ما بعد انقلاب عدن؟

blogs اليمن

على طريقة المحتل القديم انتهجت الإمارات العربية المتحدة وجارتها الكبرى المملكة العربية السعودية طرقاً خبيثة لتفكيك المجتمع اليمني الذي شكلت وحدته في مايو/ أيار 1990 واحداً من أهم الإنجازات التاريخية في الوطن العربي، كان يجب أن يستفاد من تجربتها على المستوى العام للدول العربية في إنشاء وحدة عربية شاملة، لكن ما حدث هو العكس من ذلك تماما؛ إذ أثارة الوحدة اليمنية ضغينة بعض الأشقاء العرب فمضوا يدبّرون المكائد ويضعون الاستراتيجيات من أجل تفتيت اليمن الواحد وتحويله إلى مقاطعات متناحرة فيما بينها.

  

استمرت تلك المكائد بعد قيام الوحدة اليمنية حتى انفجر الوضع في مايو/أيار 1994، بين الشمال بقيادة رئيس مجلس الرئاسة الذي أعلن بالتزامن مع الوحدة، علي عبد الله صالح، من جهة والجنوب بقيادة نائبه علي سالم البيض الذي حظي بدعم خليجي من المملكة السعودية والإمارات والكويت، فيما وقفت قطر مع اليمن الموحد لتنتهي الحرب في ال7 يوليو/ تموز من العام ذاته بهزيمة الانفصاليين وإعلان بقاء الوحدة.

 

تلك الحرب التي تستمر حتى اليوم في عامها الخامس بعد أن دمرت البنية التحتية لليمن وخلقت أسوأ أزمة إنسانية في العالم وجعلت من المنظومة الصحية والغذائية والمادية في البلاد شبه معدومة

وخلال السنوات التي تلت حرب صيف 94 عملت المملكة والإمارات على دعم الجماعات المتطرفة والمشائخ وزعماء القبائل من أجل التمرد على الدولة وإجهاض خططها وتقويض أمن واستقرار البلد وظل المشائخ يتقاضون رواتبًا ودعمًا ماديًا من السعودية، ومع اندلاع ثورة ال11 فبراير/شباط 2011 بادرت دول الخليج إلى وأد الثورة والاستفادة مما سيخلفه ذلك في تحقيق الأطماع التاريخية وتمزيق اليمن، فجاءت المبادرة الخليجية التي حمت النظام الفاسد الذي قامت ضده الثورة، وأعقبها مؤتمر الحوار الوطني الذي أقر – كأهم مخرج – تقسيم اليمن إلى ستة أقاليم، كانت هذه الرؤية بمثابة النواة لتمزيق البلاد.

 

بعد سيطرة أنصار الله (الحوثيون) على صنعاء في العام 2014، وتقديم الرئيس هادي استقالته لمجلس النواب ومن ثم فراره إلى عدن ومنها إلى مسقط فالسعودية ليكتشف أن المملكة قد قادت تحالفًا عسكريًا لاستعادة شرعيته وإعادته رئيسًا للبلاد التي لم تعد تقبل به، فصرّح في لحظة صدق أنه لم يكن يتوقع أن تتحرك السعودية للاستجابة لطلبه في التدخل في اليمن لكنها اتخذت "قرارًا شجاعًا بالحرب" حد قوله.

 

تلك الحرب التي تستمر حتى اليوم في عامها الخامس بعد أن دمرت البنية التحتية لليمن وخلقت أسوأ أزمة إنسانية في العالم وجعلت من المنظومة الصحية والغذائية والمادية في البلاد شبه معدومة، وفرض التحالف معها حصارًا بريًا وبحريًا وجويا ضاعف من معاناة الأبرياء، وبعد أربع سنوات من الحرب التي راح ضحيتها 250 ألف يمني بشكل مباشر وغير مباشر، بحسب منظمة الصحة العالمية، اكتشف اليمنيون الموالون لهادي والتحالف أن الشرعية كانت غطاءً استخدمتها المملكة وجارتها الإمارات من أجل تحقيق مصالح لا علاقة لها بمستقبل اليمن الموحد ولا صلة لها بإعادة "الشرعية".

 

وما حصل في عدن خلال الآونة الأخيرة هو أكبر دليل على إدانة التحالف بأن حربه كانت وتبقى عدوانًا أريد بها غزو اليمن وتقاسمه بين دولتي التحالف، وهي إدانة لا يشوبها لبس بارتكاب السعودية والإمارات جرائم حرب غير مبررة في اليمن، وانتهاك سيادة بلد مستقل بل ويعد تدخلًا سافرًا في شؤون البلاد الداخلية.

 

لقد عملت الإمارات على تنمية الفصائل المتطرفة بما فيها القيادات التي عرفت بإشرافها على كافة عمليات الاغتيال التي استهدفت رجال الأمن والدين التابعين للرئيس هادي وحزب الإصلاح، وسعت السعودية إلى الدفع بأبناء اليمن إلى محاربة بعضهم البعض من أجل ما أقنعتهم أنه لصالحهم مع أجرٍ شهري مجزٍ.

 

ليس من حل سوى أن يتحد اليمنيون بما فيهم الإصلاح وأنصار الله من أجل استعادة الدولة اليمنية الواحدة، ليس فقط جنوبي البلاد بل حتى المحافظات الشمالية

وحرصتا الدولتان على الاستفادة من تاريخ الصراع اليمني القديم في إثارة المصطلحات العنصرية والطائفية والمناطقية ضد أبناء الوطن الواحد وهو ما انتهى بحملة تهجير أبناء المحافظات الشمالية من الجنوبية الواقعة تحت الاحتلال، دون أن ترد صنعاء بذلك، بل أعلنت الأخيرة فتح أبوابها أمام نازحي عدن وجاراتها من المتضررين من الصراع الأخير بين مليشيات الإمارات وقوات هادي التابعة للسعودية.

 

وفي الوقت الذي دعمت فيه الإمارات مجلسها الانتقالي الذي انقلب على هادي وحكومته رافعًا علم الانفصال ومروجًا لفكرة دولة "الجنوب العربي"، كانت المملكة قد تخلت عن هادي وزمرته من القابعين في فنادق الرياض وذبحتهم "من الوريد إلى الوريد" كما قالها وزير داخلية هادي أحمد الميسري، وتخلت أيضا عن حزب الإصلاح الذي لجأ إليها هربًا من أنصار الله في الوقت الذي يعلن فيه الحوثيون ترحيبهم بعودة الإصلاح إلى صفهم لمواجهة العدو الخارجي في أي وقت.

 

نصّبت الإمارات الانتقالي سلطة أمر واقع في عدن لا يقبل بها اليمنيون فيما بادرت المملكة إلى اعتبار أن استراتيجيتها في اليمن لم تتغير وأنها تتفق مع الإمارات في دعم الشرعية، وذلك خلال اجتماع محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي بالعاهل السعودي عقب انقلاب عدن. اجتماع أريد له مباركة سلطة الانقلاب واعتبارها طرفًا يعادل شرعية هادي لديهم وبالتالي فهم يدعون إلى لقاء بين الطرفين للوصول إلى حل لما جرى في عدن.

 

هذا الاجتماع إذا ما تم فسيدخل هادي والانتقالي في مباحثات برعاية السعودية والإمارات اللتين أرادتا هذا السيناريو في اليمن منذ عقود، وسيضع الانتقالي أوراقه على الطاولة باعتباره صاحب الأرض والمسيطر في الميدان بينما سيفتش هادي عن وهم شرعيته في عيون قادة الدولتين، بعدها سيتحدث المجتمع الدولي عن الجنوب العربي وأحقية تقرير المصير وهو ما يسعى له التحالف.

 

وبالتالي فليس من حل سوى أن يتحد اليمنيون بما فيهم الإصلاح وأنصار الله من أجل استعادة الدولة اليمنية الواحدة، ليس فقط جنوبي البلاد بل حتى المحافظات الشمالية (جيزان، نجران، عسير) التي تسيطر عليها السعودية ولليمنيين الحق في المطالبة بها واستردادها.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة