لأن الحياة قصيرة.. ارحل كلّما احترت

يُمضي الإنسان حياته وهو يتخبط فيما لا يطيق ويوهم نفسه أن لديه متسعا من الوقت لفعل ما يريد، ويصبر على إيذاء الآخرين له لأنه يخشى الوحدة، ويصير عبدا لغيره، أو لعادة أو مادة. يمر العمر كله على هذا النحو، أو ربما يستيقظ الإنسان من غفلته فيحاول تدارك الأمر قبل فوات الأوان. وبين هذا وهذاك، يحتار ألف مرة أو ربما مئة ألف مرة بشأن أتفه الأشياء وأهمها، كبيرها وصغيرها. وقد يواجه حيرته فيحاول فك الرموز والخروج من المأزق، أو قد يستسلم لها فتظل تنهشه ثم تصبح جزءا من حياته، بل حتى رفيقه الذي يلازمه، لأنه يخشى إن هو واجهها أن يخرج خاسرا وتتعقد حياته أكثر، أو لأنه لا يقوى على ذلك بكل بساطة.

 

وبينما هو غارق في حيرته، ينسى أن الزمن يمر دون أن ينتظر أحدا، وأن ما لا يفعله اليوم بشجاعة ومن تلقاء نفسه سيظل يتدحرج ويكبر ككرة الثلج وسيكون عليه التعامل معه لاحقا مُجبرا ومُكرهًا. إن المعادلة بسيطة وليست في حاجة إلى علماء نفس واجتماع لتحليلها، والإجابة سهلة أيضا؛ ارحل كلما احترت. ارحل لأن الحياة أقصر من أن تمضيها في أمر لا تحبه ولا يعود عليك بفائدة. ولا ضير في أن تتوقف يوما وتسأل نفسك؛ هل ما أفعله مجدي؟ هل أنا سعيد؟ هل ستكون حياتي أفضل إن أنا تركته؟

 

قد تؤرقك فكرة ترك ما تعودت عليه وما أصبح بمثابة منطقة الراحة الخاصة بك، التي تريحك لفترة من الزمن، ولكنها ستصبح منطقة الخمول والملل والقلق عاجلا أو آجلا

حين يجيب كل منا عن هذه الأسئلة ويضع إيجابيات الأمر وسلبياته في الميزان، سيكون قراره بالرحيل من عدمه صائبا. فإذا كان ما تفعله يستحق التضحية بوقتك وجهدك وأنت على يقين من أنه سيعود عليك بالنفع، فالأفضل لك أن تمضي فيه وتصبر على كل ما يرافقه من مصاعب. لكن الأصعب من ذلك حين تكون حيرتك بين ترك الأمر والاستمرار فيه لا لأن فيه أوجهً إيجابية ولكن لأنك سمحت له باحتلال حيز كبير جدا في حياتك ولم تعطي أهمية لأي أمر آخر فبات تركه بالنسبة لك مخيفا ومرعبا لأنك ستشعر بفراغ ستقضي وقتا طويلا حتى تملأه.

 

ليس ذلك فحسب، ستمتنع عن ترك ما يلقي بك في دوامة الحيرة لأن ردة فعل المحيطين بك ستصيبك بالهلع، سيُمطرونك بوابل من الأسئلة عن الأسباب التي تدفعك إلى التفكير في خيار مماثل ويُتفّهون أعذارك وإجاباتك. لكن دعني أقول لك؛ لا تلق لهم بالا، فلا هم في الموقف ذاته الذي أنت فيه حتى يتفهمّوا ما تمر به، ولا هم سيساعدونك على تجاوز المشاكل حين تعترضك. إن هناك أشخاصا لا يصلحون سوى لإلقاء المحاضرات والمواعظ والحكم، فدعهم يخوضون في ذلك وامض في طريقك. أما من يحبك فعلا ويهمه أمرك فسيتفهم موقفك ويستمع إليك دون إصدار أحكام وسيحاول جاهدا اقتراح الحلول وحتى مساعدتك عند الحاجة.

 

الأسوأ من ذلك هو أنك إن لم تترك ما يصيبك بالحيرة، فلن تعرف أبدا ما ينتظرك من أمور أخرى، كأن تظل محاطا بالأسوار ولا علم لديك بما هو خارجها. قد تؤرقك فكرة ترك ما تعودت عليه وما أصبح بمثابة منطقة الراحة الخاصة بك، التي تريحك لفترة من الزمن، ولكنها ستصبح منطقة الخمول والملل والقلق عاجلا أو آجلا. وستظل تؤجل الخروج منها إلا أنك متى ما فعلت ذلك ستكتشف ما كان مخفيا في انتظار إقدامك على هذه الخطوة الشجاعة.

 

لذلك، ارحل عن كل من وما يشعرك بأنك غير مهم وغير مرحب بك أو يُقعدك على دكة البدلاء لأنك خلقت لتكون لاعبا أساسيا. ارحل عن عملك الذي يسبب لك الأذى النفسي مقابل راتب لن تستمع به طالما أنك تقدم مقابله روحك وشبابك ووقتا كان الأجدر بك أن تمضيه في القيام بأمر آخر تحبه ومع أشخاص تسعد بصحبتهم. ارحل إذا تملكتك الحيرة إزاء علاقتك بشخص كنت تظن أنه مهم في حياتك ولكنه لا يجلب لك راحة البال بل يستنزف طاقتك ويجعل غيمة من الشك والريبة والانزعاج تحط فوق رأسك ليلا نهارا. ارحل عن الصديق الذي لم يكن يوما صادقا بل أتقن الدور حد الإبداع وسقط قناعه مع الاختبار الأول ولكنك غضضت الطرف حفظا للودّ، فارحل لأنك تستحقّ من هو أصدق منه. إنها حياة واحدة فلنعشها كما نحبّ.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة