أحمد خالد توفيق.. قصة تكملها أنت

عندما تكتب بأسلوب سلس وعبارة رشيقة ومعلومة حاضرة من غير إسفاف ولا مبالغة فلا بد أن تكون أحمد خالد توفيق، عندما تكتب الرواية التي لا تمل والقصة التي تتمنى ألا تنتهي والمقالة التي تشبع نهم القارئ المعرفي بدون أن تثقله بالمصطلحات الثقيلة فلا عجب أن تكون أحمد خالد توفيق.

  

لست أبالغ إن قلت إنه أيقونة جميلة فقدتها الثقافة العربية والمصرية في هذا العصر الحديث، الذي قلت فيه الأيقونات. كتب الروايات الخفيفة فقرأها جيل كامل، وترجم العديد من عيون الأدب العالمين فقرب الثقافة العالمية للشباب، وألف الروايات الطويلة فأثرى المكتبة العربية والعالمية بروائع ربما لم تجد التقدير الكافي من الوسط الثقافي العربي خلال حياته. جرب أن تقرأ يوتوبيا أو السنجة أو في ممر الفئران وستجد وجبة دسمة من الرقي الأدبي دون دعوة للانحلال أو تملق لشخص أو جهة أو دولة مهما كان حجمها.

 

كتب أكثر من 80 رواية جيب لرفعت إسماعيل ذلك الطبيب الأصلع الدميم، الذي لا يملك مثقال ذرة من القوة، ولا صفة من صفات البطل التي رسختها لنا سلاسل القصص الخاصة بالأبطال سواء العربية والعالمية، ومع ذلك أحببناه ببدلته الكحلية التي جعلته فاتنا في عيوننا حتى اليوم. وعندما أحس أن معين أفكاره اقترب من نضوبه قرر أن ينهيه ولا يجعله مجرد بقرة حلوب يخرج منه قصصا لمجرد ملئ الصفحات، فجعلنا نتفاعل مع موته رغم أنه مجرد شخصية خيالية، والأغرب رغم معرفتنا بهذه الحقيقة.

 

مهما اختلفت أو اتفقت فسيستمر أحمد خالد توفيق ذلك الانسان البسيط الذي كسب القلوب بعفوية كتاباته وبساطة تصرفاته، من وقف مع البسطاء وقال للظلم هذا ظلم، في وقت سكت فيه الكثيرون

وأبدع في سلاسل فانتازيا التي قرب لنا الكثير من الكتب الكبرى وأبطال الروايات وعرفنا بعالم رائع من أفضل الكتاب العالميين، أيضا بدون أن يحضر بطلا خارقا، وإنما فتاة مغلوبة على أمرها، يمكن أن تجد شبيها لها في أي مكان حولك. واستطاع إخراج الطب من عالمه الجامد إلى عالم أكثر نبضا بالحياة، عبر سلسلة سافاري والطبيب الشاب الذي يجاهد لكي يظل حيا ويظل طبيبا، وبقدر ما تحتوي هذه السلسلة على تشويق فإنها أيضا تحتوي على معلومات طبية ومعلومات تاريخية وجغرافية عن إفريقيا، ومنها تعرفنا على العديد من الدول الإفريقية والقبائل والثقافات.

 

ولست هنا في وارد وضع ملخصات أو كتابات عن رواياته وسلاسل قصصه التي كانت معينا لنا خلال أكثر من عشرين عاما من الابداع والامتاع، لكنني هنا أكتب رسالة شكر وتقدير وامتنان لشخص لم ولن ألتقي به في هذه الدنيا لأن الله قد اختاره إليه، كما أكتبها رسالة دفاع عنه ككاتب روائي مبدع، وصاحب فكر مميز ومتواضع، من لم يتغير طوال الوقت بكافة المتغيرات التي جرفت غيره من المشاهير، ومن بقي ثابتا على مبدئه الذي عرفناه عليه منذ أول يوم قرأنا له فيه، وحتى اختاره الله إلى جواره.

 

ذلك الشخص الذي فرح معنا بنجاح ثورات الربيع العربي، وحزن للانتكاسات التي حدثت بعدها، من تألم لكل قطرة دم سالت بأي قطر من الأقطار العربية دون وجه حق لأي شخص من أي فصيل، تحس حين تقرأ له كأنك أنت من كتب هذا المقال، أو كأنه يتحدث بلسانك في هذه الحادثة أو تلك، قد تتفق معه في العديد من الأشياء، وقد تختلف معه أيضا في بعض الأفكار، لكنه كان مثلك، متقبلا لكل الآراء دون تعصب أو انحياز أو تشدد، وهذا ما جعل الناس تحبه وتشعر أنه صورة لما يجب أن يكون عليه المجتمع.

   

لكن مهما اختلفت أو اتفقت فسيستمر أحمد خالد توفيق ذلك الانسان البسيط الذي كسب القلوب بعفوية كتاباته وبساطة تصرفاته، من وقف مع البسطاء وقال للظلم هذا ظلم، في وقت سكت فيه الكثيرون ووقف غيرهم في صف الظالم، أما هو فاستمر على مبدئه الذي حفظ له حب الناس حتى استمروا يدعون له بالرحمة والمغفرة، رغم كافة محاولات طمس تاريخه أو تشويهه.

 

إن كنت قد قرأت لأحمد خالد توفيق رواياته أو مقالاته فسوف تفهم ما أقول، وإن كنت لم تقرأ فحاول أن تقرأ له وستجد أنه بحد ذاته قصة جميلة لا تنتهي، وإنما هي قصة تكملها أنت.



حول هذه القصة

كنت أتمنى أن يتبنى أهل العروس الرافضين لابن عمهم الذي تزوج ابنتهم نظرة أحمد خالد توفيق. وكنت أسأل معارضي مرسي المنقلبين، لماذا لم ينتظروا أن تنتهي مدة ولايته ليتقدموا بمرشحهم؟!

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة