عن إقصاء المغرب.. الكرة مرآة فاضحة وليست فرصة سانحة

حتى وإن كانت كرة القدم مجرد لعبة بطلتها كرة منفوخة بالهواء، إلا أن دورها الحقيقي الخطير يكمن في فضحها للفساد والمفسدين خصوصا في دول العالم الثالث، صحيح أن الحظ يلعب فيها دورا فاعلا إلا أنه لا يُمكّن من حصد الألقاب واعتلاء منصات التتويج، إذ يتطلب ذلك قاعدة متينة تقوم على أسس رياضية دقيقة وسليمة تشوبها المصداقية في الأداء والعمل وهذا ما لا نمتلكه إلى حد الآن، إذا أردتَ أن تُجمّل الواقع بالوهم الرياضي وتبيعه للجمهور الوفي دائما بثمن بخس حتى تصنع المجد لنفسكَ وتبدو كالمنقذ المغوار، فالملعب جدير بأن يصفعك صفعة يُسمع دويّها من خارج المدرجات، فتسقط سقطةً مذلة تنكشف بها عورة الأوهام التي بيعت لعاشقي المستديرة المساكين.

  

إذا فكر ساسة الرياضة أن صرف المليارات على مدرب عالمي من الطراز الرفيع وجلب لاعبين غرباء عن الوطن لا تربطهم به سوى ورقة مكتوبة شرط أن يلعبوا خارج حدوده ولو في دوري جزيرة الواقواق سيجلب لهم ذرة كرامة في المحافل الإفريقية المتواضعة، فهم واهمون، فالفرحة لن تزور قلوب من افتقدوها أبدا حتى تسطَّر على يد من هم أحق بتوقيعها. الطفل الذي يدحرج كرة الصوف حافي القدمين في حي مُهمّش هو الأحق أن تنتظر منه رسم البسمة على وجوه أقرانه الذين شاركوه اللعب والمعاناة، هو من سيبكي حرقة على ضياع فرصة كانت على الأقل ستجعل أمه بائعة التوابل تبكي فرحا وهي تحتفي بولدها الذي حقق إنجازا ولو عبر لعبة يعشقها العالم كله.

 

مهما حاول الساسة تجميل الواقع بمظاهر خداعة مزيفة، لكن مرارة الواقع الحقيقي المعاش تكشف حجم الوهم والمؤامرة وتأبى إلا أن تحبط مخططاتهم الواهية لتعاد في كل مرة

من يرسم الفرحة على وجوه أبناء بلده ليس هو ذاك الذي يملك جواز سفر أحمر، ولد وترعرع في أحضان أوربا ولم تنفق عليه الدولة سنتيما واحدا، ولم يتقلّب في مرارتها يوما واحدا، ثم إذا بها تنتظر منه أن يحصد الألقاب ويقاتل من أجل ألوان العلم، فمثل هؤلاء أشك أنهم يعلمون بأي قميص يلعبون، من يعامل معاملة الأمراء وتُحجز له الفنادق الفخمة ولا يتحرك إلا بطائرة خاصة ولا يتدرب إلا في المنتجعات الراقية ولا يستطيع كائن من كان أن ينتقده أو حتى يتبادل معه أطراف الحديث بسبب غروره ونرجسيته، مثل هذا النوع لا تنتظر منه أن يكون قلبه وتركيزه حاضرين في المباراة، أو يقاتل على أرضية الملعب في سبيل فوز يفرح له ماسحو الأحذية في الشوارع والمشردون بين المقاهي والنوادي والأيتام في دور اليتامى والمنسيون في أعالي الجبال، أقل رد فعل يفعله بعد الهزيمة المذلة أن يستقل طائرته الخاصة صوب أوربا ليستمتع بأجواء الصيف الحار ويترك الحرارة تلتهب في قلوب الغيورين على اسم الوطن.

 

أن ترى لاعبا محليا يقف كالمنبوذ الغريب في منتخب يُفترض أن تجمعه الوطنية قبل كل شيء، يعرف أن استدعاءه للمنتخب لم يكن سوى شماعة لذر الرماد في العيون وأنه مع كل الأحوال لن يحظى بشرف لمس الكرة في تظاهرة دولية كهذه كما يفعل المحترفون في النوادي الأوروبية حتى وإن مر الجمل من سم الخياط، في مشهد يحرق كل آمال زملائه من اللاعبين المحليين في تمثيل بلدهم أحسن تمثيل كما هو الحال في الملتقيات الإفريقية الخاصة بالفرق، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُطلق لقب منتخب على مجموعة وعناصرُها لا تعرف المغرب البلد الذي تدافع عن ألوانه سوى عبر المتصفح غوغل إيرث، أو تزوره من حين لآخر في رحلات سياحية كأي بلد، بينما يظل لاعبو البطولة المحلية خارج الحسابات كيفما كان تألقهم وبروزهم في المنافسات الافريقية حتى لو حصدوا جميع الألقاب.

  

علينا أن نغضب على هذا المستوى الرديء لرياضتنا لأنه جزء من مسلسل إخفاقات تعم جميع المجالات الأخرى، ومهما حاول الساسة تجميل الواقع بمظاهر خداعة مزيفة، لكن مرارة الواقع الحقيقي المعاش تكشف حجم الوهم والمؤامرة وتأبى إلا أن تحبط مخططاتهم الواهية لتعاد في كل مرة نفس السيناريوهات والأخطاء بوجوه مختلفة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة