إبراهيم المصري رائد القصة العاطفية ومؤرخ الحب والنقيض التام ليوسف إدريس

الأستاذ إبراهيم المصري ١٩٠٠- ١٩٧٩ قاص مصري من الجيل الأول لرواد القصة القصيرة الهواة وأعضاء المدرسة الحديثة: أحمد خيري سعيد، ومحمود طاهر لاشين وحسين فوزي، ومحمود تيمور، لكنه هو الوحيد الذي واصل ممارسة أسلوب واحد في هذا الفن القصصي إلي نهاية حياته الطويلة، وكان اسمه رمزاً للاتجاه الرومانسي في القص، وعلامة علي الكتابات التي تناولت علاقة الحب وعاطفته بالتحليل العميق، وذلك على الرغم من أنه لم يكن مغرما بممارسة الحياة العاطفية على المستوى الشخصي بل كان أقرب ما يكون إلى الانسان الهادئ الراصد، وقد جمع فيما قدمه للقارئ بين الخبرات التي اكتسبها من قراءاته ومن تجاربه الثقافية لا الشخصية، ومما عرض له في الحياة الصحفية، حيث أصبح مع الزمن بمثابة ملجأ لأصحاب المشكلات يقصدونه لأخذ الرأي والمشورة، وإذا أردت أن تبحث عن قاص عربي مناقض في كل الصفات الشخصية والاجتماعية الصارخة للدكتور يوسف إدريس ١٩٢٧- ١٩٩١ فإنه هو الأستاذ إبراهيم المصري  .

  

على المستوي الشخصي كان الأستاذ إبراهيم المصري إنسانا شفافا، رفيع الخلق، جميل العبارة، مهذبا، متواضعا، عميق الفكر، وقد قضي حياته هادئ الطبع، غير حريص علي أمجاد الشهرة والنفوذ، وهكذا تمكن من أن يعيش حياة راضية، وقد مكنته هذه الحياة من أن يواصل إبداعه بتدفق ودون انقطاع، كما مكنته الوظيفة الصحفية ومؤسسة أخبار اليوم من نشر إبداعاته، وتنمية موهبته، والحفاظ علي هويته.

  

ولد الأستاذ إبراهيم المصري في حي الظاهر بالقاهرة، وتلقي تعليمه الابتدائي في مدرسة فرنسية مجانية، فأجاد الفرنسية إجادة تامة لكنه لم يكمل تعليمه الثانوي وعمل (1920) في وظيفة تسجيل الكوبونات في البنك العقاري، وكان مغرما بقراءة الكتب في أثناء العمل ففصل بسبب ذلك، وقضي وقته في القراءة والاطلاع في دار الكتب، ثم عمل مدرسا للغة الفرنسية في مدرسة خاصة، وظل يعمل بهذه الوظيفة ستة أعوام، ثم عرف طريقه إلي الصحافة فعمل مابين 1930 و1940 بجريدة “البلاغ” لصاحبها الأستاذ عبد القادر حمزة، وكانت البلاغ في بداية تلك الفترة لاتزال وفدية، ثم انتقل إلي العمل في “دار الهلال” . ثم كان الأستاذ إبراهيم المصري من الذين استقروا بالعمل في مؤسسة ”أخبار اليوم”، وحرصت أخبار اليوم علي تقديمه كأحد نجومها، وظل محتفظا بمكانته فيها إلي نهاية عمره، كما تولي كتابة “اليوميات”، وهي صفحة الأخبار الأخيرة فترة طويلة من الزمن.

   

للأستاذ إبراهيم المصري كتابات شائقة عن بعض الجوانب الإنسانية في شخصيات بعض المشاهير، وقد عرف بأنه ركز فيها علي التاريخ العاطفي، ومنها “عشرة من الخالدين”، “قلوب الخالدين”

لم تقف إسهامات إبراهيم المصري في الحياة الثقافية عند القصة القصيرة والمقال، لكنه كان صاحب جهد دؤوب في إصدار الصحف الثقافية في أوج الفترة الليبرالية من التاريخ المصري المعاصر، وقد تعددت محاولاته في هذا المجال، ونمت عن حب شديد للتواصل مع الجمهور ولنشر أعماله القصصية وتوجهاته الفكرية، وقد حفلت كتاباته بروح إنسان راق، وبقدرة علي فهم العاطفة، وتحليل النفس الإنسانية، مع ميل واضح إلي القيم العليا، والسمو النفسي، وتباعد مقصود عن الرذيلة والشهوة العارمة، وكان له بالإضافة إلي هذين الإسهامين البارزين في القصة والصحافة مكانة ملحوظة بين مؤلفي المسرحيات القصيرة التي كانت تعد بناء علي طلب الفرق المسرحية الأهلية.

  

ويمكن القول بأن الأستاذ إبراهيم المصري كان واحداً من مثقفي الجيل الرائد الذي جمع بين الاطلاع علي الأدب العربي القديم والحديث، والأدب الفرنسي علي حد سواء، وكان يجيد الترجمة ويجيد اقتناء النصوص التي يترجمها، وقد مكنته دراسته وقراءاته من أن يحيط بالتاريخ العاطفي للمشاهير من المفكرين والفنانين، وكيف وقعوا في الحب أو قاوموه، وإليه يعود الفضل في تقديم عدد كبير من أدباء الغرب للمصريين. وقد تأثر بالأسلوبين الواقعي والرومانسي، وتميز بنزعة تحليلية قادرة علي وصف مشاعر المرأة وتحليل مواقفها في الحب والحياة، وكان يجيد توظيف ثقافته وخبرته الأدبية في التحليل النفسي والانطباعي لمواقف الحياة العاطفية.

   

مارس الأستاذ إبراهيم المصري الكتابة القصصية منذ 1920، ونشر في فبراير 1920 أول أعماله في مجلة “السفور” وكانت قصة بعنوان “سخرية الميول”، وسرعان ما انضم الأستاذ إبراهيم المصري بصفة واضحة إلي مجموعة المدرسة الحديثة برياسة أو بنظارة أحمد خيري سعيد (1923)،  وفي 1927 اشترك إبراهيم المصري مع صديقه زكي طليمات في إنشاء مجلة “التمثيل”، وفي 1930 اشترك إبراهيم المصري  مع إدوار عبده سعد في إنشاء مجلة “الأسبوع”، وفي 1937 أصدر هو نفسه مجلة “الأدب الحي”، وفيها ترجم أعمالا لأندريه جيد، ومكس فيلمان، وجوركي، وتشيكوف، وتولستوي،  وفي الوقت نفسه تعاون الأستاذ إبراهيم المصري مع فرقة رمسيس المسرحية بقيادة يوسف وهبي وكتب بعض مسرحياتها، ومنها: “الأناشيد” (1923)، و”نحو النور” (1932)، و”الفرنسية” (1932). كما كتب لفرقة فاطمة رشدي: “المرأة وسيقانها”.

  

أحصي له الدكتور حمدي السكوت في موسوعته عن الرواية العربية روايتين: “خريف امرأة” (1944)، و”أرواح ظامئة” (1973). أما مجموعات الأستاذ إبراهيم المصري القصصية فقد تعددت وتكرر طبع بعضها ولقيت ترحيبا من الناشرين والقراء، وقد صدرت تباعا: “قلوب الناس” (1947)، و”كأس الحياة” (1947)، و”الغيرة” (1956)، و”الأنثي الخالدة” (1957)، و”نفوس عارية” (1960)، و”صراع الروح والجسد” (1961)، و”قلب عذراء” (1962)، و”الباب الذهبي” (1963)، و”صور من الإنسان” (1965)، والكأس الأخيرة” (1969)، و”صراع مع الماضي” (1967)، و”أغلال القلب” (1972)، و”الشاطئ والبحر” (1973)، و”الوجه والقناع” (1973)، و”خبز الأقوياء” (1974)، و”أغلال الجسد” (1974). ترجمت “الأنثي الخالدة” إلي الإيطالية، وترجمت “قلوب الناس” إلي الإيطالية والفرنسية.

  

للأستاذ إبراهيم المصري كتابات شائقة عن بعض الجوانب الإنسانية في شخصيات بعض المشاهير، وقد عرف بأنه ركز فيها علي التاريخ العاطفي، ومنها “عشرة من الخالدين” (1965)، “قلوب الخالدين” (1966)، و”في موكب العظماء”، و”الحب في حياة العظماء”، و”الحب عند شهيرات النساء”، و”قلوب الناس”. وله كتابات في النقد والدراسات الأدبية ومنها “تاريخ الحب ورسائله الخالدة”، ومع أن الأستاذ إبراهيم المصري لم يدرك العصر الذي كثر فيه التكريم فقد منحه الرئيس السادات جائزة الجدارة في احتفال عيد الفن عام 1976. توفي الأستاذ إبراهيم المصري في ١٤ أكتوبر ١٩٧٩. 



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة