في الحاجة إلى موسيقى تنمي الذوق الفني!

blogs موسيقى

شكلت الفنون بمختلف مشاربها عبر التاريخ مصدر أساسي لتلمس الجماليات في الحياة وبلوغ السعادة وذلك عبر نشاط الإيندورفين والدوبامين وغيرها من الهرمونات التي تتولى مهمة رفع منسوب السعادة في جسم الإنسان، ومن ثم تحقيق البهجة والارتياح له كما أنها أي (الفنون) لعبت أدوار مهمة في تنمية الحس الثقافي والإبداعي وكذا الانفتاح على عوالم أخرى وجعل الإنسان قادر على إدراك الحق والتعبير عن ما يعايشه من مشكلات، اجتماعية ونفسية وسياسية…و لعل لوحات دافينشي ومعزوفات موزارت ومزاس وغيرها من الإبداعات الفنية الرفيعة، أسهمت في إحداث وعي ثقافي نقدي أدى إلى تغير مجتمعي فكري وأخلاقي مهم.

 

لا يمكن أن يختلف عاقلين على أن الإنتاج الفني الموسيقي الراهن في مجتمعاتنا العربية معظمه يتميز "بالركاكة" الإبداعية والارتجالية، سواء من حيث صياغة الكلمات أو اختيار الإيقاعات أو الألحان التي نجدها في أغلب الأحيان تنهل من النموذج الموسيقي الغربي ذو الإيقاع السريع الصاخب، دون أي محتوى فني متميز يتضمن مقام من المقامات العربية الرائعة كالصبا أو النوى أثر.. أو إيقاع من الإيقاعات العربية الوازنة كالجرجينة أو الأقصاف.. كما لو أن الانزياح الهوياتي الثقافي الذي نعيشه أصاب حتى الجانب الفني الموسيقي، وهذا الأمر الذي يعد إفراز موضوعي وفق نظرية التأثير والتأثر، ذلك أنه بعدما تكون في موقف ضعف فأنت تخضع للأخر القوي وتتأثر به في جميع المجالات، وهذا ما يبدو لنا اليوم بشكل جلي.

 

إن ما يستدعي القلق هو أن هذا النوع من "الموسيقى" المستفحل خصوصاً عند الشباب ذو الروافد الخارجة عن ثقافته وبنياته لا يخلو من انعكاسات خطيرة أولها وأخرها انعدام الذوق الفني الأمر الذي ينتج أفراد دون حس جمالي وفني قادرين على الإبداع والنقد، ولعل هذين المسألتين كافيتين لخلق جيل من الضباع كما قال عالم الاجتماع محمد جسوس رحمه الله.

 

الطرب الموسيقي لا يقترن بالموسيقى العربية فقط وإن كانت غنية بالمقامات والإيقاعات والألات والدسامة الإبداعية أكثر من أي فصيل موسيقي آخر

فرائعة أغدا ألقاك لكوكب الشرق أو زهرة المدائن للرائعة فيروز أو كان ياما كان للفنان الكبير عبد الوهاب الدكالي وكذا روائع مارسيل خليفة وغيرها من الروائع الدسمة بالإبداع الفني المليئة بالمقامات العربية الرصينة ساهمت بطريقة أو بأخرى في تكوين شخصية قوية من حيث الحس الفني الرفيع المفعم بالإخلاص والحب والاحترام، كلها خصال تجعلنا نرفض العبث نرفض الظلم، نتوخى السلام، الفرح، الحق، التعايش.

 

فالموسيقى الشائعة اليوم في مواقع التواصل الاجتماعي، التلفاز أو الراديو…جزء كبير منها لا يحوي "الفني" بقدر ما هو غني "بالركاكة" وبتالي هذا يعني حرمان هذا الجيل من فوائد ومزايا امتلاك ذوق فني متميز يؤسس لأفراد ذوي حس نقدي عام، ذلك أن الفن الموسيقي كفيل بإحداث وعي وحس نقدي رفيعين يمكنان الشخص من رؤية رصينة لجل الموضوعات.

 

إن الطرب الموسيقي لا يقترن بالموسيقى العربية فقط وإن كانت غنية بالمقامات والإيقاعات والألات والدسامة الإبداعية أكثر من أي فصيل موسيقي آخر، فحتى الموسيقى الغربية مليئة بالإبداعات والعمق الفني يكفي ذكر بيتهوفن أو باغانيني أو موزارت…و الكثير من الأعلام الموسيقية الأخرى لإثبات عظمتها، كذالك الموسيقى الاتينية المفعمة بالحياة والطاقة الإيجابية والكثير من الأصناف الموسيقية الأخرى، وبتالي ما يستوجب معرفته هو أن حاجتنا للخروج من الركاكة الموسيقية التي تسود عندنا لا تقتضي بالضرورة الاستماع لصنف موسيقي واحد على وجه الدقة بل نريد إنتاج موسيقي يتضمن "الفني" وإن كان يجمع بين أصناف موسيقية مختلفة، لا حرج في أن أستمع لسمفونية من سمفونيات تشايكوفسكي أو بيتهوفن.. كما أنه لا حرج في أن أستمع لموسيقى الترانس الروحية… لكن تبقى موسيقانا العربية أروع وأدسم من حيث الإبداع وهذا أمر متبوث بأبحاث ودراسات بل تصدقه الأذن والقلب عند سماع كوكب الشرق أو محمد عبد الوهاب أو عبد الحليم حافظ والقائمة تطول وتطول في هذا الصدد.

  

يبدو من ما سبق ذكره أهمية الذوق الفني الموسيقي وانعكاساته الإيجابية على شخصية الأفراد عندما يتعلق الأمر بموسيقى تتضمن الإبداع والتميز، ولعل هذا ما نفتقده، فموسيقى اليوم يغلب عليها طابع العبث والارتجالية في الإنتاج كما لو أن الأمر لا يرتبط بالفن الموسيقي بشكل مطلق هذا ما يصادف أذاني في غالب الأحيان، إلا إذا قمت بالبحث الإرادي عن صنف من أصناف الموسيقى الحقة، وبتالي ما يستوجب معرفته هو أهمية الموسيقى وجماليتها وتأثيرها المهم على شخصية الإنسان ككل، ومن ثم لنختار ما ينمي ذوقنا الفني عند سماعنا لها ولنحترس من "الركاكة الموسيقية" السائدة.



حول هذه القصة

لقد شنّ بعض من الدعاة حَملات للقضاء على ظاهرة الغناء والموسيقى، بل وشاهدت في أحد الأيام مقطع يقوم فيه داعية إلى الله بتحطيم آلةٍ موسيقية.. فهل تعد الموسيقى والغناء حرام؟

blog by يوسف عمر يوسف
Published On 16/6/2018
مدونات - موسيقى

لطالما كان الراي حامل لمعاناة الشباب وآرائهم، يتغنى بهمومهم ومأسيهم عبر ألحان حزينة وكلمات بسيطة نابعة من قلب الهامش، وكانت الهجرة والحب والبطالة هي المواضيع التي تطغى على أغاني الراي.

blog by ايوب واوجا
Published On 25/8/2018
blogs - الشاب خالد

لقد هجر الناس الأغنية العربية حين هجرت اهتماماتِهم، وغرّدت خارج معاناتهم، وغدت وعاء للكلام الهابط والكلمة الساقطة، ولم تعد تلك المرآة التي تعكس ذواتهم وإنسانيتهم كما كانت من قبل.

blog by عادل أعياشي
Published On 3/9/2018
blogs مجموعة لمشاهب

الموسيقى تفصح عن تلك الأشياء التي لا نستطيع الحديث عنها، ولا نقدر السكوت عليها، ورامين جوادي استطاع أن يفصح عما يخالج أبطال مسلسلاته وسحر آذان المستمعين بتعويذاته.

blog by ايوب واوجا
Published On 7/5/2019
blogs رامي جوادي
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة