ركيكة "كلو يرفع ايدو ويقلع كل ملابسه"، وتبدأ بعد ذلك القوات الإسرائيلية بالاستلاء على المركب أو اعطابه، إلى أن يتم اعتقال أصاحبه وتحويلهم للتحقيق بعد اهانتهم وتعذيبهم الذي بدء من وقت اقتحام السفينة وحتى اعادتهم إلى شاطئ بحر غزة بدون قواربهم.

  

هذه هي حكاية معاناة الصيادين الغزيين التي تروى كل يوم على وسائل الإعلام المحلية والعربية وربما العالمية، المشاهد صعبة جداً عندما يتحدث بها الصياد بأسلوب تكاد أن تقول "طفل صغير سلبت لعبته منه"، لكن هنا سلب الصياد حقه المشرع في الاتفاقيات المبرمة منها اتفاقية أوسلو (معاهدة السلام الموقعة عام 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل)، وما تبعها من بروتوكولات اقتصاديّة، فإنه يحق لصيادي الأسماك في قطاع غزة، بالإبحار لمسافة 20 ميلاً، بهدف صيد الأسماك، إلا أن ذلك لم ينفذ منذ 15 عاماً، لكن الان يكادون الوصول لمسافة 6 ميل وتصل أحياناً أن تجبرهم قوات الاحتلال على أن يصطادوا على مسافة ثلاثة أميال بحرية، ويجدر بالذكر أن يصل اجرام الاحتلال إلى إغلاق البحر بوجه الصيادين، وهذه ما حدث يوم الرابع من أيار من العام الحالي.

 

تتفنن القوات البحرية الإسرائيلية بفرض ممارسات قاسية تنفذها بحق الصيادين منها الإغلاق وفرض الطوق البحري، مهاجمتهم بصورة فجائية في عرض البحر

قوات الاحتلال تشرع بتلك الأعمال العدوانية من غير أي إشعار أو تنبيه مسبق للصيادين لكي يهربوا من جرف عدوانها، وهو ما يتسبب في إثارة الخوف لدى الصياد الغزيّ، ويمنعهم من مزاولة أعمالهم بحرية وأمان، ويحيلهم إلى صفوف العاطلين عن العمل، وهو ما يتنافى مع حقهم في العمل، والحياة، والأمن والسلامة.

 

أصبح الصيد المهنة الأخطر على وجه مدينة غزة التي يهان بها العامل من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي الذي لا يكترث للصياد الذي ترك عائلته وكأنه اللقاء الأخير معهم، ذاهب للبحر وهو متقين أنه ربما يأتي اليوم عليه الدور في الاعتقال أو الموت في ليلة سوداء لا يرحم بها الجندي الإسرائيلي ذاك الصياد الذي أكبر أمنيه له أن يخرج بكمية أسماك تعيد الحياة لبيته الذي يتمنى أن يدخل له الأشياء الضرورية، وهذا ما قاله أحد الصيادين عند خروجه فجراً من البحر:" والله ما اصطادته شباكنا بالكاد يغطي المصاريف ولقمة البيت"، مضيفاً أن إطلاق الاحتلال النار تجاه الصيادين مع ساعات الفجر دفعنا للخروج من البحر خشية على حياتنا.

 

تتفنن القوات البحرية الإسرائيلية بفرض ممارسات قاسية تنفذها بحق الصيادين منها الإغلاق وفرض الطوق البحري، مهاجمتهم بصورة فجائية في عرض البحر، اعتقالهم والتعدي عليهم بالضرب والاهانة، إطلاق النار المتعمد عليهم في عرض البحر، إتلاف أو سحب شباك الصيد، احتجازهم واستجوابهم وإخافتهم، مصادرة قواربهم وأمتعتهم الخاصة بالصيد، مطاردة جنود "البحرية الإسرائيلية" لهم في عرض البحر ومنعهم من مزاولة عملهم، وإجبارهم على ترك أماكن الصيد الغنية بالأسماك إلى أماكن أخرى، تقليص مساحة الصيد التي يسمح لهم أن يتحركوا فيها، والتلاعب بهذه المساحة بين مد وجزر.

 

لم ينتهي هذا الاجرام بتلك الممارسات المجحفة، بل استمرت بسياسية احتجاز القوارب التي يتم مصادراتها بعد استيلاء القوات البحرية عليها واعطابها، وتستمر عملية احتجازها إلى ما يقارب من ثلاث سنوات أو أقل إلى أن تعيدها إلى أصاحبها، حيث أعلنت النيابة العامة الإسرائيلية في مايو/أيار الماضي أن محكمة العدل العليا قررت إعادة 65 قارب صيد فلسطينيا إلى قطاع غزة بناء على التماس تقدمت به جمعيات حقوقية فلسطينية، منها "عدالة"، و"الميزان لحقوق الإنسان"، فعندما تعود هذه القوارب المهترئة يصاب الصيادين بألم شديد نظراً للمشاكل التي خلفتها قوات الاحتلال بالمركب.

 

ويبدأ بعدها الصياد بعملية التصليح التي تتطلب مبلغ كبير من المال الذي لا يقدر أن يوفره بالنظر للعائد المالي الذي يتقاضه شهرياً حيث يبلغ متوسط دخل الصياد 500 شيكل (130 دولارا) شهريا، لذا فإن الصياد الفلسطيني يعد من الشريحة التي تعاني بالدرجة الأولى بالنسبة لباقي المهن التي تتوفر بقطاع غزة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة