كيف نشفى من ديمقراطية تونس؟

blogs تونس

مشهد يختزل كل النظريات المؤسسة للديمقراطية، ويقدم بصريا لقطة سينمائية بامتياز تختصر جميع النظريات المعرفية والفلسفية، ويكفي بحق ذلك المشهد الباحث عناء إقناع القارئ بمحاسن الديمقراطية، وفضلها، وثمارها، ففي الوقت الذي تعج فيه سجون مصر بالمعارضين، ويتجبر عسكر السودان على شبابه الثائرين، ويمضي لواء ليبيا المتقاعد في الهجوم على عاصمة بلاده، تتجلى الديمقراطية ترياقا في تونس، كفاها شرور الانقلابات وحمى البيانات العسكرية، والبراميل الأسدية، إذ وقف في ذلك المشهد رئيس حالي رفقة رئيس سابق في جنازة مهيبة لرئيس راحل.

 

غيب الموت الرئيس الباجي قايد السبسي، لكن تجربة تونس الديمقراطية بقيت حاضرة، إذ أرسى الرجل رفقة نخبها من كل الأطياف دعائمها على الوفاق والمشاركة وتجنب الإقصاء، ومثلت تلك المقاربة ضمانة حقيقة وجلية في تأمين الانتقال السلمي للسلطة، والتعامل السلس وغير الموتور مع حدث جلل، رغم عدم اكتمال مؤسساتها التشريعية، وغياب المحكمة الدستورية. الديمقراطية ممارسة تتحول لروح تسري في المؤسسات والأفراد، وتصبح ديناميكية تقدم بسلاسة وابتكار خلاق حلولا وآليات، تضمن استمرار الدولة، وعمل أجهزتها، فرغم أن السبسي رحل والمحكمة الدستورية غير موجودة وهي المكلفة بإعلان وفاة الرئيس، والترتيبات اللاحقة لها، إلا أن الروح الديمقراطية ووجود مجلس شعب منتخب، وفضاء سياسي توافقي، مكن هذه البلاد من عبور الأزمة.

 

رغم صغر حجم تونس، لكن كبر وعظم تجربتها الديمقراطية في محيط بالغ التعقيد يبرهن على أن نجاح التحول الديمقراطي ليس رهينا بحجم الدولة وموقعها الجغرافي

عبر الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي ببلاده إلى بر الأمان في ظل محيط صعب ومعقد، ورفض رغم ضيق الخيارات وعلو موجة الثورات المضادة أن يحيد عن خيار التوافق، والمؤسسات، واتخذ قرارا شجاعا برفض تكرار سيناريو مصر في تونس، كما رفض فكرة الاقصاء، باختصار لأنه رجل دولة مخضرم خبر السياسية، وعرف ويلات اقصاء المخالفين في الرأي، وكيف تتحول عملية الاقصاء إلى أداة لصناعة التطرف، وتغذية منسوب المظلومية الذي يتنامى تدريجيا ليتحول إلى وحش يسكن كل من قاسى ويلات العزل والتهميش والاقصاء، ويولد لديه واحدا من قرارين اثنين: إما السلبية والانكفاء ، أو التطرف والرغبة في الانتقام.

  

ورغم صغر حجم تونس، لكن كبر وعظم تجربتها الديمقراطية في محيط بالغ التعقيد  يبرهن على أن نجاح التحول الديمقراطي ليس رهينا بحجم الدولة وموقعها الجغرافي ومواردها، بل في الوعي والتحضر ووجود نخب وقيادات راشدة ومستنيرة، فرغم أن مصر تعد أكبر دولة عربية إلا أن حجم الانتكاسة الديمقراطية فيها هو الأكبر، أما من جهة الموارد فلا تتوفر تونس على عشر ميزانية أصغر دولة من دول الخليج الثرية، لكنها استحوذت بحق على لقب الأستاذية والدكتوراه الحقيقية وليس الفخرية التي يشتريها كبار أثرياء وطغاة العالم العربي بأموالهم، أو لنكون أكثر تحديدا بأموال الشعب التي يسطون عليها ويحلبوها.

 

محمود درويش قالها إبان الثورة الفلسطينية، "كيف نشفى من حب تونس"، وينبغى على كل عربي في زمن الثورة العربية وربيعها المنكسر حاليا، لكنه المنتصر مستقبلا أن يردد " كيف نشفى من ديمقراطية تونس".



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة