logo

هل حقا مات الإسلام السياسي؟!

لا أحب استخدام هذا المصطلح (الإسلام السياسي) واستخدامي له أعتبر أنه مما عمت به البلوى؛ فهل هزم الإسلام السياسي لدرجة دعوة بعضهم إلى إعلان وفاته والإسراع في دفنه، ساخرين مستهزئين بالقول الشامت (إكرام الميت دفنه) وما الداعي إلى هذا التصور؟ لا شك أن عدة عوامل ومعطيات ووقائع تجمعت وتضافرت وصبت في اتجاه التفكير بهذه الطريقة، حتى عند بعض من ينتسبون أو يحسبون على تيار الإسلام السياسي؛ أبرزها نجاح الثورات المضادة في إقصاء حركات الإسلام السياسي ومحاصرتها، ومطاردتها، بعدما كانت في السنوات الثلاث الأولى من مرحلة الربيع العربي صاعدة تشق خطاها بثقة وتتصدر العمل السياسي في غير بلد كبير أو صغير مساحة أو سكانا.

 

كارثة مصر

وأبرز المظاهر التي تدفع بقوة إلى هذا النمط من التفكير وتعززه وتنميه وصولا إلى السعي لتأطيره بحيث يصبح هذا النمط تيارا فاعلا نشطا بحد ذاته؛ هو ما حلّ بالثورة المصرية التي كانت صاعدة واعدة، لدرجة أن جلس في القصر الجمهوري في القاهرة أول رئيس مصري منتخب من الشعب بأغلبية تشبه مثيلاتها في الديموقراطيات الراسخة، وتناقض مهازل الانتخابات التي اعتاد عليها الجمهور العربي منذ عقود طويلة والتي يفوز فيها الرئيس أو الزعيم باستفتاء (تجديد البيعة) أو بمنافسة صورية كوميدية وهو القادم من رحم ظروف وملابسات غامضة أو مشبوهة بما يقارب من نسبة مئة بالمئة من أصوات الناخبين.

 

إضافة إلى الموضوع المصري كأبرز حالة دعمت توجه إعلان موت الإسلام السياسي سريريا أو حتى موته كاملا وطلب دفنه، فإن ثمة عوامل عدة دفعت إلى هذا الظن أو الاعتقاد أو التصور (كله يكمل بعضه) في هذه المرحلة

ثم ما لبثت قوى الثورة أن ناصبت هذا الرئيس العداء وتنكبت لرفاق الأمس في الميدان ووصل الحال بها إلى قبول ودعم ومساندة انقلاب عسكري مكتمل الأركان تدعمه وتموله دول وجهات أبعد ما تكون عن الديموقراطية أو العدالة أو الحرص على حق الشعوب باختيار حكامها بنزاهة. ويسجن هذا الرئيس في ظروف صعبة لا إنسانية حتى يتوفاه الله في ظروف ما تزال تحيطها غلالة من الشك والغموض وتنهمر حولها أسئلة بلا إجابات مقنعة؛ لا سيما مع أخبار وتقارير تؤكد تعرض الرئيس المظلوم إلى تهديدات واضحة من قادة الانقلاب العسكري.

 

وهنا تعالت الأصوات التي تقول بأن الإسلام السياسي قد ولّى إلى غير رجعة وطويت صفحته وصار أشبه بالأحزاب الشيوعية بعيد الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفياتي والمنظومة التابعة له. ذلك أن موت الرئيس (د. محمد مرسي) في المحكمة الظالمة وإن كان قد أثار حزنا واستنكارا وغضبا، وصلى الناس عليه صلاة الغائب في كثير من المساجد في مختلف بقاع العالم، بما في ذلك المسجد الأقصى، قبلة المسلمين الأولى، وقد شارك رئيس دولة مهمة إقليميا وإسلامية في إحدى الصلوات في بلده، إلا أن هذا الموت الصادم المحزن لم يخلق في مصر حالة غضب مرئية، ولم يتولد عنه اشتعال ثوري جديد، ولو بشكل محدود من باب ردة الفعل على الأقل، ولم تشهد مصر أي فعاليات غاضبة، اللهم إلا في مسقط رأس د. مرسي.

 

وما سبق وفق تصوّر/حسابات الداعين سرّا وعلانية إلى دفن الإسلام السياسي باعتباره جثة هامدة، ينم عن انفضاض الناس من حول هذا التيار؛ فالرئيس الذي سجن بضع سنين وتوفي في المحكمة، هو عضو وقائد في أبرز وأكبر وأقدم حركات الإسلام السياسي، وهي الحركة ذات الشعبية الأوسع مصريا وعربيا في أوقات سابقة.. حركة الإخوان المسلمين. فأين هم شباب الإخوان الذين كانوا في الميادين؟ وأين ما كانت الحركة بطريقة ذكية تلمح له عن تغلغلها في المجتمع والدولة؟ وأين ذهبت التصريحات الصاخبة والتحليلات المكررة عن كون الانقلاب يترنح، وإذ به يتغوّل أكثر فأكثر ويرفع الأسعار ويشدد قبضته البوليسية ويوسع دائرة بطشه؟ تم اعتقال جميع الإخوان؟ كيف والمتداول أن لديهم مليون عنصر عامل في مصر؟

 

تجارب محبطة

إضافة إلى الموضوع المصري كأبرز حالة دعمت توجه إعلان موت الإسلام السياسي سريريا أو حتى موته كاملا وطلب دفنه، فإن ثمة عوامل عدة دفعت إلى هذا الظن أو الاعتقاد أو التصور (كله يكمل بعضه) في هذه المرحلة. فتجارب عدة مريرة سببت الإحباط بالتغيير الإيجابي على حياة الناس في الأقطار العربية المختلفة أوصلت حتى منتسبين إلى التيار الإسلامي إلى ما يشبه إعلان الاستسلام ورفع الراية البيضاء.

ففي السودان نفذت مجموعة من الضباط بقيادة الفريق عمر البشير انقلابا قبل ثلاثين عاما وتحالفوا مع الحركة الإسلامية السودانية، وطبقوا أنظمة وأحكاما إسلامية في كثير من المجالات، ولكن التحالف انفرط عقده، مع بقاء النظام العسكري محسوبا على الإسلام السياسي، فتم تقسيم السودان بانفصال الجنوب، ومخاوف من انفصال آخر لإقليم دارفور الغني باليورانيوم وتفاقم أزمات اقتصادية واجتماعية تسببت بانقلاب جديد دفعت الحركة الإسلامية السودانية ثمنه؛ أي نالت مغارم الحكم لا مغانمه، ومصيرها بات في ظل الوضع الجديد مجهولا، لا سيما في ظل غياب شخص د.حسن الترابي صاحب الكاريزما والشخصية المميزة والمبادرات الجريئة.

 

وفي فلسطين حين قررت حركة حماس المشاركة في السلطة، وفازت في الانتخابات، حدثت تداعيات سببت انقساما سياسيا وجغرافيا وحتى اجتماعيا، وانفردت حماس بإدارة قطاع غزة؛ ومع أن ثمة عوامل خارجية قوية أدت إلى ذلك، ولكن إدارة حماس لقطاع غزة اعتراها الخلل، وشابتها ممارسات لم يتوقعها الناس حينما انتخبوها، ووصل الحال إلى اعتقال ومحاكمة ومضايقة عناصر أو مؤيدين بارزين للحركة بسبب إدلائهم بآرائهم؛ مع أن حماس أبلت بلاء حسنا في مقارعة الاحتلال، وتسبب له صداعا مزمنا أمنيا وعسكري، بل حتى خطرا وجوديا على المدى البعيد، وتواصل مراكمة قدراتها العسكرية، ولكن بدا وكأن حماس تصلح للقتال لا الإدارة، أو كما قيل أبلت في القتال وابتليت في الحكم، كما أن مليوني إنسان يعيشون في قطاع غزة باتوا في حالة مزرية من الفقر والبطالة والضيق وتعطل خدمات الكهرباء والمياه والبنى التحتية.

 

وعليه فإننا إذا أردنا أن نحكم على (حكم حماس) بعيدا عن مقاومتها فإننا أمام تجربة فاشلة، خاصة في السنوات الأخيرة؛ والحجج والأعذار المتمثلة في الحصار المشدد، ما عاد المواطن الساعي إلى الرزق والعيش بكرامة، أو بشيء من الأمل يستوعبها، خاصة مع وجود بعض مظاهر البذخ وشبهات الفساد. وفي تونس وهي الحالة الوحيدة الباقية من الربيع العربي وأول شراراته أبدت حركة النهضة مرونة وانحنت للعاصفة، ولكنها في سياق السعي إلى البقاء صارت تقبل -ولو على مضض وبعذر المضطر- أمورا تمس صلب الدين دون أن تواجه الهجمة العلمانية الشرسة، لانشغالها بمحاولة منع شطبها من الخريطة السياسية، وكأنه يجري ابتزازها بهذه الطريقة، وهذا ربما أخطر من التعرض لها، حيث أنها تتحول إلى شاهد زور يوما بعد يوم.

 

أما داعش وأخواتها وما قامت به من أعمال وممارسات في المناطق التي سيطرت عليها، فقد زادت الطبن بلّة، وخلقت حالة معلنة أو صامتة، ترى بأن حكم الفاسدين العلمانيين يظل في بعض جوانبه أخف وطأة، خاصة أنه لا يتم باسم الإسلام… وهو أمر استغله أعداء التيار الإسلامي وخصومه وقاموا بتوظيفه وما زالوا، ولسان حالهم يقول للناس: نارنا خير لكم من جنة الإسلام السياسي بكافة تياراته ومحاوره. حسنا هذه وغيرها أبرز عوامل ومعالم انبثق عنها فكر وتيار يقول بأن نتجاوز مرحلة الإسلام السياسي باعتباره انتهى فعليا، فهل هذه كل الصورة وانتهى الأمر؟ لا بالتأكيد وللحديث بقية إن شاء الله.



حول هذه القصة

في كتاب “داخل الإخوان المسلمين: الدين والهوية والسياسة” يفكك الباحث خليل العناني الهوية الإخوانية من الداخل راصداً كيفية تشكلها منذ تأسيس الجماعة والعوامل المساهمة في ذلك والأسباب الدافعة للتخلي عنها.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة